استقلال وانعزال وما بينهما غش بالحلال

من المقرر أن يعقد في أيلول/ سبتمبر القادم استفتاء في اسكتلندا حول الاستقلال، أي الانفصال عن الاتحاد القائم منذ أكثر من ثلاثة قرون مع انكلترا وويلز وايرلند الشمالية.
موضوع حساس إلى حد أن ساسة ‘الحزب القومي الاسكتلندي’ المتزعم للحركة المنادية بالاستقلال قد انتقدوا الزيارة التي قام بها الخميس رئيس الوزراء ديفيد كامرون إلى اسكتلندا في إطار حملته المنادية بالحفاظ على المملكة المتحدة، على أساس أنه يحشر أنفه في ما لا يعنيه! (وبلغة أخرى: لا حل أهلا ولا نزل سهلا!).
كما تعقد الخميس المقبل انتخابات البرلمان الأوروبي التي يخشى أن يفوز فيها ‘حزب الاستقلال البريطاني’ الشعبوي الانعزالي بنسبة معتبرة من المقاعد. ولكن رغم كل هذه السحب المتراكمة، فإن العصافير تزقزق: لأن الخبر المتصدر للنشرات التلفزيونية في بريطانيا منذ أسابيع هو وقائع محاكمة ذلك الرجل الذي يشتبه في أنه قتل زوجته في جنوب إفريقيا. نقل حي وتقارير وشروح بالتفصيل الممل عن خبر عادي ليس سوى قطرة في بحار الأخبار المتفرقة.
والحق أن للبريطانيين في ما يعشقون، إخباريا وسياسيا، مذهبا عجيبا محيرا. من ذلك أن القضية التي استحوذت على اهتمامهم قبل بضع سنوات هي ‘قضية صيد الثعالب’!. انقسمت البلاد والبرلمان بمجلسيه، طيلة شهور، إلى فسطاطين: بين مطالب بوقف هذه الممارسة الهمجية المنافية لحقوق الحيوان، وبين مطالب بحق البريطانيين (الأرستقراطيين والمنعمين منهم على وجه الخصوص) في الخروج لموسم الصيد سيرا على سنّة الأسلاف. ذلك أن الثعالب عنصر ثابت في الجغرافيا البريطانية: تنتشر في البرّية ولا يتردد كثير منها في ‘النزوح’ إلى المدن. ولهذا فالثعلب الراكض ليلا في الشوارع أو المتلصص بين السيارات الرابضة مشهد مألوف.
أما القضية التي استحوذت على اهتمام الإعلام الأسبوع الماضي فهي اكتشاف القوم ‘فضيحة’ أن عددا من المحلات التجارية الكبرى تبيع لحما مذبوحا على الطريقة الإسلامية دون أن يكون على الأكياس أي إشارة إلى أن هذا لحم حلال. وقد يسأل البريء: ‘فما هي المشكلة؟ أليس الأمر بالنسبة لغير المسلمين واليهود سيان؟
هل هنالك فرق بين أن يأكلوا اللحم مذبوحا على طريقتهم أم على طريقتنا؟’ نعم، هنالك فرق كبير. ولهذا فالأمر خطير.
إذ عدّ عدم التنويه إلى أن اللحم حلال نوعا من الغش أو خيانة الأمانة (كأن لسان حال المخدوعين من البريطانيين يقول: كنا نثق بهم ونعتقد أنهم لا يبيعوننا إلا لحما حراما كل دمه فيه كما نحب، فإذا بهم يغشوننا ويبيعوننا لحما حلالا!!!).
لماذا؟ لأن كثيرا من البريطانيين يعتقدون أن الذبح الحلال ‘همجي’ مناف لحقوق الحيوان. أما معالجة الحيوان بصدمة كهربائية مثلما يفعلون، فذلك هو عين الرفق بالحيوان. ويبدو أنه لم يخطر ببال أحد من هؤلاء أن الرفق الحقيقي بالحيوان هو في عدم قتله وعدم أكله أصلا، وأننا إذا تحرينا مسألة الرفق حقا فقد وجب أن نمتنع لا عن أكل لحوم الحيوانات فقط، بل وعن أكل النباتات أيضا لأنها كائنات حية بالمعنى البيئي.
وتشاء الصدف دوما أنه كلما أثيرت قضية الذبح الحلال فإن ‘الهمجية’ لا يعثر لها على أثر إلا في الديانة الإسلامية دون سواها، أما حلال (كوشر) الديانة اليهودية فعقابه تحليق رشيق تحت مستوى الرادار. إنها مجرد صدفô

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية