صدر للباحث العراقي فالح مهدي المقيم في باريس، كتابه الجديد الموسوم بعنوان «استقراء ونقد الفكر الشيعي» عن دار الياسمين في القاهرة. يستقصي الكاتب تاريخ المذهب الشيعي والمكوّنات والدوافع والمحرّضات التي أدت إلى شق الدين الإسلامي، وصولاً إلى نشوء حركات سرية دينية، ومذهبية أخرى متطرفة، التحقت أو ادعت تمثلها لهذا الإتجاه المذهبي أو ذاك.
يفنّد الكاتب مهدي في كتابه هذا تاريخ الموقف الإيراني على الإسلام، وعلى سياقات السنة النبوية بشق صفوف المسلمين عبر حركات، واتجاهات، وتشكلات ما زالت تقوم حتى يومنا هذا، تحت شتى المسميات مدعية الأحقية والنسب لبيت الرسول وآله الكرام.
في مقدمته للكتاب يوضح فالح مهدي تصوّراته المسنودة بأسانيد علمية وفكرية وفلسفية بحتة، تُدين السعي إلى زرع الطائفية وتفتيت السياق الإسلامي من خلال مفكرين أغلبهم فارسيون قدامى، سعوا إلى رش السموم على تاريخ القوى الفاعلة، والمؤسسة للدين الإسلامي الحنيف قائلاً: «إن في هذا الكتاب مادة شديدة التنوع، اقتضتها طبيعة هذا البحث الذي حاول أن يفهم العلاقة بين الفكر السياسي الشيعي الاثني عشري والإحباط الفارسي، فلكي نفهم طموحات إيران المعاصرة، لا بد من الرجوع إلى الكلّيني والفردوسي والمجلسي. هذا البحث محاولة في أركيولوجيا الثقافة والرجوع إلى المصادر التي يستند إليها الشيعة الاثني عشرية لتقديم تصوّرهم عن الإسلام، وعن العالم المحيط بهم، وعن أوهامهم ونرجسية من سمح لتلك الثقافة أن تنمو وتزدهر، وتصبح حاضرة في سلوكيات الناس، باعتبارها حقائق مطلقة، بمعنى آخر تطمح هذه الدراسة إلى مفاهيم الحفر والتنقيب على ضوء علم الأنثروبولوجيا» .
وفي مكان آخر من المقدمة يقول عن الهاجس الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب هو التدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي، وانتفاضة شباب العراق «كلما حاولت أن أبتعد عن موضوع إيران والتشيّع، كانت الأحداث تدفعني بقوة لأدلي بقولي، إن انتفاضة شباب العراق وهم في غالبيتهم من عوائل شيعية، وما قامت به الميليشيات الموالية لإيران من قتل واختطاف، ليس من يقف في وجه طموحات إيران بابتلاع العراق حسب، بل اختطاف الدولة، وتعذيب وترهيب، كانت عاملاً حاسماً في هذا الأمر.. ولم يرد في ذهني أثناء عودتي للخوض في هذا الموضوع أنني أخوض وأبحث عن فهم جذوري العقائدية، فأنا من عائلة شيعية في توجهاتها العقائدية».
ينطوي الكتاب على ثلاثة فصول، فالفصل الأول هو عبارة عن مقدّمات في الثقافة واللغة والفكر، الفصل الثاني يصوّب باتجاه القرن الأول الهجري، مشيراً لبدء نشوء التشيّع في الكوفة ومساجدها ومدارسها، بينما الفصل الثالث ينصب على كل الشواهد والأسماء والمدارس الدينية والمذهبية والتاريخية ويخص القرن الرابع للهجرة بمسمى «قمة الإبداع وقمة الخبث» دلالة لمفهوم الانتقام الفارسي من الخلفاء الراشدين، وإشارة للمفهوم الحضاري الذي اتسمت به الحضارة العباسية في بغداد، دارساً عبر هذا الفصل الجاحظ باعتباره رمزاً حضارياً، وأبا حيان التوحيدي كذلك، وصولاً إلى شهنامة الفردوسي وزردشة الإمام علي رضي الله عنه، كون صورته هي صورة زرادشت نفسها المنتشرة في كل من إيران وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول المجاورة.
احتوى الكتاب على مراجع وهوامش بالعربية والفرنسية والإنكليزية، ويقع في 183 صفحة من القطع الكبير.