أظهر تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال أن الحصة الأكبر من استهداف الأطفال في فلسطين كانت من نصيب مدينة جنين، حيث استشهد خمسة أطفال وأصيب ستة.
جنين ـ «القدس العربي»: حملت أحداث الأسبوع الماضي معطيات ميدانية مثيرة، فيوم الأربعاء الماضي سقط الشهيد ابن مخيم جنين محمد مرعي (25 عاما). بكى المخيم على الشاب الوسيم والمحبوب، كما نعته كتائب سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، أما الخميس فجرا فحملت الأخبار إصابة ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي، حيث أعلنت سرايا القدس عن إصابته بعد كمين واشتباك مسلح نفذته «كتيبة نابلس» التابعة للسرايا، حيث أعلنت الأخيرة أن العملية جاءت ردا على جريمة استشهاد مقاتلها في جنين.
الاحتلال الإسرائيلي وعقب تمكن المقاومة من إصابة القائد العسكري الكبير برفقة اثنين من المستوطنين، خلال محاولتهم اقتحام منطقة قبر يوسف في مدينة نابلس أقر أن هناك فشلا استخباريا قاد إلى ذلك.
الخبراء والمراقبون رأوا أنه وبدل أن تحمل العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية أخبار الردع حملت هذه المرة نقيض ذلك، حيث أشارت الأنباء والتحليلات أن هناك توسعا في المظاهر المسلحة المناوئة للاحتلال بدلالة عملية نابلس التي أعلنت عن فعالية «كتيبة نابلس» أسوة بالكتيبة المسلحة في جنين.
حركة حماس بدورها أعلنت أن المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، قادرة على رفع تكلفة الاعتداءات التي تنفذها قوات الاحتلال والمستوطنون، فيما دعت حركة الجهاد الإسلامي، إلى مواصلة «الاشتباك والمواجهة» بمختلف الوسائل.
متابعة وملاحقة
الإعلام الإسرائيلي تحدث قبل أيام عن استهداف مدينة جنين ومخيمها بصفتهما قاعدة ارتكاز العمليات العسكرية المقاومة نحو الاحتلال، وقالت «القناة الـ 13» إن الاحتلال يعتمد على عملية «كسر الأمواج» وعلى قاعدة الملاحقة التي تقوم على مبدأ الدخول/ الاقتحام الليلي، ومن ثم القنص وصيد المقاومين. وهي سياسة نجحت خلال الفترة الماضية وسقط عشرات الشهداء بفضلها حتى قارب عدد شهداء في المدينة ومخيمها 30 شهيدا منذ بداية العام. وهو ما دفع الاحتلال إلى القول إن أهدافه من عمليات الاقتحام اليومية الليلية تتحقق باغتيال فلسطينيين مقاومين يتهمهم الاحتلال بالانتماء للمقاومة وبالتخطيط لعمليات مسلحة.
أما المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة، فقد تحدث لـ«القدس العربي» عن مسألة استهداف جنين واستنزاف مقاوميها قائلا: «نظرة الاحتلال إلى جنين مفادها أنها عاصمة الإرهاب الفلسطيني، وهو ما يجعلها هدفا إسرائيليا دائما ويوميا، حيث يتكثف الجهد الأمني والعسكري الاحتلالي لتفكيك وإنهاء المظاهر المسلحة والتي يعتبر مخيم جنين صاحب الأولوية في ذلك الاستهداف».
ويرى أبو علان أن الاحتلال لا يريد من جنين أن تصبح «فقاسة مقاومين» فهو يقف عند حقيقة أن أربعة من الذين نفذوا 4 عمليات من أصل 6 في الداخل المحتل كانوا من المدينة ومخيمها.
يسهب أبو علان قائلا إن سؤال: هل اجتياح المدينة يحل الأزمة أم لا؟ كان الأكثر حضورا خلال الفترة الماضية، ويبدو أن الاحتلال وصل إلى قناعة أن الاجتياح التقليدي لن يحل الأزمة، كون العمليات الأخيرة جاءت بعد ما يقرب من 20 سنة على اجتياح مخيم جنين وتدميره.
وشدد ان الاحتلال وصل لقناعة أن العمليات العسكرية التقليدية لن تحل المشكلة، وجل ما يفعله بشكل يومي هو عملية استنزاف للمخيم والمقاومين، على أمل أن يكون سقوط الخسائر البشرية رادعا.
ويرى أبو علان أنه إذا استمرت العمليات وكبدت العدو خسائر كبيرة، فإن ذلك التصور الاحتلالي سيشهد تراجعا ومن ثم سيطرأ تغيير على الخطط، وقد نكون إزاء عملية عسكرية شاملة، وفي حال قرر الاحتلال ذلك فإن هذه العملية ستكون بالأساس موجهة للداخل الإسرائيلي.
ويرصد أبو علان تنامي سياسة الملاحقة الليلية، وتنفيذ اقتحامات تعمل على التغلب على المقاومين عبر الاعتقال واستنزافهم بالمواجهات من خلال جرهم خارج المخيم، أو عبر القنص الذي يعتبر رأس حربة في مواجهة المقاومين.
لكن أبو علان يعيد طرح السؤال: «هل سيكون ذلك عنصرا رادعا أم لا؟».
ويشدد ان الاحتلال في تعامله مع جنين عسكريا لا يستهدف المدينة فقط إنما يستهدف المدن والمخيمات المحيطة، أما ما جرى يوم الخميس الماضي في مدينة نابلس، والحديث للمحلل أبو علان، فهو المؤشر الأكبر على ما يخاف الاحتلال منه. فرد فعل المقاومة حمل مؤشرا مهما، وبداية لما يمكن تسميته على «انتقال عدوى المقاومة، بعكس سياسات الاحتلال».
ومن أصيب فجر الخميس في نابلس وبالقرب من مقام يوسف النقطة التي تعتبر الأكثر سخونة في المدينة ومحيطها هو قائد لواء السامرة، العقيد روعي تسفايغ الذي يعتبر من أكثر العسكريين الإسرائيليين الذين تربطهم علاقة وطيدة مع المستوطنين.
يذكر أبو علان مثالا على تلك العلاقة بأن العقيد الذي أصيب في البطن، اجتمع مع قادة المستوطنين في مستوطنة «ألون مورية» القريبة من نابلس، وهناك قال في اللقاء إن البعض يعتقد ان الجيش تربطه علاقة ما مع المستوطنين، لكن ما أكد عليه هو أن الجيش والمستوطنين هم جسم واحد.
إصابة الضابط الكبير في الجيش إلى جانب الفشل الاستخباري المعلن وما تبع العملية من إعلان سرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى عن خوض الاشتباكات المسلحة ضد جماعات المستوطنين والقوات المعززة المرافقة لهم دفعت إلى أن يكون التقييم بإنها مواجهات غير مسبوقة.
وكان من نتائج المواجهات أن أعلن الجيش تعطيل الزيارة، واقتصارها على ساعة ونص، ومن ثم الانسحاب من المكان، ومنع ادخال أفواج من المستوطنين المقتحمين.
وبرأي أبو علان إن النتيجة الماثلة كانت أن «كتيبة نابلس» أصبحت إلى جانب «كتيبة جنين». وهذا يعنى أن المواجهة بدل أن تضيق أصبحت تتوسع، وهو دليل على غياب عنصر الردع المرجو من عمليات الاحتلال العسكرية.
ميزان مختلف للمقاومة
وعن خسائر الفلسطينيين منذ بداية العام يرى أبو علان أن المقاومة للاحتلال لا يمكن أن تُحسب بميزان الخسائر التقليدي، في ظل أن هناك فارقا نوعيا في القوة والامكانيات والطاقات، «فأكبر سلاح يمتلكه المقاوم الفلسطيني هو البندقية، في حين أن الاحتلال يمتلك كل الإمكانيات والتقنيات، فأهم ما يميز فعل المقاومة هو الاستمرارية والاستعداد للتضحية والمواجهة وعدم النظر للخسائر البشرية، وتحديدا في كون الاحتلال يستهدف إيقاع أكبر الخسائر بالفلسطينيين كسياسة ردع».
وأكد أن أعداد الشهداء في جنين ليست جميعها محسوبة على المقاومين، وبالتالي ميزان الخسارة سيكون مختلفا، في ظل أن الاحتلال يستهدف إيقاع أكبر عدد من الخسائر البشرية كنوع من الردع على أمل أن يحقق له ذلك فعالية في حملته «كسر الأمواج».
وفي حديث مع أحد النشطاء من مخيم جنين أكد أن رُبع الشهداء الذين سقطوا في جنين هم من المدنيين والأطفال، حيث قام الاحتلال باستهدافهم رغم أنهم لم يشكلوا أي خطر عليه.
وأكد المصدر أن الهدف من إيقاع خسائر بشرية هو رفع ثمن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال، في ظل ان الاحتلال استهدف الكثير من الأطفال.
وانتقد أبو علان سياسة الفصائل الفلسطينية أو أقارب الشهداء عندما يقومون بنشر صور للشهداء وهم يحملون أسلحة آلية، فيما لا يكون هؤلاء الشهداء ينتمون لأي فصيل مسلح، وهو الأمر الذي يستغله الاحتلال من أجل تبرير جرائمه وتحديدا عندما يستهدف الأطفال الصغار.
وأظهر تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في بيان مطلع الأسبوع الماضي أن الحصة الأكبر من استهداف الأطفال في فلسطين كانت من نصيب مدينة جنين شمال الضفة الغربية، حيث استشهد خمسة أطفال وأصيب ستة. وحسب ما وثقته الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال فإن قوات الاحتلال قتلت 15 طفلا فلسطينيا منذ بداية العام الحالي، خمسة منهم من جنين، هم: محمد أكرم علي أبو صلاح (16 عاماً) وسند محمد خليل أبو عطية (16 عاماً) ومحمد حسين محمد قاسم (16 عاما) وشوكت كمال شوكات عابد (17 عاماً) وأمجد وليد حسين فايد (16 عاماً).