موسكو – أ ف ب: أعلنت روسيا أمس الجمعة استكمال بناء خط أنابيب غاز «نورد ستريم2» المثير للجدل، الذي يربط روسيا بألمانيا ويعتبر منتقدوه أنه سيزيد من اعتماد الدول الأوروبية في مجال الطاقة على روسيا، فيما أكدت أوكرانيا أنها «ستحارب» المشروع حتى النهاية.
وقالت الشركة في رسالة نشرتها على قناتها على تطبيق «تلغرام» أمس «أثناء اجتماع تشغيلي صباحي في غازبروم، صرّح المدير العام للمجموعة أليكسي ميلر أنه هذا الصباح عند الساعة 08,45 بتوقيت موسكو (05,45 ت غ) تم إنجاز بناء خط أنابيب نورد ستريم2 بالكامل».
ودعا الكرملين إلى تشغيل خط الأنابيب «في أقرب وقت ممكن» مؤكداً أن «جميعنا لدينا مصلحة» في ذلك.
في المقابل، صرّح المتحدث باسم الرئاسة الأوكرانية سيرغيي نيكيفوروف لوكالة فرانس برس أن أوكرانيا ستحارب «نورد ستريم2» رغم استكمال بنائه. وقال «الرئيس (فولوديمير زيلنسكي) أشار دائماً إلى أن أوكرانيا ستحارب هذا المشروع السياسي الروسي حتى استكمال بنائه، وبعد ذلك وحتى بعد بدء إمدادات الغاز».
ويحمل إعلان انتهاء الأشغال طعم الانتصار بالنسبة لروسيا، في حين أن التوترات الدبلوماسية التي خلفها المشروع البالغة تكلفته 10 مليارات يورو كانت قوية جداً في فترة معينة، إلى درجة أن البعض اعتقد أن خط الأنبوب لن يرى النور أبداً.
وبالنسبة لمنتقديه في أوروبا وكذلك الولايات المتحدة، سيزيد المشروع على المدى الطويل اعتماد الدول الأوروبية في مجال الطاقة على روسيا الخصم الإستراتيجي الكبير بالنسبة للدول الغربية، ويشكل «خيانة» لمصالح أوكرانيا حليفة الغرب في مواجهة موسكو.
ويُفترض أن يضاعف خط الأنابيب الممتد تحت مياه بحر البلطيق عمليات تسليم الغاز الروسي إلى ألمانيا، المروّج الرئيسي للمشروع. ويمتدّ هذا الأنبوب القادر على نقل 55 مليار متر مكعب من الغاز في العام، على 1230 كيلومتراً تحت مياه بحر البلطيق، وهو الطريق نفسه الذي يمتدّ عليه خط أنابيب «نورد ستريم1» الذي وضع في الخدمة في العام 2012.
وعلى مدى سنوات، تواجهت واشنطن وبرلين بشأن المشروع، وكذلك الأوروبيون في ما بينهم، وأيضاً روسيا وأوكرانيا، التي ترى أن تشغيل خط الأنابيب يُضعف موقعها. وأخيراً سمح تغيير واشنطن موقفها بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، بالتوصل إلى تسوية ألمانية أمريكية لمحاولة وضع حدّ لهذا الخلاف.
وأحد الجوانب الأكثر إثارة للجدل في المشروع هو أنه يلتفّ على الطريق التقليدية لتوصيل الغاز الذي يعبر أوكرانيا ما سيحرم هذا البلد من رسوم عبور قدرها حوالي مليار يورو سنوياً.
وتخشى كييف أيضاً أن يجعلها المشروع أكثر ضعفاً حيال موسكو، عبر حرمانها من أداة تأثير مهمة.
وتعرّضت المستشارة الألمانية لانتقادات كثيرة من أوكرانيا بسبب هذا الملف. وأكدت أواخر أغسطس/آب من أوكرانيا أن بلادها ستفعل كل ما بوسعها لتمديد عقد العبور الروسي الأوكراني الذي ينتهي العمل به العام 2024، كما أنها شدّدت على أن موسكو ينبغي ألا تستخدم الغاز كـ»سلاح».
ولم تكفّ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تأكيد أن «نورد ستريم2» ليس سوى مشروع تجاري بحت دون بُعد سياسي. لكنّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي أبلغها أنه يعتبره بمثابة «سلاح جيوسياسي خطير».
والمشروع الذي تديره شركة «غازبروم» الروسية العملاقة وتقدر قيمته بأكثر من 10 مليارات يورو، تموّله بشكل مشترك خمس مجموعات أوروبية في قطاع الطاقة («او أم في» النمساوية، و»إنجي» الفرنسية، و»وينترشال ديا» الألمانية، و»يونيبر» و»شل»).
وألمانيا هي المُروِّج الرئيسي لخط الأنابيب داخل الاتحاد الأوروبي، وتعتبر أنه مشروع اقتصادي قبل كل شيء وأنه سيساعدها في تحقيق انتقال الطاقة الذي التزمت به، مع جعل أراضيها مركزا للغاز الأوروبي في الوقت نفسه.
وكانت الولايات المتحدة تعارض منذ البداية هذا المشروع الذي من شأنه أن تضعف أوكرانيا، معتبرةً أنه يعزز المصالح الروسية، في وقت تريد واشنطن أيضاً بيع الأوروبيين غازها الصخري المُسال الأكثر كلفة.
في الوقت نفسه ينقسم الأوروبيون. فبولندا وكذلك دول البلطيق تشعر بالقلق من رؤية الاتحاد الأوروبي ينصاع للطموحات الروسية.
وحتى في ألمانيا، لا يحظى «نورد ستريم2» بالإجماع. فقد اعتبر تقرير صادر عن معهد الأبحاث الاقتصادية الألماني «دي آي دبليو» في 2018 أن خط أنابيب الغاز يستند إلى توقعات «تبالغ في تقدير الطلب على الغاز الطبيعي في ألمانيا وأوروبا».
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد وجهت ضربات قوية لأشغال بناء الأنابيب عبر التصويت في 2019 على قانون يفرض عقوبات على الشركات المشاركة في الورشة.
وبدأت الأشغال في نيسان/أبريل 2018، وتوقفت في كانون الأول/ديسمبر 2019 فيما لم يكن قد تبقى إلا 150 كيلومتراً من الأنبوب لمده في المياه الألمانية والدنماركية، واستؤنفت الأعمال بعد عام.
وتخلى الرئيس الأمريكي جو بايدن عن عرقلة المشروع، معتبراً «أن الوقت قد فات، وانه أصبح حقيقة واقعة» وأن من الأفضل الرهان على التحالف مع ألمانيا بحيث أن واشنطن ترغب في ضمان التعاون معها في ملفات أخرى لا سيما في مواجهة الصين.