مع التطورات الخطيرة في دونباس شدد الغرب تحذيراته لروسيا من التورط في الهجوم رغم نفي القيادة الروسية المتكرر له، وسيراجع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات المتوقعة على روسيا غدا.
تباينت القراءات في احتمالات تطور الوضع المتفجر في مناطق شرق أوكرينا، البعض يرى فيه تحولا خطيرا يدفع بالوضع للوقوف على حافة اندلاع الحرب التي يجري الحديث عنها طوال الفترة الماضية، والتي لا تدع أي خيار أمام روسيا سوى التدخل لحماية سكان الجمهوريتين الانفصاليتين وما يترتب عليه من تنفيذ الغرب تهديداته بفرض ما يصفونها «بأم العقوبات» على روسيا، فيما يرى آخرون بأنها مجرد عرض «استفزازات» من قبل الأطراف المتورطة في النزاع لإرغام الخصم على الخضوع لمطالبه.
ويأتي اشتداد التوتر على خلفية إعلان كييف انسحابها (على الأقل بشكل غير رسمي) من اتفاقيات مينسك لتسوية النزاع في دونباس، ونقل نصف قواتها المسلحة على حدود التماس مع جمهوريتي دونتسك ولوغانسك الانفصاليتين، وشروعها بإطلاق النار على المناطق السكنية بما في ذلك من أسلحة تحرمها اتفاقيات مينسك، ورد ميليشيات الجمهوريتين عليها. وترفض كييف دعوة موسكو بإجراء مباحثات مباشرة مع قيادات الجمهوريتين الانفصاليتين لإيجاد تسوية شاملة للنزاع.
وأصبحت نهاية الأسبوع الماضي الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لسكان دونباس منذ بداية عام 2015. واتهموا أوكرانيا بالتحضير «لاجتياح عميق» لأراضيهم. وأعلن زعماء ما يسمى بجمهوريتي دونتسك ولوغانسك الانفصاليتين يوم الجمعة عن إجلاء طارئ للمدنيين إلى إقليم روستوف الروسي. ووفرت لهم السلطات الروسية مأوى مؤقتا ووجبات ساخنة ورعاية طبية، بالإضافة إلى دفع 10000 روبل لكل منهم. وتنفي كييف أي خطط لهجمات، ودعت الشركاء الدوليين لإدانة «الاستفزازات الروسية» في دونباس. ويستعد من تصفهم أوكرانيا بالشركاء، بالتوازي لاستقبال تدفق اللاجئين من أوكرانيا. وأعلنت السلطات البولندية، على سبيل المثال، عن استعدادها ليس فقط قبول الأوكرانيين، ولكن أيضًا لعلاج الجرحى نتيجة للأعمال العدائية الافتراضية.
التعبئة العامة
ودعا رئيس جمهورية دونتسك الانفصالية دينيس بوشلين مواطنيه إلى «توحيد كل الجهود» ومن وصفهم أبناء الوطن الذين هم في الاحتياط للحضور إلى المفوضيات العسكرية. وناشد جميع رجال الجمهورية القادرين على حمل السلاح، للدفاع عن عائلاتهم وأطفالهم وزوجاتهم، وأمهاتهم. وأضاف: «في جهودنا المشتركة سنحقق النصر المنشود والضروري لنا جميعا». وقال رئيس جمهورية دونتسك غير المعترف بها: «سنحمي دونباس وكل الشعب الروسي».
وحسب دينيس بوشلين إن الجيش الأوكراني يواصل قصف مدن دونباس، أي الخاضعة للانفصاليين، على نطاق واسع. ووفق معطياته، فقد تم إحباط عدة محاولات لشن ما وصفها هجمات إرهابية من قبل أجهزة المخابرات الأوكرانية في الجمهورية في الأيام الأخيرة. وأضاف «لقد أصابونا بقذائف الهاون وقاذفات القنابل وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات والرشاشات الثقيلة والأسلحة الصغيرة والمدفعية وأطلقوا النار من الدبابات». وقال بوشلين: «إن الميليشيات الشعبية تصد العدو بنيران الرد».
ووصفت التقارير الصحافية من دونباس بأن الوضع على خط التماس يبدو محبطا حقا. وذكرت بعثة المراقبة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا العاملة في المنطقة: تم إجمالا تسجيل 591 انتهاكا لنظام وقف إطلاق النار في أراضي دونتسك ولوغانسك يوم الخميس. وكانت البيانات النهائية ليوم الجمعة أكثر تشاؤماً بشكل ملحوظ.
كما أعلنت التعبئة العامة على أراضي جمهورية لوغانسك الانفصالية. وأخطر مجلس الشعب في لوغانسك الحكومة بإعلان التعبئة، وأشير في النص الذي أنه تم الإعلان فيه إن التعبئة تأتي من أجل تهيئة الظروف لصد العدوان على لوغانسك من قبل السلطات الأوكرانية. وينص المرسوم على أن يتم وضع وحدات الميليشيا الشعبية التابعة للوغانسك والتشكيلات العسكرية والخاصة الأخرى على أهبة الاستعداد القتالي الكامل، فضلاً عن ضمان طاقمها وفقا لأركان الحرب. كما فرض رئيس لوغانسك حظرا على السفر خارج الجمهورية للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و55 عاما. وأشار رئيس الجمهورية غير المعترف بها باشنيك، مخاطبا مواطنيه، إلى أن جميع سكان الجمهورية يواجهون «مهمة مشتركة وهدفًا رئيسيا – حماية أرضهم الأصلية بأي ثمن ومنع القتل الجماعي للمدنيين، كما كان الحال في عام 2014». وأضاف «إنني أدعو جميع أبناء الوطن الذين هم في الاحتياط ومن القادرين على حمل السلاح إلى الحضور إلى المفوضيات العسكرية والدفاع عن الوطن، بعد أن أدوا الواجب الدستوري للوطن الأم!».
وأكد وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف يوم الجمعة على حقيقة أنه يتم تسجيل «أحداث شاذة تختلف بشكل ملحوظ عما حدث منذ بداية العام». وحسب قوله، فقد استمر القصف على طول خط التماس بأكمله، حيث تم استخدام من بين أشياء أخرى، قذائف الهاون وقاذفات القنابل التي أطلقت من الدبابات وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات. في الوقت نفسه، أفاد الجيش الأوكراني بأن قافلة إنسانية تابعة للأمم المتحدة عند نقطة تفتيش تعرضت لإطلاق نار.
وفي تطور آخر ذكرت وكالة «إنترفاكس» نقلاً عن مصدر في المحادثات أن اجتماع مجموعة الاتصال الثلاثية بشأن إيجاد تسوية للنزاع في دونباس، والذي كان من المقرر عقده السبت، 19 شباط/فبراير، لن ينعقد. ووفقا له، فإن السلطات الأوكرانية ليست مستعدة للحوار مع جمهوريتي دونتسك ولوغانسك وهما اللتان أعلنتا استقلالهما من جانب واحد. ولم يحدد موعد الاجتماع الجديد بعد. وأضاف المصدر: «لم يظهر الجانب الأوكراني استعداده لتنفيذ مجموعة من الإجراءات، ولم يقدم مقترحات واضحة ومحددة، لذلك لا معنى لعقد اجتماع». وقالت وزيرة خارجية جمهورية دونتسك، الممثلة في مجموعة الإنصات الثلاثية، ناتاليا نيكونوروفا، لصحيفة «كوميرسانت» إن اجتماع الثلاثية سيعقد إذا كانت كييف مستعدة لمناقشة «خطوات ملموسة». ووفقا لها، يقترح وفد جمهورية دونتسك تطوير إجراءات بشأن التدابير الأمنية الإضافية على غرار ما تنص عليه الوثيقة التي تم تبنيها في عام 2020 لكن أوكرانيا لم تستجب بعد لهذه المبادرة.
وفي تعليقها على مزاعم الرئيس الأمريكي التي أعلنها في خطابه للأمة ليلة الجمعة على السبت، بأن القوات الروسية «حاصرت أوكرانيا عمليا» قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا ساخرة: «كان يجب أن يضيف: اقتربت روسيا بشكل خطير من حدود الناتو. والشيء الأكثر فظاعة ليست هناك كلمة عن الحالة الحقيقية للسكان المدنيين في دونباس. لا ناس ولا مشاكل».
في غضون ذلك، صرحت السلطات الأوكرانية أنها لا ترى «غزوا واسع النطاق» لروسيا على الأراضي الأوكرانية. وكما قال سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني أوليكسي دانيلوف، قد تكون هناك بعض «الاستفزازات الموجهة» من قبل روسيا. كما أكد دانيلوف، من أجل مواجهة الاستفزازات، من الضروري الرد على القوات المسلحة وقطاع الأمن والدفاع.
واتصالا بالتطورات الخطيرة في دونباس شدد الغرب من تحذيراته لروسيا من التورط في الهجوم رغم نفي القيادة الروسية المتكرر له، وسيراجع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات المتوقعة على روسيا يوم الاثنين، لكن مسؤولين غربيين قالوا إن توجيه ضربة جزائية لروسيا قد تكون مطلوبة «بسرعة وبشكل مكثف» في حال وقوع هجوم على أوكرانيا. وقال مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إنه يمكن فرض عقوبات «في الحالات التي نعتقد أن روسيا قد تجاوزت فيها الحدود بشأن هذه القضية». ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تأمل في أن يتفاوض وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع نظيره الأمريكي بلينكن أواخر الأسبوع الحالي ربما في جنيف بشأن خريطة أمنية أوروبية مستقبلية. وعلى هذا النحو تبقي كل احتمالات تطور الوضع قائمة.