استهانة باللغة واحتفاء بالركاكة وكتّاب يرون الرواية العربية لا زالت غربية ولاتينية والتلفزيون قضي علي القارئ

حجم الخط
0

استهانة باللغة واحتفاء بالركاكة وكتّاب يرون الرواية العربية لا زالت غربية ولاتينية والتلفزيون قضي علي القارئ

المشهد الروائي الجديد في مصر: غ2ف استهانة باللغة واحتفاء بالركاكة وكتّاب يرون الرواية العربية لا زالت غربية ولاتينية والتلفزيون قضي علي القارئالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: هذه الشهادات الغاضبة ـ في معظمها ـ تعكس واقعا اردنا تسجيله وتثبيت زواياه بقصد النظر اليه بمزيد من التأمل.اردنا في هذا الاستطلاع التوقف امام عدة اشكاليات تطرحها الرواية الجديدة في مصر، بالتزامن مع الانحسار المنظور للقصة القصيرة وللشعر معاً، بالاضافة لتعثر اشكال فنية مؤثرة تعتمد الاشكال الجماعية وتفتقر الي الدعم والي غياب المشروع مثل المسرح والسينما، ولا يتم ذلك بانفصال عن اتساع الهوة بين المنجز الابداعي ـ بشتي صوره ـ وبين متلقيه، دون الافتئات علي ارقام التوزيع واعداد المشاهدة التي يتجرأ ويعلنها اصحاب مصلحة هنا او هناك.الرواية الجديدة في مصر ساعية ـ بالتأكيد ـ للتماس مع افكار الواقع الانساني في صورته المعولمة، فثمة قناعات مفرطة بتفتيت المركزية الروائية من دون انفصال عن مفهوم تفتيت المركزية القومية، وهناك عودة للجيتوهات المهمة والجماعات الصغيرة، التي تمثل نقائض هذا المركز الذي عاش مقهورا بفكرة صناعة العقل العام، وتعاظمت ايضا مفاهيم العمل الفردي والذوات المتشظية التي ترفض ان تتزيا بمسوح الرهبان والقديسين، لذلك سنجد اعتمادا واسعا ومفرطا للغة هشة، رومانسية، تنأي ـ بكل قوة ـ عن التركيب والمعاضلة والتأويل، سنجد سيرة شخصية تضفي علي آثامها حيادية تشي بأن آخرين هم مقترفوها، وفي كل الحالات لا يتم ذلك بعيدا عن الوعي العام بالتفكك المأساوي الذي لحق بالشخصية المصرية والعربية علي السواء، وترسيخ مثل هذه الصورة عمق فكرة المبدعين الجدد عن المفهوم السالب للالتزام، وباتت الوظيفة الابداعية مخيفة الي حد المخاطرة. وربما كان ذلك كله يقبع خلف الانجاز النوعي للرواية الجديدة الذي ـ لا شك ـ ميزها عن رواية الاسلاف، بمن في ذلك الاسلاف من ذوي القربي، وهذا هو نص السؤال الذي وجهناه الي المشاركين في هذا الاستطلاع: حققت الرواية الجديدة طفرات نوعية في عدة مفاهيم سواء علي مستوي السرد او اللغة، وكذلك علي مستوي الوعي بالذات لكنها ظلت رهينة ذوات محدودة وعوالم افقية لا تؤمن بأهمية الوعي المركب في النظر الي العالم.تري ما هو المستقبل الذي تراه لهذه الكتابة، وبأي معني يمكن تصنيف تجاربها الراسخة، وهل يمكن لهذا الوعي بالعالم ان يعد بصياغة جديدة تحدث في اطار تجربتك؟ .ولا يزعم هذا الاستطلاع لنفسه النهوض بالتغطية الجامعة للمشهد فهناك اسماء مهمة غابت عن المشاركة لأسباب مختلفة، ولا يزعم كذلك انه سيكون آلية وحيدة للفرز وان زعم انه خطوة في طريق هذه القراءة الكاشفة.وتتبقي بعض الملاحظات:لم يلتزم كثير من الكتّاب بنص السؤال وبدا جيل الستينات في خلفية المشهد قابعا رغم التأكيد الدائم علي اشراف دوره علي النهاية.ما يبدو وكأنه عنف وغضب من بعض شباب الكتاب يعكس الأزمة التي وصلت اليها المؤسسة الثقافية، التي عليها الواجب الاول في تقديم كافة الظواهر وتهيئة المناخ لقراءتها وفرزها دون وساطة، ودون القائها في مستوطنات العقاب الجماعي التي تعاني من ثقلها الآن، ويبدو انها ستظل كذلك لأمد ليس قصيرا.وهنا نص شهادات الروائيين الجدد:الرواية الجديدة بين الاستسهال والرغبةفي التجاوز!منصورة عز الدين أي كتابة لا تكشف المأزق الوجودي للانسان في هذا العالم، ولا تحاول فك متاهة النفس الانسانية هي عبارة عن كلمات ملساء مرصوصة بجوار بعضها البعض لدغدغة المشاعر.الكتابة الجيدة هي تلك التي تطرح اسئلة شائكة وتتماس مع المسكوت عنه بمعناه الواسع، هي التي تهدف لاقلاق القارئ واستفزازه وهز يقينه الثابت، والرواية تحديدا هي نوع أدبي ضد اليقيني والمستقر، فمن بين السطور تتوالد مئات الاحتمالات والمعاني، التي ربما حتي لم يقصدها الكاتب بشكل مباشر، لأن للكلمات سلطتها الخاصة البعيدة عن سلطة مبدعها، اللغة خوّانة بطبيعتها، والعمل الجيد هو ذلك الذي يخون صاحبه، ويخلق لنفسه وجودا قائما بذاته، بحيث ينفتح علي تأويلات جديدة مع كل قارئ، فكل رواية جيدة تملك سرها المقدس المبثوث بين شخصياتها واحداثها، وتعطي نفسها لكل قارئ علي قد اجتهاده.هذه مقدمة لا غني عنها قبل الحديث عن الرواية الجديدة في مصر التي يحوطها الكثير من الالتباس. بشكل شخصي انزعج بشدة من الميل المتوارث لوضع الجميع في سلة واحدة لمجرد تواجدهم ـ بصدفة بحتة ـ من جيل واحد.توجد بالطبع روابط تجمع بين من تم الاصطلاح علي تسميتهم بكتّاب الرواية الجديدة في مصر، ولعل أهم هذه الروابط هو ذلك التوق الشديد لتجاوز الواقع إما عبر مزجه بالغرائبي او السخرية الشديدة منه، او التعامل معه بحياد مطلق.كما تتسم الكتابة الجديدة ايضا في معظمها بالتجرؤ علي الكثير من المسلمات القديمة، واعادة النظر فيها، سواء أكانت مسلمات سياسية او دينية او اجتماعية.لكن وفي الوقت نفسه توجد تباينات عديدة علي مستوي الخبرة والتجربة والرؤية للعالم، ان اخطر ما يهدد الكتّاب الجدد في مصر ـ من وجهة نظري ـ هو ذلك الاصرار علي التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متماثلة تكتب نصا واحدا.لكن عليّ ان اعترف ان بعض هؤلاء الكتّاب قد ساعدوا علي ترسيخ هذا الاعتقاد، حين حصروا انفسهم في مساحة ضيقة مرددين الاقوال التي صارت اكليشيهات بائسة مثل: نحن لا نكتب إلا عن ذواتنا لأنها الشيء الوحيد الذي نعرفه ، وما الي ذلك. لأن المقولات والتنظيرات المسبقة عادة ما تظلم الابداع، كما ان هذه المقولات سمحت للكثيرين بالتجرؤ علي فن الرواية دون توافر الموهبة او الدراية الكافية بتقنياته. لقد تحول هذا النوع الادبي في نظر البعض الي مجرد سرد لتجارب ذاتية ضيقة، وهو ما قد يؤدي بالرواية الجديدة في مصر الي مأزق صعب، خاصة مع سهولة النشر وعدم وجود فرز نقدي حقيقي.الرواية من وجهة نظري ليست مجرد القدرة علي حكي حدوتة شائعة، وليست مجرد البراعة في الوصف وبناء المشاهد والاحداث، هي قبل أي شيء آخر بناء محكم متكامل قائم علي التركيب: تركيب عوالم وشخصيات، ورؤية عميقة للعالم من حولنا.واللغة هي وسيلتنا الاولي لخلق هذا العالم المركب، وسوف يكون من العبث ان نتوقع رواية مركبة محكمة البناء، دون توافر لغة قوية تتسم بالحيوية والحساسية، لا أحب ان اقع في التعميم، لكنني ألاحظ ان بعض الكتّاب الجدد يتعاملون مع اللغة بنوع من الاستهانة ولن اقول الركاكة.أنا هنا لا اتكلم عن اللغة الجميلة بالمفهوم الرومانتيكي، وانما اللغة المعبرة المتخلصة من السنتمنتالية التي تستخدم احيانا كقناع يخفي السطحية وانعدام العمق.المشهد الروائي واقنعة التزويرمكاوي سعيد ترتفع مقولات ساذجة هذه الايام بأن الرواية العربية تعيش أزهي ايامها، وان الرواية ديوان العرب بينما المشهد الروائي العربي المعاصر بائس وغث ومحدود.فالمقارنة ظالمة جدا بيننا وبين الابداع الروائي العالمي الذي يسبقنا بأربعة قرون علي الاقل علي مستوي الابداع واشكال التطور والتجديد والمواكبة النقدية لكافة الاشكال الابداعية حتي وصلت الينا الرواية الحديثة الآن سواء كلاسيكية او منبثقة عنها او منشقة او خارجة عنها، وابداعنا الروائي العربي ما زال ابداعا نقليا لم يخرج عن النسق الاوروبي إلا في محاولات تعد علي الأصابع.. والكاتب العربي وهو يكتب علي المنوال الغربي يتصور واهما ان هذا سيضعنا علي خريطة الابداع العالمي، أي انهم يتعاملون مع الابداع بنفس تعاملهم مع اجهزة التكييف ووسائل الاتصالات الحديثة كمستهلكين لها وليس مخترعين.. وفي تعاملهم هذا تجاهلوا السنوات والقرون التي نمت وتطورت فيها الرواية الغربية.. وقفزت كتاباتهم الجديدة الي ما سبقنا به الغرب فنأت بذلك عن القارئ وابتعدت بموضوعاتها الغربية وشخصياتها عن محليتنا الفريدة لتصبح نسخا مشوها من ابداع الآخر.وابحث داخل بعض من يشار اليهم بالبنان في الرواية العربية ستجد ان الفلاح هو الفلاح المكسيكي او الكوبي والمحصول هو شجر الكاكاو او عنب النبيذ والعلاقات اوروبية او غربية مقولبة علي النمط العربي. وبالرغم من ايماننا بنظريات الفن القديمة التي ابتدعها الغرب يجب ان تكون لنا رؤية مغايرة مستمدة من تراثنا الشرقي الانساني، فبخلاف مشروع نجيب محفوظ الروائي المخلص لبلزاك والوفي للرواية الكلاسيكية والذي عكف علي ابداعه لسنوات تلو السنوات غير آبه بالنقد المؤيد او المخالف، ويوسف ادريس الذي ابدع قصصه القصيرة وعينه علي الادب الروسي كتلميذ له ثم منافس حتي تبوأ مكانته الكبيرة وبعض ارهاصات عبد الرحمن منيف وحنا مينا واعمال ابداعية استثنائية للطبيب صالح وصبري موسي ومحمد خليل قاسم، لا يوجد الآن ادب عربي يؤهلنا لنكون في ذيل قائمة الابداع العالمي فضلا عن ان نكون منافسين له.كتّاب امريكا اللاتينية تفوقوا علينا كثيرا بابداعهم المحلي وبغوصهم في تراثنا الشفاهي والمكتوب وحتي حين انتبهنا لذلك وانساق بعض كتّابنا محدودي الموهبة للكتابة علي غرارهم فخرجت اعمالهم مسخا مشوها. الادباء تفرغوا لتكوين شبكة علاقات عامة مع الصحافة والنقاد (محكمو الجوائز الادبية الكبري) كجسر للظهور علي شاشات الفضائيات وكمعبر لتلقي الاموال المشبوهة التي تدعم دورهم التافه في الكتابة الادبية وتكافئهم علي جهودهم في اعادة ادبنا العربي الي نقطة الصفر.من الذين يعبرون عنا في المحافل الدولية والمؤتمرات الادبية العالمية؟ ومن الذي تترجم اعماله من المبدعين؟ هل لهم ابداع حقيقي حتي لو كان مجرد صفحة ابداعية واحدة غير مقتبسة، ابحث عنهم ستجد غالبيتهم من محرري الصحف (اصحاب الاعمدة) والمجلات الادبية المصرية كانت ام عربية.الذين يمررون كتاباتهم السقيمة الرثة بالمصالح المتبادلة ويقدمون صورة غير حقيقية عن ابداعنا للعالم ويفرضون اسماءهم علي المراكز الاجنبية المهتمة بالابداع حتي تترجم اعمالهم كما انهم يهيمنون علي كل مراكز النشر الحكومية ويتحكمون حتي في دور النشر الخاصة التي اما ان تنشر ابداعهم المتواضع او يتم التعتيم اعلاميا عليها.اما المتملقون من الجمهور العادي فقبل ان يقضي عليهم التلفزيون بالمسلسلات الرديئة ساهم ادباء ما يعرف بجيل الستينات في توسيع الهوة بينهم وبينه بابداعهم الذي يغلبه الغموض والتعالي فانصرف المتلقي عن الابداع برمته، والعجيب ان هذا الامر ما زال مستمرا فقد هاجموا بعنف وقسوة رواية عمارة يعقوبيان لمجرد انها نجحت في التواصل مع جمهور المتلقين الذي لم يكن مهتما علي الاطلاق بالقراءة الأدبية، وبدلا من ان يدعموا هذا النوع من الكتابة الذي سيعيد القراء الي الأدب من جديد، هاجموه بحجة انه كلاسيكي او عقيم او اسلوبه صحافي بعيد عن الرزانة الأدبية. ايها السادة الافاضل احتفظوا بالرصانة الأدبية وصونوا لسانكم قليلا حتي ترجع صحفنا تزين صفحاتها بفصول من الروايات كما كان يحدث في الخمسينات وكانت تجتذب آلاف القراء الي ان أتت مدافع اليسار بكتّاب محدودي الموهبة ونقاد علي نفس الشاكلة هاجموا هذا النوع من الأدب بضراوة ونشروا البديل الذي ساهم في ازاحة القراء تماما عن طريق الأدب.باختصار ما فعله اليسار بالثقافة المصرية اشد ضراوة من نكسة يوليو 1967، ودفاعي عن نوع معين من الكتابة ليس معناه انني اكتب بهذه الطريقة او حتي أميل اليها، فالمعني الحقيقي الذي اردته، ان نحافظ ونرعي ونهتم بهذا الأدب الوسيط الذي يضيف لنا في كل مرة قراءً جددا ينضمون لكتيبتنا، فتنتعش الرواية وبالتالي كافة الاشكال الأدبية الاخري.الابداع الروائي العربي المعاصر يتميز بغزارة كمية وضحالة فكرية، القليلون من المبدعين الآن يمكن اعتبارهم تجاوزوا روائيين حقيقيين واغلب مبدعي الصحافة وكل من اعتقد ان حياته من الاهمية بأن تسجل تاريخيا عن طريق سردها عبر رواية واضافة بطولات زائفة من خلال فصول وصفحات من الملل والركاكة والرداءة الفنية والبؤس اللغوي، بكل اتصالاتهم وبفخامة مواقعهم ومهما طنطنت لهم الصحف ومهما نالوا من جوائز، فهم ليسوا بكتّاب وعليهم مراجعة انفسهم.فهل نتصور ان يترجم كاتب رواية امريكية شهيرة اصبحت فيلما امريكيا اكثر شهرة هو “Fight Club” علي انها رواية من تأليفه، للأسف رحب بها الجهلاء وانصاف الأدباء وبعض النقاد ووصفوها بالتحفة الفنية، ماذا نقول؟ ليهنأ بها الناشر الجاهل والناقد المدعي، أما القارئ فمسكين، كيف يتحصن ضد هذه السموم.لا السرقة تصنع كاتبا ولا طبّال الزفة.. والتاريخ الحقيقي للأدب المعاصر لم يكتب بعد، هم في مزبلة التاريخ بالتأكيد حين يتم انصاف الشمندورة و فساد الأمكنة .نادي كتّاب الرواية..مع من، ضد ماذا؟حمدي الجزار أظن ان الاستخدام المفرط لمصطلحات الرواية الجديدة لوصف مشهد الرواية في مصر اليوم هو استخدام قديم، مستهلك، حاول وصف التيارات المستخدمة التي ظهرت في تاريخ الرواية المصرية، استخدمه الروائيون والنقاد كثيرا حتي ذبل وفقد محتواه المعرفي الدال، ولم يعد معبرا عمّا يحدث الآن من تجديد في فن كتابة الرواية في مصر.لست هنا بصدد تتبع سيرة المصطلح في أدبنا المصري والعربي، فقط اقول اننا بحاجة الي ابداع نقدي مواز للانتاج المطروح الآن علي الساحة الأدبية المصرية، خاصة ما يقدمه الروائيون الأصغر سنا، بعيدا عن الحصر النقدي التبسيطي الذي يستعمل مقولتي الجيل و الجديد ليتملص من المهمة الاجدر بكل نقد مبدع.ما يحدث في كتابة الرواية المصرية الان هو فورة لا تجد دعمها بتعبير جمال الغيطاني، وهو حركة تكسر الدنيا وليس ليس ها هنا دنيا بتعبير بهاء طاهر تعليقا علي اعمال الكتاب الجديد.هذا افضل كثيرا من اعادة اجترار مصطلح الرواية الجديدة المنهك والذي ارتبط بما انجزه الروائيون الذين حوصروا تحت يافطة جيل الستينات .افضل ان انظر الي مشهد الرواية الآن بوصفه حقلا مفتوحا، متعددا، ومتنوعا بشكل لم يحدث من قبل في الأدب المصري، فما زال الكتاب الراسخون يتابعون اصدار اعمالهم وبعضها اكثر تواصلا مع واقعنا السياسي والاجتماعي والقضايا الجمالية للرواية من اعمال بعض الشباب، هناك كتّاب جدد يخطون مشروعاتهم الروائية والجمالية الخاصة بدأب واصرار، هناك اعراض عن مواصلة طريق الشعر وانحسار للقصة القصيرة، ولجوء غير مسبوق لفن الرواية، في المقابل هناك جدب في الفكر النقدي والفلسفي.الرواية المصرية الآن تقوم بأدوار لم تقم بها من قبل مطلقا! اضف الي ذلك الحضور النسبي للقارئ مشتري الرواية، كطرف فاعل في تقرير جدارة عمل فني، والذي منح بعض الروايات نجاحا استثنائيا عمارة يعقوبيان مثلا والتحرر النسبي من صعوبات النشر مع ظهور دور نشر خاصة مستقلة متحيزة للرواية وكتّابها الشباب، والحضور الكبير لشبكة الانترنت كناشر، وكفضاء اوسع وأبرح من الرواية الورقية.مشهد الرواية مزدحم بكتّاب من مختلف الاجيال يصنعون النصوص الجيدة التي ستبقي بعد ان يقوم الزمن بالفرز والاستبعاد واضفاء القيمة، هناك ايضا كتّاب خطوا لأنفسهم حضورا قويا منذ العمل الاول.اتجنب هنا ذكر الاسماء لئلا يتحول ما اكتب الي جملة واحدة طويلة ترص الاسماء رصا. هناك تجديدات وتغييرات كثيرة حاول الكتّاب الجدد ادخالها علي شكل الرواية الراسخة لدينا ولغتها، وليس من النادر، الآن، ان نقرأ تقييمات نقدية تصف بعض الاعمال الجديدة بأنها انجاز ابداعي متميز، تعبير سردي مستحدث ، اضافة جديدة تحتوي علي الاصالة والمعاصرة ، رواية تمثل نقلة نوعية للرواية الجديدة او تحوي هذه الرواية رؤية فنية نفاذة تخترق صلابة الواقع الراهن المتجمد علي اعراف بالية، ودعوة للتمرد الخلاق ، او هذه رواية مرشحة بامتياز لأن تكون نواة جيدة لنص تشعبي ينشر علي الشبكة العالمية، وتقدم تصورا خاصا للبناء الروائي ، كل هذا معناه ان هناك تيارا جديدا يحاول الاختلاف عن اسلافه علي مستوي السرد واللغة والرؤية.الأهم، من وجهة نظري، هو انه لم تعد هناك وصفة جاهزة لصنع رواية جيدة يكتبها شاب علي النحو الذي شاعت به الوصفة الجاهزة لكتابة قصيدة نثر في التسعينات.هناك مشاريع فنية تبدو مستقلة يحكمها وعي الكاتب وتجربته الفنية وأفضل تلك النصوص، في رأيي، هي التي تكتشف فيها الصوت الفني الخاص بالكاتب واسئلته القلقة التي يحاول الاجابة عنها في عمله. ومع ذلك فقد تسربت نفس المساوئ التي استشرت في قصيدة النثر وانتقلت الي حقل الرواية، الوصفة الجاهزة في استخدام لغة حياد بارد هربا من ابداع لغة روائية خاصة، استهلاك التجربة الشخصية بحيث تبدو وكأنها تستحق الكتابة من اصله، عدم الوعي بالرواية كفن وتحويلها الي نوح مجاني، من لا يعرف القوافي والبحور الشعرية اذا أراد ان يكتب الشعر فعليه بقصيدة النثر، ومن لا علاقة له بالتراث الحي المتجدد للرواية فما عليه سوي كتابة رواية جديدة!أري ان انتاج أي كاتب ما هو إلا اجابة عن سؤال ماهية النوع الفني الذي يمارسه، جمالياته ولغته، وحدوده ومغامراته.النصوص الجيدة الجميلة، ما زالت قليلة، بعضها ضائع بين كم الروايات الرديئة، وبعضها مطمور تحت تراب تصنعه المصالح والشلل والمجاملات والصداقات الزائفة التي لا علاقة لها بالفن او حتي بالاخلاص للذات فحسب!ومع ذلك فالروايات الجيدة ستبقي لأنها مشاريع حياة كتّابها، ولأننا في حاجة اليها. أما ما كنت اطمح الي تحقيقه في عملي، وانا اقصد هنا تجربة الوصول الي نص يتجرأ كاتبه علي نشره علي الملأ، والملأ عندنا قليل للغاية. هذا شيء يخص كل منا علي حدة.واتصور انه لكي تكتب رواية لا يكفي وجود غرفة خاصة واوراق واقلام كما تطلب فرجينيا وولف، لا يكفي ان تقرأ ألف رواية وتنساها كما هي نصيحة الشاعر المخضرم للشاعر الناشئ، لا يكفي ان تدخل في تجربة، مع اننا جميعا ندعو الله ألا يدخلنا في تجربة، لا يكفي ان تقرأ تلالا من المجلدات حول تاريخ الرواية ومعمارها وجمالياتها ونماذجها الكلاسيكية الكبيرة، اذا حاولت فعل كل هذا فلن توفر لك سنوات العمر، مهما طالت، انجاز هدفك.بالنسبة لي، كان تحاشي هذه الافعال يعني لي الغرور، لم أكن حكيما، كنت ـ فقط ـ مرعوبا من الكتابة، اهرب منها هروبي من اسد مفترس، ما الحاجة الشخصية اليها ما دمت استمتع اكثر بعرق الآخرين وكفاحهم من اجل كتابة روايات جيدة استمتع بها أنا. هناك كتّاب من عينة ديستيوفسكي وكازانتزاكيس وهيرمان هسه يجعلونك تيأس من كتابة أي حرف بعدهم، فقلت أكتب من أجل اشياء كثيرة ذكرها آخرون: مثلا: لأحقق ذاتي ، لأن لديّ ما اقوله ، ليحبني اصدقائي اكثر ، لأكسب قوتي ، لأعيش ، كل هذه اسباب وجيهة للكتابة، لكنني لم اكتب سوي لأصنع كتابة جيدة لا أخجل منها! لأحاول ان أهب الآخرين متعة ما، لأقول انني احب الحياة وهي جميلة ويجب ان تكون أجمل، هكذا نعم، عندما كنت في العشرين قلت ان قراءة كتّاب يجب ان تساوي مضاجعة امرأة جميلة وإلا فالكتاب رديء.أما عن تطور المشهد الراهن ومستقبل الرواية فأراه ملكا لأولئك الكتّاب الذين لديهم مشاريع روائية حقيقية، قابلة للتطوير والنمو، سيكون لدينا كتّاب جيدون مختلفون ومتنافرون، هم اولئك الذين سيقاتلون ويكافحون لصيانة انفسهم من امراض واقعنا الثقافي من جهة، وخراب حياتنا السياسية والاقتصادية من جهة اخري، اولئك الذين يخلصون للكتابة ولأنفسهم ولناسهم وللقيم الانسانية الاساسية التي لا حياة لكاتب او ابداع بدون الدفاع عنها، أعني الحرية والعدل والجمال والمساواة والابداع.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية