سعد الياسبيروت – ‘القدس العربي’ في وقت شهد لبنان انفراجات على صعيد فك اعتصام الشيخ أحمد الأسير في صيدا وفك اعتصام المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، عاد ليشهد توتراً سياسياً بعد إقدام الأمن العام اللبناني على طرد 14 مواطناً سورياً الى بلدهم بالرغم من اعمال العنف على الحدود ما اثار انتقادات شديدة من جانب المدافعين عن حقوق الانسان. وحضرت هذه المسألة على طاولة مجلس الوزراء التي شهدت سجالاً بين وزراء جبهة النضال الوطني ووزير الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو.
بموازاة ذلك، رأى رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط أن ‘المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم قدم دليلاً جديداً على إنصياعه المطلق للنظام السوري’، ولفت الى انه ‘بعد مغامراته البوليسيّة في توقيف شادي المولوي التي كادت أن تشعل طرابلس والشمال وتدخل المنطقة في فتنة كبرى، فإذا به يقوم بتسليم 14 مواطناً سورياً لجأوا إلى لبنان هرباً من قمع النظام، ومن بينهم أربعة ناشطين سياسيين تحت حجة أنهم مطلوبون للقضاء السوري في تهم مختلفة’. وقال ‘قد يكون من المفيد تذكير سعادة اللواء أن سورية في زمن البعث وما سُمّي بمرحلة الاستقرار لم يكن هناك فيها أي مفهوم فعلي للقضاء المستقل اسوةً بكل الأنظمة الاستبدادية، فكم بالحري في هذه المرحلة التي سقطت فيها كل الضوابط الأخلاقية والسياسية عند النظام الذي إمتهن القتل والاستبداد والقمع من دون رأفة أو رحمة’. وسأل ‘ألا يدرك سعادة اللواء أن مصير هؤلاء لن يكون محاكمة عادلة في قاعة محكمة مبرّدة بل القتل والتصفية الفورية قبل ثبوت أي تهم عليهم، لا سيما أنها تُهم مفبركة ومختلقة وتتطابق تماماً مع أساليب النظام السوري التقليدية في إلغاء وإقصاء كل من يعارضه أو يقف في طريق مخططاته الجهنمية؟ ثم ألا يحق لنا أن نتساءل كلبنانيين من يحمينا بعد اليوم إذا كان جهازاً أمنياً لبنانيّاً له مهمات أمنيّة وإستخباريّة كبرى بات محلقاً بالمخابرات السورية في دمشق؟’. وأكد جنبلاط ‘رفضه المطلق لتسليم اي مواطن سوري لجأ إلى لبنان تحت أي ذريعة من الذرائع ولأي سبب كان، ونرى أن ذلك لا يصب في إطار سياسة النأي بالنفس التي تم التوافق عليها لحماية لبنان والحيلولة دون تحوله ساحة لتصفية الصراعات الاقليمية، بل هي تشكل إنحيازاً الى النظام السوري وخضوعاً له، وهذا ما قد يتطلب إعادة النظر بكامل الموقف السياسي المتعلق بما إصطلح على تسميته ‘النأي بالنفس’. وطلب ‘من الحكومة اللبنانية والمرجعيات الرسمية المختصة توضيح كل الملابسات المتصلة بهذا الموضوع وفتح تحقيق به لتحديد المسؤوليات وإتخاذ التدابير المسليكة بحق مدير عام الأمن العام وصولاً إلى إقالته إذا إقتضى الأمر لوقف هذه المهزلة المستمرة والقائمة على إستلحاق لبنان ومؤسساته الأمنية بالنظام السوري البائد’. وانتقد عضو كتلة المستقبل النائب احمد فتفت ‘قيام جهاز الامن العام اللبناني بتسليم 14 مواطناً سورياً للاجهزة الامنية السورية تحت عناوين قضائية مختلفة مع العلم ان من ضمنهم عدداً من الناشطين السياسيين في المعارضة السورية’. وقال ‘اياً تكن الاسباب الموجبة فإن تسليماً كهذا يعني تسليم هؤلاء للمقصلة وتعريضهم للقتل المحتم في ظل الظروف الراهنة في سورية. فمن يتحمل مسؤولية جريمة كهذه؟ هل تم هذا التسليم بعلم وموافقة معالي وزير الداخلية؟ هل تم هذا التسليم بعلم وموافقة دولة رئيس الحكومة؟ هل تم هذا التسليم بعلم وموافقة فخامة رئيس الجمهورية؟ ام ان جهاز الامن العام اللبناني عاد تابعاً للاجهزة الامنية السورية. وهل عاد اللواء عباس ابراهيم موظفاً عند اللواء علي مملوك وينفذ اوامره؟ وهل هذه هي سياسة النأي بالنفس؟’. وتابع: ‘هل يدرك ضباط الامن العام ان في الامر مخالفة لشرعة حقوق الانسان وان القضاء الدولي لا بد سيسألهم يوماً حول الموضوع؟’. كذلك أعلنت القوات اللبنانية في بيان إستهجانها، وإعتبرت ان ‘الحجج التي ادت الى تسليم السوريين هي كافية لاحالتهم الى القضاء اللبناني وليس العكس، في ظلّ ما يجري من مآسٍ وويلات في سورية’، معتبرةً أنّ ‘ما جرى هو انحياز كامل للنظام ضد اكثرية الشعب السوري، ويضرب عرض الحائط كل القيم ذات الصلة بحقوق الانسان والاعراف والمواثيق الدولية’. ولم تقتصر الادانة على المواقف الداخلية بل إن سفراء غربيين دخلوا على الخط. وعبّرت السفيرة الامريكية مورا كونيللي عن انزعاج الولايات المتحدة العميق لعملية الترحيل’، وشددت ‘ على أهمية حماية جميع السوريين بما في ذلك المعارضون والمنشقون الذين نبذوا العنف وذلك تماشياً مع واجبات لبنان الدولية الانسانية’. وأثنت كونيللي ‘على الشعب اللبناني لكرمه في استضافة اللاجئين السوريين، ولحظت الجهود الجارية التي تبذلها الحكومة اللبنانية بالعمل مع الشركاء الدوليين والمنظمات لتقديم المساعدات الإنسانية لهؤلاء اللاجئين’. من جهتها، قالت رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي السفيرة أنجلينا إيخهورست ‘أخذنا علماً بالتقارير حول ترحيل 14 سورياً إلى بلادهم. ونحن على اتصال بجميع شركائنا، الحكومة والأمن العام والمنظمات غير الحكومية، للاطلاع على الوقائع. وإن هذا النوع من التقارير يثير قلقنا وإنما يجب التأكد من هذه المعلومات’. اضافت: ‘لقد صادق لبنان على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ويتعيّن عليه احترام التزاماته الدولية، ويجب ألا يعمد إلى ترحيل أشخاص من الممكن أن يتعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة. وقد سبق أن حصلنا على ضمانات من الحكومة اللبنانية تؤكد فيها على أنها ستبذل كل ما في وسعها لحماية السوريين اللاجئين في لبنان’. في المقابل، أوضحت المديرية العامة للأمن العام أن ‘أي قرار يقضي بترحيل رعايا سوريين أو عرب أو أجانب هو قرار مبني على ملفات قضائية وأمنية تلتزم المعايير التي نصت عليها إتفاقيات ومعاهدات إقليمية ودولية، ويُستثنى من هؤلاء من يثبت أنه قد يتعرّض للخطر في بلاده إذا تمّ ترحيله، وهذه الإجراءات الخاصة بالرعايا السوريين بوشر العمل بها منذ بدء الأحداث الأليمة في بلادهم’. وأكدت أن ‘القرار الذي قضى بترحيل السوريين الأربعة عشر قد إستند الى أفعال جرمية ومخالفات إرتُكبت خلال وجودهم في لبنان’. وتمنت ‘من جميع المعنيين ‘إخراج هذا الملف من البازار السياسي والإعلامي ووضعه في إطاره الطبيعي، وعدم التشويش على الدور الذي تقوم به المؤسسة’، مشددة على ‘إحترام الحقوق والأوضاع الإنسانية للمواطنين المتواجدين على الأراضي اللبنانية ولاسيما منهم الرعايا السوريين وتسهيل أمورهم ضمن الأطر القانونية وبإشراف القضاء المختص’.’