استهداف المسجد الأقصى و«بروفا» التصعيد الآتي

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رد الفعل الفلسطيني جاء نوعيا وجديدا ومن أربع ساحات: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والجنوب اللبناني، وفلسطين المحتلة عام 1948 وهو أمر يعد أسوأ كوابيس الاحتلال وخططه الأمنية.

رام الله ـ «القدس العربي»: حسب الإعلامي الفلسطيني إيهاب الجريري فإن صور قمع المصلين والاعتداء عليهم بوحشية في المسجد الأقصى يصعب أن تزول من رؤوس الفلسطينيين. ويكمل الجريري أنه من الواضح والمؤكد أيضا أن «هناك أناسا كثر قررت أن تقوم بالرد».

يبدو هذا الاقتباس الموجز والمكثف تتويجا للحالة النضالية الفلسطينية التي ضربت من جديد وبقوة في كل من الأغوار الشمالية التي تعتبر منطقة ذات حساسية أمنية عالية، وفي تل أبيب أيضا في نفس اليوم الذي نفذ فيه الشهيد ضياء حمارشة عمليته في تل أبيب قبل عام بالتمام والكمال، وحسب ما كشف من معلومات حول هوية منفذ العملية وبكونه من بلدة كفر قاسم بالداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 تعتبر العملية بعدا إضافيا مؤرقا للاحتلال أمام تنوع ساحات المواجهة.
نحن نتحدث عن ردود فعل قوية ومختلفة ومكثفة على التصعيد الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي بحق المصلين والمعتكفين في الأقصى في ظل أن هناك إجماعا حول أن ما تعرض له الأقصى منذ بداية شهر رمضان وتحديدا يوم الأربعاء الماضي مع انطلاق احتفالات عيد الفصح اليهودي، كان فعلا فارقا ومغايرا لما فعله الاحتلال خلال السنوات الماضية.
ويبدو أن رد الفعل الفلسطيني أيضا جاء نوعيا وجديدا ومن أربع ساحات: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والجنوب اللبناني، وفلسطين المحتلة عام 1948 وهو أمر يعد أسوأ كوابيس الاحتلال وخططه الأمنية.
يضاف إلى العمليتين النوعيتين في الأغوار وتل أبيب مشهد كامل من العمليات وحالات المواجهة مع قوات الاحتلال ومستوطنيه، على امتداد الضفة الغربية. وحسب بيانات مركز المعلومات الفلسطيني «معطى» فإن 368 عملا مقاوما في الضفة والقدس تمت خلال الفترة ما بين 31-03 حتى 06-04-2023.
أما رشقات الصواريخ التي فاقت الثلاثين فلها حكاية أخرى مختلفة، فيما القذائف الآتية من القطاع مع استعداد معلن على المواجهة أكملت أضلاع المربع الفلسطيني المقاوم.

أهم رسالة

وحسب الكاتب زكريا محمد فإن صواريخ الكاتيوشا الثلاثين على الجليل ربما كانت أهم رسالة وصلت إلى إسرائيل منذ عقد من الزمان على أقل تقدير.
وأضاف: «وسيمضي وقت قبل أن تتضح الأبعاد الحقيقية لما حملته، تذكروا مساء السادس من نيسان/ابريل، فهو سيكون تاريخا مشهودا».
والمؤكد هو ذلك الربط الأردني والإسرائيلي تحديدا حول أن إطلاق الصواريخ جاء ردا على الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى.
وأضاف محمد أن الرد الإسرائيلي على غزة تقريبا «لا شيء» فإسرائيل لا تريد الحرب، وليست مستعدة لها، وهذا هو ما يحكم ردودها عموما.
وتابع أن إسرائيل مستعدة فقط للحرب في الضفة، أما ما حدث في الجليل فهو أمر جلل يدخل المنطقة في مرحلة جديدة ومختلفة، صحيح أنها صواريخ كاتيوشا لا غير، ولكنها تمثل زلزالا سياسيا، وتغييرا ضخما في قواعد الاشتباك في المنطقة.
ويشير محمد إلى أنه من الواضح أن الصواريخ لم تهدف إلى القتل، بل هدفت إلى أن تقول لإسرائيل: «الأقصى خط أحمر» وبذا تحقق ما قاله نصر الله من أن المس بالأقصى سيقود إلى حرب إقليمية.
ونقل الباحث في الشأن الإسرائيلي سعيد بشارات عن مصادر صحافية إسرائيلية قولها إنه خلال السنوات الأخيرة أسست حركة حماس فرعا لذراعها العسكري في لبنان، والهدف منه خلق جبهة أخرى ضد إسرائيل، وذلك بالتعاون مع حزب الله وبموافقته.
وتابع بشارات أنه تم أيضًا إنشاء قاعدة عسكرية هناك، وتم تفعيل كل ذلك لأول مرة في «حارس الأسوار» عندما أطلقوا الصواريخ أيضًا من هناك.
ويؤكد نقلا عن الصحافة الإسرائيلية أن المنظومة الأمنية الآن تقول إنه قد يكون إطلاق الصواريخ بسبب أحداث المسجد الأقصى، ولكن أيضًا كرد على ما حدث في سوريا قبل أيام من حوادث قصف أدت إلى مقتل عناصر من الحرس الثوري الإيراني.
بدوره يشدد المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن إحدى رسائل ما حدث على الحدود الشمالية لفلسطين، أن إسرائيل لن تستطيع أن تتحكم في زمان ومكان ومستوى التصعيد، وأن كل مجتمعها لن يهنأ في عيد الفصح طالما لم يهنأ المسجد الأقصى.

مساس بقدرة الردع

وحسب المحلل السياسي هاني المصري فإن المواجهة العسكرية تعكس الأزمة السياسية التي تعيشها إسرائيل، وهو أمر انعكس على أدائها العسكري بما مس بقدرة الردع الإسرائيلية.
وأضاف: «رئيس الحكومة تجنب حتى الليلة الماضية دعوة المجلس الوزاري للانعقاد جراء الخلافات حول الرد الإسرائيلي، كما أن رئيس الحكومة على خلاف مع وزير الجيش، وقادة الجيش والأجهزة الأمنية على خلاف مع بن غفير وسموترتيش وهما اللذان يطالبان بشن عملية سور واقي في الضفة تبدأ في نابلس وجنين واغتيالات في غزة وبرد أقوى ضد لبنان، والإدارة الأمريكية على خلاف مع الحكومة الإسرائيلية».
وتابع معلقا على رشقات الصواريخ الآتية من الجنوب اللبناني: «لقد بدأت المعركة ما بعد ظهر الخميس بمبادرة فلسطينية وبإطلاق رشقات صاروخية بلغت 34 صاروخا من جنوب لبنان، والرد الإسرائيلي تأخر حتى فجر اليوم وكان محدودا ومحسوبا وركز على استهداف أهداف فلسطينية في لبنان وغزة وتحييد حزب الله رغم أن ما جرى يعكس تغييرا في قواعد اللعبة، فالاحتلال يعرف استحالة أن تقدم فصائل فلسطينية على عمليات بهذا الحجم بدون موافقة حزب الله».
ويضيف المصري حول عملية «غور الأردن» الثالثة خلال أشهر التي أودت بحياة مستوطنتين وإصابة ثالثة بحال الخطر الشديد، أنها تعكس وتؤشر على أن امكانيات الشعب الفلسطيني على المقاومة الموجعة مستمرة ويمكنها إيقاع خسائر كبيرة وهي قادرة على أن تربك الحكومة الإسرائيلية التي تكتشف نفسها عاجزة عن توقع العملية المقبلة لكون حالة المقاومة الحالية تقوم على الفردية.
وتابع: «قد يكون للعملية تداعيات تزيد منسوب وامكانيات التصعيد وذلك في حال تبنتها حركة حماس، فالأخبار الآتية حول المنفذين قد تؤدي لتصعيد آخر خاصة أن الحالة داخل حكومة الاحتلال تعكس غياب التوافق في المواقف تجاه عمليات المقاومة».
وشدد على أن نظرية الردع الإسرائيلية تقوم على مجموعة من العناصر أولها أن الاحتلال يبدأ بالهجوم، وثانيها أنها مواجهة قصيرة، وثالثها أنها مواجهة لا تصل للجبهة الداخلية الإسرائيلية، ورابعها لدولة الاحتلال صاحبة الصاروخ والكلمة الأخيرة.
وتابع حول احتمالات التصعيد الآتية بعد عملية غور الأردن أن عوامل التصعيد كثيرة، فيما الجولات المقبلة من المواجهة يمكن أن تحمل بداخلها عوامل على التصعيد، حيث توقع الاقتحامات الجديدة والكبيرة للأقصى من جانب المتطرفين الإسرائيليين عبر مسيرات الأعلام في الشهر المقبل أيضا.
وأكد أن ما جرى قبل أيام من ظروف قللت من قدرة الاحتلال على الرد على عمليات المقاومة كرست ثأرا شخصيا لدى نتنياهو (رئيس الحكومة) ويمكن أن يمارسه في أي وقت، «فهو لن يتردد لحظة واحدة بتصدير الأزمة للخارج عبر عملية عسكرية في حال كانت الظروف لصالحه».
وختم: «الواقع يقول إن احتمال التصعيد لا يجب إسقاطها من الحسبان، فالطرفان أصبحا أطرافا، صحيح أن الكل لا يريد الذهاب لحرب وتصعيد كبير لكن المنطقة فيها لاعبون كثر، كما أن الأقصى الذي يعتبر مفجرا رئيسيا للأحداث لا يجب أن يجعلنا نغفل عما يجري في الضفة الغربية في ظل أن هدف الحكومة اليمينية المتطرفة هو ضم الضفة الغربية أيضا».
ويعلق المصري على الردود الرسمية الفلسطينية والعربية والدولية على اقتحام الأقصى ومنع الاعتكاف وطرد المعتكفين بالقوة وبوحشية بإنها ردود باهتة ومخزية، وهي تشجع المستعمرين المستوطنين على مواصلة سعيهم لتكريس التقسيم الزماني والمكاني كخطوة على طريق فرض المساواة بين اليهود والمسلمين بالدخول من كل الأبواب وفي كل الأوقات وإلى داخل الحرم الشريف على طريق هدمه وبناء هيكل سليمان بدلا عنه.
ويبقى السؤال الذي سيحدد طبيعة التصعيد المقبل متمثلا: بما هي طبيعة الممارسات التي ستقوم بها قوات الاحتلال وما طبيعة سلوك مستوطنيه في المسجد الأقصى في القادم من أيام عيد الفصح العبري؟
فالمكان (الأقصى) الذي قدم «بروفا» لشكل التصعيد المتوقع وفي مرجل الساحات التي توحدت جميعها خلال الأسبوع المنصرم، يستمر القبلة الأولى ومفجر التصعيد كله، فيما الفواعل الرئيسية في هذا التصعيد ليست لها علاقة بالأطراف الخماسية التي حضرت لقاء العقبة وما تلاه في لقاء شرم الشيخ.
الأمر حسب المحلل عادل شديد بسيط جدا، فاستمرار استباحة المسجد الأقصى والاعتداء على المعتكفين، وبقاء الردود الرسمية بين الشجب والاستنكار والمناشدات الفارغة «سيشعل المنطقة» وسيؤدي «لردود فعل غير متوقعة وصادمة» وما رشقة الكاتيوشا إلا الدليل على ذلك.
والحقيقة التي لا يجب ان تغيب عن حاملي لواء تفاهمات خفض التصعيد التي عمل عليها قبل الشهر الفضيل بأسابيع تقول إن التصعيد الخطير سيحدث عندما يعجز الجميع عن الرد على التصعيد الإسرائيلي حيث الشهية مفتوحة على وسعها أمام ضعف الموقف الرسمي الفلسطيني وتسليمه بحالة عجزه، وهذه معضلة جديدة، تزيد من رغبة كل الفلسطينيين على الرد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية