الناصرة ـ «القدس العربي»: عكا مدينة فلسطينية عريقة تزّينها الآثار العمرانية لطالما فاخرت بإرثها الحضاري الزاخر. تقطعت بها السبل عام 1948 فباتت محصورة بين أسوارها وبحرها تقف يتيمة في وجه الزمن، تقاوم المخططات الاسرائيلية لطمس معالمها العربية والسطو على تاريخها وتزوير هويتها مقابل إبراز صبغتها الأثرية الرومانية والصليبية فقط.
رغم وقوع زلزال النكبة قبل 72 عاما ما زالت مدينة ظاهر العمر والجزار تستهوي قلوب مهجريها في الشتات، وهي لطالما شكلت قصة حب واحدة تجمع بين نقولا زيادة وسامي الصلح وغسان كنفاني.
من أبرز المعالم الأثرية في عكا التي اعتبرتها منظمة اليونسكو مدينة تراث إضافة الى السور قلعة المدينة العثمانية ومسجد الجزار (من سنة 1781) وهو من أروع مظاهر الفن الإسلامي وأكبر مسجد في فلسطين المحتلة عام 48، حيث بني على نسق المسجد الأزرق في اسطنبول وكنيسة القديس جوارجيوس، ويرجع تاريخها الى عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني الثاني عام 1597 والحمامات التركية وبرج الساعة الذي بني سنة 1900 بمناسبة مرور 25 عاما على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني العرش، ناهيك عن الأسواق وقناطر المياه والمقامات والخانات التي تحمل إرثا حضاريا زاخرا.
وأكثر ما يبرز ويحمي الهوية العربية والإسلامية لمدينة عكا مساجدها الكثيرة، فهي عدا الجزار، مسجد المجادلة الذي بناه صالح آغا الكردي عام 1750 وقد آل وقف هذا المسجد إلى اسماعيل باشا كامل ابن الصدر الأعظم وصهر السلطان عبد الحميد الثاني. وهناك جامع الرمل القريب من سوق الخياطين ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثالث عشر، ويحوي ضريح ظاهر العمر، أما جامع البحر فيدعى أيضا جامع سنان، وجامع الجرينة ويقع بمحاذاة الميناء وجدد بناءه سليمان باشا العادل عام 1816. ويقع جامع المعلق قرب ساحة الكراكون (السجن) ويمتاز بعلوه عن سطح الأرض وفيه مدرسة للأطفال. أما جامع الزيتون فهو في الجنوب من الزاوية الشاذلية وسمي بجامع الزيتونة تيمنا بجامع الزيتونة التونسي، وهو وقف الشيخ الصادق وقريبا منه جامع الزاوية الشاذلية ويقع في بناية الزاوية الشاذلية.
ويقع جامع السور على ظهر السور الشرقي العملاق وهو أيضا من أبرز معالم هذه المدينة الفلسطينية العريقة. بعيدا عن الساحل قليلا يقع جامع اللبابيدي وهو الجامع الوحيد القائم خارج السور وبناه الحاج أحمد اللبابيدي في ثلاثينات القرن الماضي. وهناك مقامات كثيرة في أرجاء المدينة منها: مقام النبي صالح، ومقام الشيخ غانم، ومقام عز الدين، ومقام أبو عتبة، ومقام الشيخ يانس.
ويوضح الباحث في التراث ابن عكا نظير شمالي لـ “القدس العربي” “أن عكا مدينة فلسطينية عريقة تروي مساجدها الفترات التاريخية منذ فتحها في العصر الأموي، وهي تساهم في تثبيت هويتها العربية – الإسلامية مقابل مخططات إسرائيلية لتهويدها”، منوها أن عكا التي تعرف أيضا بمدينة الجزار أو مدينة الأسوار مغرقة في القدم، فيها آثار للكنعانيين والفينيقيين وقد ظلت مدينة مزدهرة ومركزية في بلاد الشام طيلة فترات إسلامية مختلفة بفضل موقعها ومينائها وحصانة أسوارها.
وضعت نكبة 48 حدا لازدهارها بعد احتلالها واستمرار تهميشها من قبل السلطات الإسرائيلية التي بنت بجوارها عكا اليهودية بموازاة تضييق الخناق على عكا التاريخية، لكن مساجدها الكثيرة تحفظ مكانتها التاريخية كشواهد على عراقتها ومركزيتها مثلما تساهم في زيادة رونقها بفضل ملامحها الفنية والهندسية المتنوعة والجميلة وتصون هويتها كمدينة عربية – إسلامية.
الجزار
بني مسجد الجزار في القرن الثامن عشر على يد حاكمها الأبرز خلال الحقبة العثمانية المتأخرة، أحمد باشا الجزار، الذي يدلل لقبه على شدة بأسه.
يأخذ المسجد المبني على الطراز العثماني وفي ساحته ضريح بانيه، شكلا مستطيلا جلبت حجارته من خرائب قيسارية وعتليت في فلسطين. ويستقبل المسجد زائريه بسبيل ماء. علاوة على سعته الكبيرة يمتاز المسجد بقبته المرتفعة رغم عدم توفر الإسمنت المسلح في تلك الأيام وتزدان نوافذه ومداخله بتصاميم فنية فريدة.
ويشير الباحث نظير شمالي الى أن الغرف المحيطة بالمسجد استخدمت مأوى لطلاب العلم ممن درسوا في مدرسة الأحمدية حتى 1948 وهي مدرسة مهمة خرجت أجيالا من المثقفين الفلسطينيين.
ويعتبر مسجد الجزار أهم مساجد عكا بضخامته، وعلوه وجمال قبته الخضراء وهو يبدو حارسا على المدينة وهويتها، وفيه تقام خطبة الجمعة المركزية في المدينة، وهذا الأسبوع زادت وبانت شقوق فيه وفي مئذنته التي باتت تهدد سلامة رواده. وعلى هذه الخلفية دعت لجنة الأمناء برئاسة سليم النجمي والدكتور حسام طافش ومازن حبوش الأهالي للعمل من أجل ترميم المئذنة وصيانتها.
وتحذر لجنة الأمناء في عكا من ان انهيار المئذنة قد يؤدي بحسب تقييم المختصين الى انهيار برج المسجد والذي يشكل سقوطه خطرا على حياة الزوار الوافدين لسوق عكا الواقع بجوار المسجد.
ويوضح سليم النجمي ( أبو عدنان) لـ “القدس العربي” ” أن التصدعات لحقت بكل المسجد، جدرانه وأروقته خاصة في المئذنة بعد حريق تعرض له في 2016 “، منوها لوجود أضرار متراكمة منذ عقود نتيجة الإهمال والتقادم.
وكشف النجمي أن مهندسين متطوعين من الداخل أكتشفوا أن المئذنة تتعرض منذ سنوات لانحراف بمعدل سم واحد كل عام باتجاه الشرق الجنوبي. وتابع “في الفحص الأخير تبين أن المئذنة قد انحرفت بنحو 16 سم مما يعني وجود خطر حقيقي بانهيارها”.
ويطالب النجمي وزارات الداخلية والأديان والسياحة الإسرائيلية بالكف عن تقديم وعود فارغة بترميم المسجد، مشددا على أن ذلك حق أساسي للعرب والمسلمين في عكا خاصة أن السلطات الإسرائيلية تستولي على مئات الدونمات وعشرات العمارات الوقفية في المدينة مثل خان العمدان وخان شوردا والسوق الأبيض والسوق العتم وسوق العمومي وسوق الشونة وعمارة الخان، وأراض تمتد على مئات الدونمات التي سرقت بذريعة “قانون أملاك الغائبين” وتستثمرها لتحقيق أهداف متنوعة دون تعويض أصحابها بفلس واحد.
وتابع “هذه أموال لنا منهوبة وسنبقى نعمل على استعادتها، واليوم لم أعد أقوى على النوم قلقا من انهيار المئذنة على المصلين والمارة بجوار المسجد مما يعني كارثة من شأنها هدم المسجد أيضا بالإضافة للخسائر البشرية”.
سرقة الأوقاف
ونوه أن مشروع ترميم المسجد التاريخي يحتاج بضعة ملايين وكذلك المئذنة، لأن الحل الهندسي الوحيد لها هو إعادة تفكيك كل حجارتها(مئات الحجارة المنحوتة بشكل دائري) وإعادة بنائها بذات المواصفات، لافتا لكونها عملية معقدة ومكلفة جدا.
وبالتزامن دعت النائبة توما- سليمان من القائمة المشتركة وهي بنت مدينة عكا، وزارة الأديان الإسرائيلية لتخصيص ميزانية لترميم المسجد التاريخي خاصة أنها تستأثر بمدخولات الأوقاف الإسلامية منذ نكبة 1948.
وحذرت النائبة من شح الميزانيات للمصروفات الجارية لإدارة عمل المساجد في المدينة، خاصة وأن الاوقاف الاسلامية مصادرة منذ 1948 وتدر أموالا طائلة لميزانية الدولة.
أسعد الشقيري
شمالي الذي يدأب على الصلاة فيه منذ 35 سنة يوضح أن مسجد الجزار يستمد عظمته أيضا من وجود عدة شعرات من ذقن الرسول كان السلطان عبد الحميد الثاني قد أهداها للشيخ أسعد الشقيري، عضو مجلس “المبعوثان” العثماني ووالد الرئيس الراحل لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري، وهي محفوظة في صندوق زجاجي.
ويتفق المؤرخ والجغرافي شكري عراف في رده على سؤال ” القدس العربي” مع شمالي على دور المسجد في حماية هوية المدينة وأجيالها، منبها إلى أن ملابسات بنائه والأحداث المرتبطة به كالاحتفاظ بـ “شعرات النبي الكريم” تحفظ للمدينة عمقها العربي- الإسلامي وتحميها من محاولات العبث بتاريخها وهويتها اليوم.
كما في بقية المساجد تم توثيق عملية بناء مسجد الجزار بأبيات شعرية محفورة على لوحة رخامية في واجهته:
ومسجد حرم وبيت آمن… فيه الوقار ولاحت الأنوار
عمد الوزير مرصدا لبنائه.. عملا بقول المصطفى المختار
المجادلة والزيتون
وبفضل مينائها وتوفر موارد المعيشة فيها وفد الأهالي من بقية مدن وقرى فلسطين، وسوريا، ولبنان والأردن لها وبعضهم استقر فيها، كما يدلل مسجد المجادلة الذي بني على يد والي المدينة سليمان باشا العادل في حي المجادلة القادمين من مدينة مجدل عسقلان خلال القرن التاسع عشر.
ويعتبر مسجد الزيتون نسبة للأشجار المحيطة به الأقدم من بقية المساجد المذكورة، وهو الآخر يعود للفترة العثمانية في 1745 لكنه يقوم على أنقاض مسجد أموي من القرن الثامن ميلادي، وتتوسط باحته نافورة مبنية على الطراز المعماري السلجوقي. ويشير الدكتور عراف الى أن المدينة شهدت ازدهارا عمرانيا وبناء عدة مساجد بعدما قرر معاوية بن أبي سفيان تحويلها لدار صناعة وحوض لبناء السفن.
ويتابع “يمتاز المسجد بلمسات فنية فاطمية كانت تعتمد في مساجد المغرب العربي، وكان طيلة عقود مقرا للشيخ علي نور الدين اليشرطي مؤسس الطريقة الشاذلية في القرن التاسع عشر”.
الميناء
ومسجد الميناء كـ “الزيتون” سبق أن حوله الصليبيون لكنيسة قبل استرداده على يد المماليك في القرن الثاني عشر ميلادي، وهو من أوائل دور العبادة في المدينة ويقوم بمحاذاة ساحل البحر الأبيض.
ويدلّل الشمالي على عراقة المسجد الذي يشبه الجزار بتصميمه الخارجي والداخلي بالإشارة لكثرة تسمياته في الفترات المتتالية التي شهدت ترميما له كمسجد البحر، ومسجد سنان نسبة إلى بانيه المهندس العثماني الشهير سنان باشا، وجامع الجرينة.
ظاهر العمر
ووثق ظاهر العمر الزيداني أحد أبرز حكام فلسطين (1775-1750) سيرته بعدة مشاريع عمرانية منها مسجده الذي يحمل اسمه في مقره في عكا ،كما يتجلى في لوحة رخامية كتبت عليها أبيات شعرية ظريفة وسنة البناء 1161 هجري.
لكن الظاهر عمر دفن في مسجد آخر، مسجد الرمل والمعروف بالجامع الشعبي أو الشهابي وقد بني في 1704 ميلادي على أسس كنيسة صليبية، وهو كبقية المساجد له أوقاف كثيرة صادرتها إسرائيل غداة الاحتلال.
أما مسجد البرج فبني على الأسوار العملاقة للمدينة لخدمة حاميتها العثمانية لكنه يستخدم اليوم مدرسة لتحفيظ القرآن. وكان الاحتلال الإسرائيلي قد أغلق بعض مساجد عكا لسنوات طويلة ومنها مسجد اللبابيدي الذي سمح بترميمه وفتحه للصلاة قبل بضع سنوات فقط بعد نضال عنيد خاضه أهالي عكا الذين يعدون اليوم نحو 40 ألف نسمة.