استقلال القضاء المصري في خطر

حجم الخط
0

رأي القدس عندما يصف الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية مصر بانها اصبحت اشبه ‘بجمهورية موز’ في مدونته على موقع ‘تويتر’ احتجاجا على التدخل في عمل القضاء المصري وبما ادى الى الافراج عن نشطاء امريكيين متهمين بالتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فانه محق في توصيفه هذا، لان مثل هذه التدخلات التي اساءت للقضاء المصري وشوهت صورته، ودمرت مصداقيته من المفترض ان تكون قد توقفت نهائيا في مرحلة مصر الثورة.

الضغوط الامريكية اثمرت في الافراج بكفالة عن مجموعة من الناشطين الامريكيين كانوا يحاكمون امام القضاء المصري بتهمة القيام بانشطة تتعارض مع السيادة المصرية، في اطار ما سمي بقضية التمويل الخارجي لمنظمات المجتمع المدني.

الادارة الامريكية ارسلت رئيس هيئة اركانها الى القاهرة الجنرال مارتن ديمبسي من اجل اجراء مفاوضات مع المجلس العسكري لطي صفحة هذه الازمة، والسماح للنشطاء من حملة الجنسية الامريكية بمغادرة مصر والعودة الى بلادهم. ويبدو ان الجنرال الامريكي نجح في مهمته بدليل مغادرة هؤلاء جميعا وسط حفاوة بالغة في مطار القاهرة، بعد دفع كل منهم كفالة مقدارها مليونا جنيه مصري (330 الف دولار). السلطات المصرية التي اكدت انها لن ترضخ للضغوط الامريكية، ولن تكون اسيرة مساعدات سنوية مقدارها مليار وربع المليار دولار، تراجعت عن موقفها هذا، وحولت القضية من محكمة الجنايات الى محكمة الجُنح من اجل تسهيل سفر المتهمين الامريكيين، لان عقوبة الجُنح الغرامة وليس السجن مثلما هو الحال في الجرائم الجنائية.

ان ما حدث هو اهانة بالغة للقضاء المصري، فالطريقة التي جرى التعاطي فيها مع ازمة النشطاء تعيد التذكير بممارسات النظام السابق من حيث الخنوع لجميع الطلبات والاوامر الامريكية دون مناقشة وبذل كل جهد ممكن لعدم اغضاب الادارة الامريكية خوفا من قطع المساعدات، وفضح فساده واتباعه.

فكيف يمكن السماح لاعضاء في جمعيات ومنظمات مجتمع مدني ممولة من الخارج بالسفر بهذه السهولة، بعد اتهام هؤلاء بالعمل على تقسيم مصر وتقويض استقرارها الداخلي، والعثور على وثائق تدينهم عند اقتحام مقراتهم؟

هناك واحد من امرين: فاما ان تكون السلطات التي اطلقت هذه الاتهامات كاذبة ولا تملك ادلة، او انها رضخت بالكامل للضغوط الامريكية. فمن غير المعقول ان تكون التهمة الموجهة لمن يريد تقسيم مصر وضرب استقرارها، جنحة يعاقب عليها القانون بالغرامة اذا كانت هذه التهمة صحيحة.

كنا نتمنى لو ان السلطات المصرية تمسكت بمواقفها وتصلبت في وجهة نظرها، وتركت المسألة برمتها للقضاء، ورفضت كل الضغوط الامريكية على اساس المعاملة بالمثل، فالسلطات الامريكية لا يمكن ان تسمح لأي دولة كانت ان تتدخل في قضائها ومجرياته مؤكدة دائما انه قضاء مستقل.

نريد من مصر الثورة ان تكون مختلفة كليا عن مصر حسني مبارك، ومافيا الفساد، نريدها ان تقدم مثلا في استقلالية القضاء بعد ان اعادت الثورة لمصر كرامتها وعزتها وشموخها. ومن المؤسف ان التعاطي مع النشطاء الامريكيين جعلنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا وقلقا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية