بغداد-“القدس العربي”: يوما بعد يوم، تتبلور ملامح صورة اتفاق وتصميم بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول كيفية التحرك وتوزيع الأدوار، لتحجيم دور فصائل الحشد الشعبي في العراق والمنطقة، باعتباره أحد فصول سيناريو تقليم أظافر النفوذ الإيراني.
وفي خضم اتساع أشكال المنازلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يبدو أن للعراق مساحة كبيرة في المواجهة تبلورت باستهداف معسكرات ومخازن أسلحة الحشد الشعبي فيه، مع استمرار وعود قادة إسرائيل بتوجيه الضربات إلى أدوات إيران في كل المنطقة.
وفي الوقت الذي أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات لتقليص النفوذ الإيراني في العراق، من خلال خطوات إضافية ضد “التشكيلات المسلحة الموالية لإيران” حسبما ورد في اتصال مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي، مع رئيس إقليم كردستان العراق، نيجرفان بارزاني، مبديا ” قلقه إزاء مواصلة التشكيلات المسلحة الموالية لإيران تقويض أمن وسيادة العراق” فإن نائب القائد العام لقوات التحالف الدولي الجنرال كريستوفر غيكا ، أكد أن قواته جاهزة للرد على أي هجوم من الفصائل المسلحة في العراق، وأضاف “نحن موجودون بطلب من الحكومة العراقية وسنلتزم بقراراتها، وننتظر تطبيق الحشد الشعبي للأمر الديواني الصادر من رئيس الوزراء” في إشارة إلى تذبذب انضمام الفصائل للقوات الرسمية.
وازاء الضغوط والتهديدات التي بدرت من فصائل وقوى شيعية بالرد على قصف معسكراتها، فان الرد الرسمي العراقي أخذ توجهات متعددة غلب عليها السعي للتهدئة وتجنب التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، عقدت الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والنواب) سلسلة اجتماعات مع قيادات في فصائل الحشد والأحزاب السياسية، أكدت خلالها على التهدئة وافساح المجال للحكومة لاتخاذ الإجراءات المناسبة ورفض التصرفات الفردية، مع التشديد أن العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أي من دول الجوار والمنطقة، مع رفضه سياسة المحاور وتصفية الحسابات، إضافة إلى متابعة الاتفاقيات والتفاهمات مع التحالف الدولي وبما يخدم مصلحة العراق.
وفي تأكيد على خيار التهدئة أعلنت وزارة الخارجية، إنها “ستتخذ كافة الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة من خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتصالات مع الدول الشقيقة والصديقة للتصدي لأي عمل يخرق سيادة العراق وسلامة أراضيه”.
وأكد مجلس الأمن الوطني، على حق العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة قانونيا ودبلوماسيا من خلال المؤسسات الإقليمية ومجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة دفاعا عن سيادته وأمنه ووحدة أراضيه وبكل الوسائل المشروعة، كما أعطى المجلس الضوء الأخضر لوزارة الدفاع العراقية “للرفع من مستوى تسليح قيادة الدفاع الجوي”.
وفي المقابل، عبرت الأحزاب والفصائل المقربة من طهران، عن تصورها للرد على استهداف معسكرات الحشد عبر مواقف استندت إلى فتوى أصدرها المرجع الشيعي كاظم الحائري، المقيم في قم، بحرمة بقاء القوات الأمريكية في العراق، أو من خلال توجه نائب قائد الحشد أبو مهدي المهندس إلى طهران متخلفا عن اجتماع الرئاسات الثلاث بقادة الفصائل والأحزاب، ليعطي رسالة بعدم انصياعه للقرارات العراقية الرسمية. إلا أن أبرز موقف للفصائل الموالية لإيران تمثل في تنافسها بتوجيه التهديدات للقوات والمصالح الأمريكية في العراق.
فقد كشف قائد كتائب سيد الشهداء، أبو ولاء الولائي، في لقاء تلفزيوني، عن آلية الرد على الاعتداءات على مقرات الحشد، مؤكدا إن “أمريكا لا ترى غير لغة القوة، وامكانية الرد تتم عبر مصالحهم الموجودة داخل البلاد” متهماً واشنطن بالمساهمة في ضرب معسكرات الحشد بالتعاون مع إسرائيل. وهدد قائلا: “لدينا الامكانية بإطلاق طائرات مسيرة وضرب سفارات الدول المسؤولة عن استهداف المعسكرات التابعة لنا” مشيرا إلى أن “الأمريكان في العراق كلهم رهائن لدى المقاومة في حال حدثت الحرب بين واشنطن وطهران”.
وبينما أعلنت ميليشيا عصائب أهل الحق ان المصالح الأمريكية في العراق أصبحت أهدافا مشروعة بعد فتوى كاظم الحائري، وأن السفارة الأمريكية تضم خلية أمنية إسرائيلية تخطط لضرب مقرات الحشد الشعبي عبر طائرات مسيرة، مشيرة إلى أن فرضية التعرض للسفارة الأمريكية ليست مستبعدة، فقد تناقلت المواقع الإخبارية المحلية، وصفحات التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو لمجموعة تطلق على نفسها اسم “جند الإمام الحجّة” في إشارة إلى الإمام المهدي، وهي تستعرض صواريخها، وتحذيرها من إن “القواعد العسكرية والمدنية الأمريكية باتت أهدافا مشروعة لنا”.
ولوحظ ان بعض القوى الشيعية أيدت خيار التهدئة وتجنب التصعيد، ومنها ائتلاف النصر بقيادة حيدر العبادي الذي انتقد لجوء بعض الفصائل لأسلوب المزايدات والمجازفة بمصالح الوطن، فيما دعا مقتدى الصدر إلى تجنب أي “تصرف أهوج” يجر الوطن إلى الحروب، وضرورة ان يكون القرار عراقيا بعيدا عن تدخل دول المقاومة (إيران وسوريا) في الأزمة.
وفي محاولة لإسكات الأصوات التي تتصاعد في توجيه الانتقادات إلى بعض قادة الحشد الشعبي وسعيهم لجر العراق إلى حرب بالوكالة عن إيران مع الولايات المتحدة، حذرت هيئة الحشد الشعبي، مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام، من مهاجمتها أو انتقاد قادتها، ما جعل ناشطين يحذرون من ان بيان الحشد هو ضوء أخضر لبدء حملة ملاحقات وتصفيات جسدية ضد المناوئين لنفوذ طهران وأذرعها داخل العراق.
وفي كل الأحوال، فان مواقف العراق ازاء الرد على الاعتداءات على معسكرات الحشد، تتباين بين الحكومة والفصائل المسلحة، وتعتمد على مدى تطورات المواجهة والضغوط المتبادلة بين إيران وفصائلها من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وعلى محصلة النتائج التي يحققها الطرفان في المنازلة، دون اغفال محاولات طهران وواشنطن للتوصل إلى اتفاق سياسي يحقق أهدافهما بأقل الخسائر ويحفظ ماء الوجه لهما.