استلهم الادب في اعمالي التركيبية وافكر بالاتجاه الي عروض الفيديو

حجم الخط
0

التشكيلية العُمانية طاهرة فداء:

مسقط “القدس العربي” من أنور بدر: تبدو مسقط كمدينة مسكونة بهوس الفن التشكيلي، شابات وشباب يخوضون المغامرة للتعبير عن أنفسهم في مجتمع يتحرّك بسرعة، وهم لا يتحركون معه فقط، بل ربما يشكلون عجلة القيادة فيه. بعضهم درس في الخارج، وبعضهم تابع دورات في مقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وأكثرهم يتكئ علي موهبة حقيقية ويسعي في كل الاتجاهات من أجل تطويرها.

وربما تشكل الفنانة طاهرة فداء نموذجاً لهذه الموهبة الطامحة لتحقيق ذاتها وتطويرها باستمرار، تقول عن البدايات: كانت والدتي مدرسة تربية أسرية، وتدرّس في المركز النسوي التابع للشؤون الاجتماعية والعمل، تعطي دروسها للأمهات غير العاملات، تساعدهنّ في اكتساب مهنة أو حرفة، وعندما كانت تصحبني معها وأنا بنت أربع سنوات، كنت أتابع هؤلاء الأمهات يرسمن علي القماش أو يقصصن منه ليصنعوا أشياءهن الجميلة، والتي حاولت فيما بعد تقليدها.

في الصف الخامس الابتدائي وبمساعدة والدتي الكريمة، اشتركت في مسابقة علي مستوي مجلس التعاون لدول الخليج، وأخذت الجائزة الثالثة علي عمل تطريز علي القماش. كما أخذت جائزة علي مستوي محافظات مسقط في الرسم علي الزجاج وأنا في الثالث الاعدادي.

بعدما أنهيت دراستي واشتغلت مدرسة للغة الانكليزية لم أنقطع عن هذه الهوايات اذ كنت رئيسة جمعية النشاط الاجتماعي والذي يتضمن التصوير الضوئي وصناعة وسائل الايضاح وتنسيق جريدة الحائط في المدرسة، كما حافظت علي هوايتي في تصنيع الزهور من الأقمشة والرسم علي الفخار وصناعة المزهريات وكذلك التطريز علي الشالات والعبي وحتي التيشيرتات، وقد شاركت من خلال هذه الممارسات في ست أو سبع أسواق خيرية.

كما فزنا في أحد النشاطات المسرحية لمدرسة مدينة قابوس علي مدارس السلطنة مجتمعة، وقدم هذا النشاط في الاذاعة والتلفزيون. حتي طلب اليّ الانتقال من تدريس اللغة الانكليزية الي تدريس التربية الفنية. ولكن كيف انتقلت الفنانة طاهرة فداء من تلك الممارسات ذات الطابع الحرفي الي ممارسة الرسم كفن تشكيلي؟ في عام /1996/ فكرت بالانضمام الي كليّة أو جامعة لتطوير موهبتي الفنية والحصول علي شهادة أكاديمية، رغم ايماني أنّ الموهبة هي العنصر الأساسي في العملية الابداعية، لكن الدراسة الأكاديمية تساهم في صقل هذه الموهبة. وهكذا اتبعت دراسة لمدة ثلاث سنوات، درست خلالها /14/ وحدة، اثنتان منهم اختياريتان، وقد درسنا التظليل والألوان الزيتية والمائية وكذلك الحبر الصيني وقلم الرصاص، اضافة للتشريح وحركة الأجساد. وقد اخترت مادتي عمل الاطارات وكيفيّة شد اللوحة اضافة لكيفيّة بيع اللوحات كوحدات اختيارية.

المادة الأصعب بالنسبة لي كانت مادة التشريح، فحاولت الحصول علي دروس خاصة من الأساتذة سعود الحنيني وعبد الله الحنيني.

كما أخذت دورة خاصة ضمن أربع طلاب عند مدرّس ايراني، محمود بدر كان يدرس في الجمعية أيضاً، درسنا كيفيّة تحضير الألوان الزيتية، كيف نطحنها ونستعملها دون أن نشتريها جاهزة، كما درسنا الرسم بواسطة أقلام الرصاص الملونة، وأول معرض اشتركت فيه كان معرض الشباب في الجمعية العمانية سنة /1997/ وأخذت عليه جائزة. وثاني مشاركة لي كانت في السنة التالية في البحرين وأخذت جائزة عليها أيضاً. كيف انتقلت طاهرة فداء من الرسم الواقعي الي الرسم التجريدي؟ بعد عدة مشاركات في معارض متباينة داخل السلطنة وخارجها، ذهبنا أربع فنانين وأربع فنانات في سنة /2000/ الي لبنان في دورة للفن المعاصر التجريدي، وهي عبارة عن ورشة عمل في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة في الزلقا، وهناك أقمنا معرضاً مشتركاً لنا في نهاية الدورة ثم نقلناه الي السلطنة.

ومن المعارض المتميزة علي هذا الصعيد كان معرض مشترك لثمانية فنانين، واشتركت في معرض آخر مع فنانات من السعودية والسلطنة، ثم أقمت معرضا مشتركا مع فنان سعودي وربما يكون معرض 4×1الذي أقمناه هذا العام في الجمعيّة العمانية للفنون التشكيلية نقلة نوعيّة في هذه المسيرة. اذ اشتركت مع ثلاث فنانات متميزات علي مستوي السلطنة فمريم عبد الكريم فنانة قديمة ولم تتوقف عند لحظة معينة، بل تركت بيتها وذهبت لأستراليا حيث حصلت علي ماجستير في الفن، وهي مديرة قسم الفنانات في الجمعية، وقد استطاعت أن تصنع اسماً متميزاً في تجربتها، بالاضافة للفنانة سارة وايت معها ماجستير من بريطانيا وناقدة متميزة، كما تدير متحف الزبير للفن، وعندها ذائقة بصرية متميزة. أما الفنانة راديكاها هملاي فهي متأثرة بالفن الهندي القديم الباحث عن سرّ الحياة خارج تفاصيل الواقع.

وفي بادرة لأول مرة تتم في السلطنة أنجز رائد الحركة التشكيلية أنور سونيا فيلم فيديو مدمجا لأعمالنا الأربعة، وعرض في قاعة العرض الصغري بالتوازي مع افتتاح المعرض. وقد لاقي معرض 4×1 احتفاءً جميلاً من الجمهور والنقاد بآن ٍ معاً. وربما أكون قد بلورت من خلال مشاركتي في هذا المعرض أسلوبا خاصا بي ومتميزا. طاهرة فداء أعادت انتاج لوحات من الأدب والسينما؟ في أعمال سابقة لي حاولت التعبير عن هموم سياسية واقعية، ففي ثلاثية لي عن الحرب العراقية، حاولت تناول الموضوع من الجانب المعنوي والمادي والحدث التاريخي، وكان عنوان احدي لوحات الثلاثية 11 فهرنهارت المأخوذ عن فيلم مايكل مور، وقد ساعد العنوان كثيراً في توصيل المضمون الذي أشادت به الدكتورة باتريشا وبطريقة التناول، أما الناقد والفنان فؤاد سليم فقال: لو كانت هذه اللوحة معروضة أمامي لمنحتها جائزة تقديرية، ونصحني بالاهتمام بالجانب الصوفي في الأدب.

وكان لي تجربة من أربع لوحات عن قصة امرأة انكليزية تعمل في احدي دور النشر، وتحصل بالصدفة علي قنينة مرمية علي شاطئ البحر وبداخلها رسالة، وعندما حاولت فك رموز هذه الرسالة وتتبع دلالاتها اكتشفت أنها تعبر عن داخلها المغلق هي، وكيف بدأت تتفاعل معها وتتغير، بالاضافة للتعبير عن الحدث ضمن القصة، وقد استخدمت معطيات بحرية كالقواقع والرمل مع توظيف حروف من اللغات القديمة في تشكيل ثلاثي الأبعاد وبتقنيات خاصة جداً. وللملاحظة فهذه القصة قد أنتجت فيلماً أميركياً بعنوان الرسالة الضائعة. هذه الأعمال شجعتني للبحث ضمن الأدب، نفذت عملا تركيبيا كاملا لقصيدة نزار قباني كلمات ليست كالكلمات حيث يري الكل كلمات لكنه لا يفهم منها شيئاً، وقدمت مجموعة أخري من اللوحات من وحي وجماليات قصيدته خربشة جدران كما أخذت من شربل داغر اللوحة الأخيرة من قصيدته رشم ووضعت لها ذات العنوان. مع ذلك قدمت طاهرة فداء أعمالاً تركيبية متميزة ومتطورة؟ في ورشة عمل للفنون المعاصرة أقامها الفنان حسن مير عام /2001-2000/ بعد رجوعه من أميركا بأفكار جديدة، طلب الي كل ٍ منا أن يقدم ما لديه من أفكار، وكانت فكرتي: الي أي درجة يكون الانسان مرهوناً للحظ، هل يستسلم له أم هو يسيطر عليه؟ وبدأنا الحوار كيف نعبر عن هذه الفكرة؟

صنعت صندوقين بلون أسود، الأول فيه أوراق A، والثاني فيه مرآة B، وبينهما خط احمر، يدخل المشاهد الي القاعة فيقال له اختر الصندوق ألف أو باء، فمن اختاروا ألف كانوا فعلاً أشخاصا يسيطر عليهم الحظ، وكان من يفتح الصندوق الثاني يري مرآة، ومكتوب داخل الصندوق أنت من الأشخاص الذين لا يؤمنون بالحظ كثيراً، وانما تقرأه لمجرّد التسلية، وقد وضعنا دفتر لكتابة الانطباعات والملاحظات، والمدهش أنّ الجميع من فتح الصندوق الأول أو الثاني أكدوا في ملاحظاتهم صحة الاختيار. وقد اكتشفت في ذاتي القدرة علي تقديم عمل مفاهيمي جيّد.

الفكرة الثانية كانت الشغل علي قامات بيئية تثير اهتمامنا، وقد اخترت كل ماله علاقة بالكمبيوتر، الكيس، المزر، الدسك، الماوس، والـ CD، فجمعتهم في تشكيل خاص مع مجسّم أو شكل للعقل البشري، في اشارة الي اعتماد العقل البشري الآن في كل شيء علي التكنولوجيا، من أبسط عملية حسابية الي أعقد تصميم علمي.

لكن الجائزة التي أعتز بها كثيراً في هذا المجال، حصلت عليها العام الماضي من وزارة التراث، وهي جائزة الأعمال الصغيرة، حيث قدمت عملا تركيبيا بعنوان أنا محتار يعبر عن قلق الانسان المعاصر ازاء ما يتعرّض له من ضغوط اجتماعية واقتصادية، تدفعه للتردد ازاء نمط الحياة الذي يختاره، هل يسير وراء الحياة ويخسر مبادئه؟ أم يدافع عن تلك المبادئ ولو خسر الكثير من الامتيازات؟

في هذا العمل أحسست بقدرة علي التعبير عن نفسي أكثر من خلال الأعمال التركيبية والأعمال المفاهيمية، ولديّ طموح للاتجاه مستقبلاً الي عروض الفيديو.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية