لا أحسب من الخطأ القول بأن الشعرَ كائنٌ حيّ، ينمو ويتطوّر، وأن بوسع المرء أن يتدخّل في نموّه وتطوّره، كما يتدخّل في نموّ الشجرة- الكائن الحي، وتطوّرها، بأن يشذّب من أغصانها أو يُدير تلك الأغصان لتواجه الشمس أو تبتعد عنها، حسبما يرى من حاجةٍ تفرضها ظروفُ الجوّ وتحوّلات المناخ.
ومثل ذلك الشعر في العالم الغربي وفي عالمنا العربي كذلك، بل قبل ذلك، إذا ما استعرضنا شعرنا العربي في تاريخه العريق. لقد تعلّمنا أن القصيدة العربية يجب أن تبدأ بالوقوف على الأطلال أو تذكّر الأحباب الذين رحلوا عن الديار إلى ديارٍ أخرى، أو إلى العالم الآخر. ويكون ذلك في إطار من الغَزَل بأوصاف محاسن الحبيبة. وقد بقي هذا النمط التراثي حاضراً في أذهان شعراء العصور اللاحقة. وإذا كان قد غاب في بعض شعر اللاحقين فإنه لم يَغِب عن أذهانهم، بل إنه امتدّ إلى ذاكرة شاعر كبير معاصر مثل نزار قباني في قصيدة شهيرةٍ له:
«مرحباً يا عِراق جئتُ أغنّيك/ وبعض الغِناء عندي بكاءُ». والشعر غناءٌ في جَذره اللغوي وفي اللغات السامية قبل العربية. فهذا الحارث ابن حِلزّه اليشكري يبدأ معلقته بالبكاء على أسماء التي»آذنتنا ببَينها»…» فأبكي اليوم دَلهاً/ وما يَرُدّ البكاءُ!». ولكننا نجد بداية نوع من التطوير في البداية الباكية التي تصير إلى تعبير عن الأسى لغياب الحبيبة، كما نجد في مُعلقة الأعشى: «وَدِّع هُرَيرةَ إن الركبَ مُرتَحِلُ / وهل تُطيقُ وداعاُ أيها الرَّجُلُ!» وكأن شاعر المُعلقة يريد التعويض عن البداية الباكية بالإغراق في وصف محاسن الحبيبة التي «إذا تقومُ يَضوعُ المِسكُ أصوِرَة ً/ والزنبقُ الوردُ من أردانها شَمِلُ». ولا يكتفي بهذا بل يبالغ بحسنها وطيب ما يضوع منها من رائحة الزنبق والورد:
ما روضةٌ من رياض الحَزنِ مُعشِبةٌ /خضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هَطِلُ
يُضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ / مؤزّرٌ بعَميمِ النَّبتِ مُكتَهِلُ
يوماً بأطيبَ منها نَشرَ رائحةٍ / ولابأحسنَ منها إذ دنا الأُصُلُ
هذه بدايةٌ مُبكِّرةٌ لتطوير بيت الشعر العربي التراثي الذي يلتزم إكمال المعنى في بيت واحد ولكنه هنا يمتدُّ إلى بيتين ليبدأ اكتمال المعنى في البيت الثالث بكلمة «يوماً» ثم يكمل الإغراق في وصف طِيبِ ما يصدر عنها من «نشر رائحةٍ».
وقد استمر التطوير في الشعر العربي على مر العصور في الشكل أقل منه في المعنى والموضوعات. ففي العصر العباسي مثلا حدث شيء من التطوير في شكل القصيدة العربية، لكن التطوير الأهم حدث في الأندلس كما هو معروف في نشوء شكل الموشح والزجل الذي كان السبب في نشوء أول شعر غنائي في أوروبا مختلفاً عن الشعر المكتوب باللغة اللاتينية بسبب سيطرة الكنيسة على عموم أوروبا في العصور الوسطى. كان من تأثيرات الأندلس الثقافية في ما حولها من مجتمعات نشوءُ أول شعر بلغةٍ أوروبية غير لاتينية ظهور شعر التروبادور، وأولهم وليَم التاسع الأمير الشاعر العاشق المزواج، الذي خلّف لنا 11 قصيدة حب بلغة بروفانس، وهي من عاميات اللاتينية، تكاد تتطابق مع أمثلة الموشح الأندلسية وفيها تظهر القافية للمرة الأولى في أول شعر أوروبي. وقد تطور شكل القصيدة ومعناها في شعر التروبادور باللغة البروفنسية إلى أن امتدّ إلى صقليه وجنوب إيطاليا، حيث التقَطه شعراء إيطاليا الناشؤون فتطوَّر بشكل «الغنائية» على يد بتراركا ومن تبعه، ثم امتد إلى بقية أنحاء أوروبا، وكل شاعر في كل بلد كان يضيف تغييرات في شكل القصيدة أو موضوعاتها.
إزاء هذه الصورة عن تاريخ التطوير في شكل القصيدة العربية ومعناها ما هي أبرز حركة من التطوير في القصيدة العربية المعاصرة؟ لقد بقي الشعر العربي يلتزم الشكل التراثي من شطرين مع التزام الأوزان التراثية التي حدّدها الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني للهجرة. لكن أول خروج على نظام الشطرين مع التزام الأوزان والقافية، ولكن بأشكال وأعداد مختلفة قد جرى على يد الشاعرة العراقية الكبرى نازك الملائكة (1923- 2007) وذلك في أول قصيدة كتبَتها عام 1947 بعنوان «الكوليرا» تأثّرا بانتشار مرض الكوليرا في مصر. قالت الشاعرة إنه ليس من الضروري التزام عدد التفعيلات التراثية في شطرين من القصيدة إذا كان بإمكان الشاعر أن يعبِّر عن الفكرة أو الصورة بتفعيلتين اثنتين أو ثلاث تفعيلات بدل الالتزام بعدد التفعيلات في الشطر والعجز كما في الشعر التراثي. وقد كتبَت قصيدتها بعنوان «الكوليرا» على هذا المنوال حيث نجد أشطراً متلاحقةً يكون في الواحد منها تفعيلتان أو ثلاث أو أربع أو ستّ، إذا كانت الصورة أو الفكرة تقتضي ذلك. وكانت النتيجة: «سكَنَ الليلُ … إصغِ إلى وقعِ خُطا الماشين … في صمت الفجر…أصِخ إسمع صوتَ الباكين… عشرةُ أمواتٍ عشرونا… لا تُحصِ أصِخ للباكينا… إسمع صوت الطفل المسكين… موتى موتى ضاع العددُ… موتى موتى لم يبقَ غدُ» وهنا يمكن الاقتطاف من القصيدة من أولها أو وسطها لأنها مجموعةٌ من الصور توصل معناها ومغزاها اعتمادا على الأشطر أينما وجدت في القصيدة وليس من الضروري تلاحُق الصور والأفكار منطقياً أو هندسياً، إلاّ ما جاء منها عرضاً، فالغرض أوّلاً وآخراً توصيل الصورة أو الفكرة.
وقد أطلقت الشاعرة على هذا النمط من الكتابة الشعرية إسم
«الشعر الحر» وبذلك أطلقت الإسم الخطأ للسبب الصحيح، الذي هو ليس من الضروري استكمال شطر أو شطرين من الشعر بالحفاظ على عدد التفعيلات في الشعر التراثي إذا كان أقل من ذلك أو أكثر منه يعبِّر عن الفكرة أو الصورة. والشاعرة تعرف قبل غيرها أن مصطلح «الشعر الحر» لا وجود له في التراث العربي الشعري، بل هو مُستورَد من الشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي أخرج عام 1850 كتاباً من الصور والأفكار الجميلة التي تخلو من الوزن والقافية، وسمّاها «الشعر الحر». لكن قصيدة «الكوليرا» تلتزم الوزن التراثي الشعري العربي، ولكن بعدد يختلف عن عدد التفعيلات في القصيدة التراثية، كما يلتزم القافية ولو ليس على النسق الوارد في الشعر التراثي العربي. وكان أول اعتراض على قصيدة «الكوليرا» قد جاء من والد الشاعرة الأستاذ صادق الملائكة الذي يلتزم قوانين الشعر التراثي العربي، مثل الوالدة الشاعرة «أم نزار الملائكة». ولكن هذا النسق الجديد في كتابة الشعر قد لاقى قبولا عند زملاء الشاعرة المعاصرين مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبُلَند الحيدري ثم انتشر هذا النمط الجديد في أقطار عربية أخرى، وراح بعضهم يدّعي أسبقية شعراء من بلاد عربية أخرى في الكتابة بهذا النمط. لكن المسألة ليست مسألة أسبقية بل مسألة الأثر الذي تركه هذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية في إبداعات الشعراء اللاحقين. وهذا ما يجب التركيز عليه في أية دراسةٍ رصينةٍ للشعر العربي المعاصر.