استقالة البابا وبقاء الأسد

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراطحظيت استقالة البابا بتغطية إعلاميّة ضخمة أعطت لذلك الحدث قيمة تاريخيّة تماثل اعتلاء الملوك لعروشهم والرؤساء لمناصبهم وربّما تتجاوزها أمام ندرة الذين يغادرون المناصب والعروش بالمقارنة مع كثرة الذين يطلبونها ويحصلون عليها ولا يرغبون في تركها حتّى عندما تثور الشعوب منادية برحيلهم.

على قناة اليورو نيوز الإخباريّة، شاهدت لفيفا من الأخبار والتقارير التي واكبت ذلك الحدث وأخرجته في حلّة مهرجان وصل إلى ذروته الاحتفاليّة يوم الاربعاء الماضي عندما احتشد ‘الآلاف من سكان مدينة كاستيل غاندولفو للترحيب بوصول البابا بنديكتوس السادس عشر إلى مدينتهم لقضاء عدة أسابيع في المقر الصيفي بعد استقالته من الكرسي الباباوي’. وكانت تلك الحشود كافية للتغطية على كلّ ما أثير حول الأسباب الحقيقيّة لاستقالة البابا التي جاءت عقب اطلاعه على نتائج تحقيق داخليّ كشفت مدى الفضائح الجنسيّة والفساد داخل الفاتيكان. تحدّثت فضائيّة اليورونيوز عن تلك الفضائح في تقارير سريعة، ولكنّ حدث الوداع الذي نُقل مباشرة أخفى جميع العيوب وحجبها بظلال الجماهير المزدحمة التي جاءت لتوديع البابا واختلطت هتافاتها بأصوات مئات الأجراس من روما إلى كاستيل غاندولفو. وفي خطبة الوداع، قال البابا: أنا لست الحبر الأعظم للكنسية أنا الآن حاج بصدد إكمال المرحلة الأخيرة من حجّه على هذه الأرض…. وبعد اختفاء البابا، ونهاية التغطية، لم يبق في ذهني من كل التقارير التي أذيعت إلاّ ما قاله الخبير في الشؤون الكاثوليكية أدريانو بروسباري في وصفه لسلطة البابا: ‘إنّه حاكم مطلق يملك صلاحيّات خوّلها له الربّ’. فالجملة مستفزّة لنا في خضمّ الأحداث الدرامية التي عاشها ويعيشها الوطن العربيّ، لأنّها ترغمنا على التأمّل في مقارنة بين سلطتين: سلطة البابا ‘الذي يحكم بصلاحيات من الربّ’، ومع ذلك يستقيل، وسلطة بعض حكّامنا العرب الذين يتجاوزون الربّ والشعب ولا يستقيلون أبدا، لأنّ الاستقالة عندهم ضعف وانهزام، والحال أنّها قد تجلب لهم مزيد الاحترام كما حدث مؤخّرا مع انسحاب حمادي الجبالي من رئاسة الحكومة ما ساهم في ازدياد شعبيّته… أمّا في سوريّة، حيث تبدو استقالة بشّار الأسد مفتاحا لتجاوز جميع الكروب والحروب التي حلّت بشعبه وبلده. ورغم الأصوات المنادية برحيل الرجل عن الكرسيّ، فإنّه يظلّ متمسّكا به، متحدّيا كلّ المخاطر التي تتعاظم وتتسع يوما بعد يوم، بل وعازما على المشاركة في انتخابات 2014… وفي انتظار ذلك التاريخ، لا يمكن التكهّن بالحجم الذي ستبلغه المأساة السوريّة تحت حكم الأسد، ولكنّ استقالة البابا التي تحوّلت إلى عرس جلب للرجل مزيدا من الحبّ والاحترام، قد تقدّم درسا أخيرا لكلّ الحكّام الجبابرة ليتعلّموا أنّ بعض الاستقالات تحوّل الفشل إلى نجاح والفضائح إلى مدائح.

جريمة جنسيّةبعيدا عن فضائح الكنيسة التي تحاط بغلاف شفّاف يحجب بعض تفاصيلها، تُصنّع فضائح أخرى لتسويقها على نطاق واسع والاستفادة منها ماديّا وإعلاميّا. في هذا السياق، جادت علينا القناة الفرنسيّة المشفّرة كنال بلوس (canal plus) في مساحة بثها المفتوح المخصّص للأخبار وبرامج التوك شو بدردشة حواريّة تناولت فضيحة جديدة تتعلّق بالفرنسيّ ذائع الصيت دومنيك ستروس كان. وهو الرجل الأكثر ملاحقة منذ زوبعة السوفيتال التي جعلته موضوعا قارّا لرفث الكتّاب والإعلامييّن. آخر ‘الفضائح الجنسيّة’ التي تعلّقت به دوّنتها الكاتبة مارسيلا يعقوب في روايتها الجديدة ‘جميلة’ووحش'(belle et b’te)، حيث تذكر تفاصيل مغامرتها مع البطل الذي وصفته بأنّه نصف انسان ونصف خنزير، خلال سبعة أشهر هي عمر العلاقة التي جمعتهما سنة 2012. الموضوع أغرى الصحافة فخصّصت له مجلّة – Le nouvel observateur- تغطية حصريّة مفصّلة تتضمّن حوارا مع الكاتبة بعنوان جذّاب: ‘قصّتي مع ستروس كان.. القصّة القنبلة للكاتبة مارسيلا يعقوب’… ولأنّ ذلك العنوان أثار ردود فعل غاضبة خاصّة من طرف ستروس كان الذي عبّر عن اشمئزازه الشديد، دُعي لورين جوفرين صاحب المجلّة إلى مساءلة تلفزيونيّة لتأخذ القناة التجاريّة المذكورة حظّها من تلك الوليمة الإعلاميّة، فدافع الرجل عن تلك التغطية قائلا:’إنّ الموضوع أدبيّ عظيم الفائدة… وأنا مطالب باختيار المواضيع التي تهمّ قرّاءنا’. وفي كلامه بعض الصدق، فالصحافة المكتوبة منكوبة بعزوف القرّاء الذين صاروا يتعاملون مع المقروء بعقليّة استهلاكيّة جديدة همّها متابعة المثير من الموادّ التي تلاحق أسرار الناس فتكشف بعض فضائحهم أو لنقل مغامراتهم الجنسيّة… وتلك حقيقة تفسّر ربّما توجّه الكاتبة نفسها فقد تناولت ذات المواضيع في كتابين سابقين عنوان الأوّل: ‘الجريمة كانت جنسيّة تقريبا’، وعنوان الثاني:’مجتمع المغتصِبين’. وفي كتابها الجديد، يعرف ستروس طبعا كلّ تفاصيل العلاقة فهو بطل القصّة، ولكنّها بطولة بطعم العلقم بعد إدراكه للكمين الذي نصبته له الكاتبة مارسيلا التي أرادت أن تستثمر تفاصيل مغامرتها الجنسيّة تحديدا وتحوّلها إلى رواية مثيرة أو مسيئة كلّ حسب معاييره وانتظاراته. ولمن يرغب في قراءة القصّة أحيله (ترهيبا وترغيبا)على هذا المقطع حيث تصف الكاتبة عشيقها المؤقّت بالخنزير قائلة: ‘أردت أن أخلق نظريّة أخرى للحب انطلاقا من تجربتي: راهبة تقع في حبّ خنزير، راهبة تتحوّل من عظمة الحبّ الإلهيّ إلى التمرّغ في القمامة’. وللناس فيما يعشقون مذاهب.

عشّاق الرقصة الوافدةغريب جدّا ما يحدث في فضائيّاتنا التونسيّة، فسلوك العاملين بها يذكّرني بمثلنا الشعبيّ:’يشعل النار ويقول من أين الدخان؟’. وقد أشعلوها هذه المرّة بحرارة الرقصة الوافدة ‘هارلم شيك’ التي مورست في ثانويّة الإمام مسلم بتونس العاصمة بطريقة لا تليق بمؤسّسة تربويّة، فتحوّل الموضوع إلى زوبعة صنعها الإعلام ثمّ استنكرها ونسبها إلى وزير التربية محمّلا إيّاه كلّ المسؤوليّة… على قناة التونسيّة وفي برنامج التاسعة مساء، تمّ استنطاق الوزير(المتّهم) بأسولب أقرب إلى التوبيخ بعد إذنه بمساءلة مديرة المعهد لمعرفة الظروف التي أدّت إلى ذلك ‘التسيّب’ حيث ظهرت على التلاميذ الراقصين علامات السكر، وتعرّى بعضهم إلاّ من تبّان قصير وشوهدت حركات بذيئة وإيحاءات جنسيّة… وتلك البراهين المصوّرة لم تشفع للوزير وهو يدافع عن قراره، ولم يستفد من تعاطف بعض الوزراء الذين دعَوْا – على الوطنيّة وحنّبعل ونسمة والتونسيّة- إلى تأطير التلاميذ في كلّ أنشطتهم حتّى لا تخرج عن القواعد الأخلاقيّة التي تعمل الأسرة والمدرسة على غرسها في سلوكهم… وكعادته، أفسد محمود البارودي (المعارض دومًا) ذلك الدرس، عندما تعاطف مع التلاميذ وتهكّم على الوزير بطريقة مبتذلة طمعا في التكسّب السياسيّ الذي أضاف إلى معجم السياسة ما يمكن توصيفه بالتسوّل الحزبيّ… قناة نسمة استضافت من جانبها اثنين من التلاميذ الذين رقصوا، فاعترفا بالخطأ، وعبّرا عن الأسف، وهما بذلك أكثر إنصافا للوزير. فرغم صغر سنّهما، أظهرا تعقّلا لم نره عند الصحفيّين الذين لا يعنيهم من شأن التربية إلاّ معارضة وزيرها.. وعلى أيّة حال، حقّـقت تلك التغطية أهدافها، فتحوّلت الرقصة الوافدة إلى وباء، وانتشرت العدوى في أغلب أنحاء البلاد، وغزت ساحات المدارس، وتطوّرت إلى مظهر احتجاجيّ على بعض السياسات. ومثل ذلك وقع في مصر حيث أقيمت الرقصة أمام مقرّ الإخوان المسلمين… وربّ ضارّة نافعة، فالاحتجاج بالرقص أفضل من الاحتجاج بقطع الطرق وممارسة العنف، وفي ذلك ما يدعم انتماءنا للقارّة السمراء، فشعوبها المقهورة تقاوم (بالرقص والغناء) مظاهر الظلم والاستبداد. ‘فارقصوا وغنّوا’ كما قال القذافي، أو كما قال عادل إمام:’ كلّنا هنرقص يوم القيامة’… ورقّصني يا واد!

كاتب تونسي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية