استهداف دور العبادة بين سياستي البناء والهدم

حجم الخط
0

في ظل تصاعد ظواهر الاحتقان والاستقطاب وفق خطوط التمايز السياسي والمذهبي يصعب استشراف المستقبل المنظور للعرب والمسلمين، خصوصا مع غياب التوجيه المسؤول من القيادات الدينية او النخب الفكرية او الفعاليات السياسية. وأيا كانت التفسيرات التي تطرح لما تشهده الساحة ليس من توترات نفسية فحسب، بل من اعمال غير مسبوقة في الصراعات بين الفرقاء، فان الامر المؤكد ان الربيع العربي من اكبر ضحايا هذه الظواهر.
ويذهب البعض للقول بان ما تثيره امبراطوريات الاعلام المدعوم بالدولار النفطي، انما يستهدف اساسا ظاهرة الصحوة التي عمت الامة ودفعت شبابها للانطلاق في ميادين الثورة مطالبة بالتغيير. وواضح ايضا ان هذا التغيير سيؤدي لاقامة منظومات سياسية جديدة ويؤذن بفجر جديد من الحريات، ونهضة سياسية وثقافية للامة، ويفتح مجالات التحرر من الاحتلال والتبعية، ويحول دون استمرار تراجع الامة وتخلفها، ويقلص تأثير الغرب على معنويات الاجيال الجديدة من العرب والمسلمين. ولذلك تضافرت جهود تلك القوى جميعا (بما فيها الدول الغربية وانظمة الاستبداد العربي) لتضع معوقات كبيرة لوقف زحف ثورة والاصلاح. وفي هذا االاطار استخدمت الطائفية سلاحا قذرا للحيلولة دون تقدم زحف التغيير، ولمنع تضامن الشعوب وتوحدها كما حدث في الاسابيع التي اعقبت انطلاق الثورة في تونس ومصر والبحرين واليمن. ولكي يمكن فهم مرتكزات مشروع الاثارات الطائفية والمذهبية يقتضي الامر العودة الى الوراء قليلا لاكتشاف طبيعة القوى المناوئة للثورة والتغيير، خصوصا في اطار البحث عن اساليب الاثارة والتحريض. هذه الاثارات تبدأ باستهداف الآثار التي يعتبرها المسلمون، بعضهم او اغلبهم، مقدسة، او تحمل رمزية ذات دلالة مرتبطة بالاسلام، وتصل الى ثقافة التكفير واخراج الآخرين تارة من الملة واخرى من الانسانية.
في شهر ابريل 2006 ارتفعت اصوات الاحتجاج عالية عندما قام متطرفون بتدمير قبر هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد بمدينة غزة الفلسطينية. يومها اتهم مدير دائرة التوثيق في وزارة الاوقاف الفلسطينية عبد اللطيف ابو هاشم ‘جهات سلفية وهابية تتحرك بايعاز من بلاد اخرى’ بالوقوف وراء هذه الجريمة. ويعتبر القبر واحدا من اهم المعالم الاسلامية في فلسطين المحتلة. وقبل عامين تعرض العديد من المساجد ومقامات الاولياء في مصر لاعتداءات من مجموعات متطرفة، الامر الذي دفع شيخ الازهر لاستنكار ذلك وطلب من علماء الازهر ‘النزول الى الشارع’، والتحدث لمرتادي المقاهي والنوادي لتوعيتهم ازاء قبور الاولياء ودورها في جمع المسلمين وتوجيههم للعبادة واستحضار تاريخ السلف الصالح في تثبيت اركان الدين ونشر العلم والثقافة في المجتمعات. كما حث مفتي مصر، الشيخ علي جمعة، على الابتعاد عن التطرف في الطرح الديني مؤكدا سماحة الاسلام وداعيا لبث ثقافة التحمل والتعايش والابتعاد عن التطرف خصوصا في التعاطي مع مقدرات المسلمين ومقدساتهم. وعندما استهدفت المجموعات المسلحة في العراق في 2006 ضريح العسكريين، بتفجير قبته وضريحه كان الهدف من ذلك اشعال نار الفتنة في العراق، ومنع تماسك اهلها وازالة آثارها الرائعة. حدث ذلك في ظل الاحتلال الانكلو – امريكي الذي ادى الى اعمال عنف تواصلت حتى الآن. فاستهداف مقدسات الآخرين بالشكل الذي يحدث في العالم الاسلامي اليوم لا يمكن ان يكون بهذا المستوى من الاصرار والاستمرارالا بوجود جهات مصممة على ذلك وفق اهداف مضمرة تختلف عما هو معلن. بمعنى ان المنطلق لهذه الافعال سياسي محض، يختلف عن ذرائعه الدينية. صحيح ان بعض الفتاوى التي اصدرها بعض رجال الدين السابقين تستخدم لتبرير تلك الاعمال، ولكن دوافع تلك الاعمال مرتبطة بمشروع قوى الثورة المضادة الهادف لوصول التغيير الى الضفة الغربية من مياه الخليج. هذه القوى غير محكومة بقيم او اخلاق، لان انظمة الاستبداد والظلم مستعدة لاستخدام أبشع الاسلحة من اجل البقاء. فقد حرضت هذه القوى بعض الجهات الدينية لترويج مبدأ ‘التكفير’ لاطلاق نار الفتنة، ولما اتضح ان تأثيره محدود، لجأت لسياسة إثارة الضغائن والاحقاد والاحتراب الداخلي باستهداف دور العبادة، فذلك اجراء عملي استفزازي لا يستطيع حتى ذوو العقول والحكمة والعلم هضمه او السكوت عليه. ويمكن القول ان هدم المساجد من أبشع الاسلحة القذرة لانها تسعى لاثارة العنف والاقتتال الدموي الشرس.
واذا كان استهداف المساجد قد تم في اغلب الاحيان بمبررات دينية من قبل مجموعات مسلحة، فانه حدث في السعودية والبحرين بايدي السلطات الحاكمة بشكل معلن، بذرائع دينية احيانا ومبررات غير مرتبطة بالفتاوى احيانا اخرى. فالسعودية هدمت طوال العقود التسعة الماضية اكثر من 90 بالمائة من التراث الاسلامي في الحجاز بمبررات دينية، مستعينة بفتاوى قديمة تمثل قائليها ولا تحظى بأدنى مستويات الاجماع بين العلماء. ومن هذه الفتاوى ما ذكره ابن القيّم الجوزية المتوفّى سنة (751 هـ – 1350م الذي قال: ‘يجب هدم المشاهد التي بُنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً’. جاءت تلك الفتوى بعد ما طرحه الشيخ ابن تيمية الذي حرم تشييد المساجد على القبور، ومنها قبر الرسول عليه افضل الصلاة والسلام. وجاء بعدهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفّى سنة (1206 هـ – 1791 م) فحوّل التشدّد والخشونة إلى مذهب فقهي يعتمد على التكفير والاتهام بالشرك والتهديد بـ ‘هدر الدم وسبي الذراري لكل من ارتكب سبباً من أسباب التكفير’ التي طرحها، وهي كثيرة. وفي العام 1924 احتل عبد العزيز بن سعود مدينة مكة المكرمة بالقوة، وكان اول قراراته هدم الاضرحة بمقبرة ‘المعلى’ التي تضم قبر السيدة خديجة زوجة الرسول وقبر عمه، أبي طالب. وبعد عامين (1926) احتل ابن سعود المدينة المنورة، وقام هو واتباعه بهدم مقبرة البقيع التي تضم قبور عدد من أصحاب رسول الله وأهل بيته، ومنهم ابنته فاطمة الزهراء وحفيده الحسن بن علي. كما هدموا المساجد السبعة في المدينة: مسجد الفتح ‘او الاحزاب’ ومسجد سلمان الفارسي ومسجد أبي بكر ومسجد عمر ومسجد فاطمة ومسجد علي ومسجد القبلتين، وحولوا بعضها الى مكاتب للصرف الالكتروني. وتطرق بعض الكتاب السعوديين آنذاك لهذا العمل، فكتب محمد الدبيسي مقالا في صحيفة المدينة بتاريخ 10 سبتمبر 2004 عنوانه: ‘بإزالة هذه المساجد تفقد المدينة المنورة معلماً من معالم تاريخها الخالد ومنارة من منارات سيرتها العطرة’. وفي 25 اغسطس 2005 بثت قناة ‘العربية’ على موقعها مقالا بعنوان ‘مشروع تخطيطي جديد في المدينة المنورة يثير حفيظة المهتمين بالآثار، مؤرخون ومفكرون يدعون لمراجعة قضية هدم الآثار في مكة والمدينة’. ورأي المفكر المعروف الدكتور أنور عشقي أنه يجب دراسة قضية الأثار بعمق ووضع خطة متكاملة لها وليس علاجها بمعاول الهدم. وقال إنه ليس هناك مبرر للادعاء بأن الأثار الباقية في المدينة المنورة وهي لا تزيد عن 10% مما كان موجودا قبل توسعة الحرم النبوي الشريف، ستؤدي إلى بدعيات أو إلى التبرك بها. أما الدكتور سامي عنقاوي الباحث المتعمق في أثار مكة والمدينة ومدير أبحاث الحج السابق فدعا الى رؤية شاملة لعلماء الأمة، مؤكدا أن آثارا قليلة جدا قد بقيت، و ‘ان استمرار الهدم يطمس تاريخنا وحضارتنا’. وقبل بضعة اعوام تعرضت معالم حي ‘الشريبات’ التاريخي بالمدينة المنورة لعملية هدم ممنهجة ازالت كثيرا من معالمه التاريخية. وهذا الحي يختزل حزمة واسعة من المواقع الأثرية المرتبطة بالسيرة النبوية التي يعدها المؤرخون شاهدا حيا على عظمة الدولة الإسلامية الأولى، عندما كانت المدينة المنورة عاصمتها الأولى. ويدور هذه الايام جدل متواصل حول قرار السلطات السعودية ازالة آثار تاريخية بالقرب من الحرمين الشريفين بدعوى توسعتهما. وأصدر المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فتوى تجيز هدم الآثار من أجل ذلك. وأكد آل الشيخ في تصريحات نشرت قبل اسبوعين أن ما هدم من أثر في الحرمين الشريفين لا مانع منه، بل إنه من الضرورة، قائلا: ‘إن حصول بعض ما يظن أنه أثر ليس له اعتبار، كله أشياء لا ارتباط لها بشيء’.
أما في البحرين فقد هدم في 2011 اربعون مسجدا بدعوى انها غير مرخصة، بعضها كان مشيدا منذ اكثر من 300 عام، اي قبل احتلال الجزر من قبل عائلة آل خليفة الحاكمة. والملاحظ في هذه الحالات الصمت المطبق من قبل علماء الاسلام في البلدان الاخرى، فكأن الامر لا يعنيهم، مع العلم ان معاول الهدم لا تستهدف البناء الطوبي فحسب، بل لاستفزاز المسلمين ودفع بعضهم لمواجهة الآخر. انه قرار سياسي بعنوان ديني هدفه الأساسي وقف قطار التغيير ومنعه من الوصول الى شبه الجزيرة العربية. فاثارة المسلمين وإشغالهم بحروب داخلية يضعف الامة ويمنع شعوبها من الانطلاق في مشاريع التغيير السياسي الهادفة لاقامة منظومة حكم ديمقراطية. فكأن منهج التكفير واستهداف المساجد والاضرحة، يهدف لتحييد قطاع واسع من المسلمين عن النضال السياسي او ادخالهم في اتون حروب داخلية لا تفضي الى شيء.
في الاسبوع الماضي فام مسلحون في سورية بتدمير قبر الصحابي الجليل حجر بن عدي وحطموا ضريحه ونبشوا القبر واستخرجوا الجثة ونقلوها الى مكان غير معلوم. وبعد يومين قام آخرون بحرق قبر الصحابي جعفر الطيار، احد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي محمد عليه افضل الصلاة والسلام لقيادة غزوة مؤتة. وفي إثر ذلك عم الغضب مناطق شتى شعر اهلها بالظلامة وغياب اجواء الحرية والممارسة الدينية. فكيف يمكن ان تطال ايدي العابثين والارهابيين مثل هذه الاماكن التي تحظى بقداسة خاصة واحترام متميز، فصحابة رسول الله لهم منزلة خاصة في قلوب المسلمين، واذا كان البعض يعتبر نقد حياتهم امرا لا يليق بالمسلمين، فكيف تنبش قبورهم وتهدم مساجدهم؟
هذا مع العلم ان الدراسة الموضوعية للاشخاص والزعماء والقادة امر طبيعي ومطلوب للاستفادة من حياتهم وتجاربهم ووضع اليد على مواقع الضعف في ادائهم، خصوصا. اما الاعتداء على قبورهم ونبش بقايا اجسادهم فلا يمكن وصفه الا انه عدوان غير اخلاقي لا يمكن تبريره. وهنا تطرح قضية المقدسات الاسلامية وموقعها في نفوس عامة المسلمين. فمثلا للكعبة مكانة خاصة في نفوسهم، اليها يحجون وعندها يجتمعون طوال العام خصوصا في موسم الحج، ولذلك تحظى بقدر كبير من القداسة في نفوسهم. ولا يمكن توفير الاجواء الروحية خلال موسم الحج الا بفتح آثار الماضي لحجاج بيت الله الحرام، وليس هدمها او ازالتها. فذلك يقطع خيوط التواصل مع الماضي ويضعف خيوط الانتماء. كما انه يتنافى مع مصطلح ‘السلف’ وما يعنيه من استحضار الماضي لتوفير ارشاد ديني يقترب تدريجيا من الحقبة النبوية، ويوفر اسباب فهم ظروف التشريع خصوصا السنة النبوية الشريف.
الحجاج الذين يرون باعينهم ما تتعرض له الاراضي المقدسة، سواء في الحجاز ام فلسطين ام العراق، من هدم متعمد وإزالة متواصلة للآثار التاريخية التي ترتبط بتاريخ المسلمين، او ما تواجهه من تهميش بسبب مشاريع الاعمار التي تقام في المناطق المحاذية لها لا يعدو كونه استهدافا للروح الاسلامية التي تعتز بتاريخها العظيم. وبرغم الدعاية الواسعة لمشروع برج الساعة العملاق الذي يرى على بعد اكثر من 20 كيلومترا، الا انه من الامور التي تعتبر تدميرا حقيقيا للكعبة وقداستها، وإضعافا للقيمة المعنوية لمكان استمد قيمته من موقعه الديني وانشداد الناس اليه، ومن تاريخه المرتبط بولادة الاسلام.
يضاف الى ذلك محاولات تهميش دور الآثار في ربط الحاضر بالماضي وتعميق الشعور بالانتماء. وعندما أثيرت الاسبوع الماضي ضجة كبرى ضد وزير الاوقاف الاردني لانه دعا لترويج ‘السياحة الدينية’ باعادة تأهيل ضريح الصحابي الجليل جعفر الطيار (ذو الجناحين) لاستقبال الزوار والسياح خصوصا من ايران والعراق، كان واضحا ان قوى الثورة المضادة لن تتوقف عند اي من الحدود، وستعارض كافة وسائل التواصل بين المسلمين، سواء في ما بينهم بشكل فعلي او مع تاريخهم الذي يحتوي الكثير من العبر. بينما يتم بدرجة كبيرة غض الطرف عن سياسات تهويد القدس على ايدي المحتلين الصهاينة، برغم الخطر الشديد المحدق بالحرم القدسي نتيجة الحفريات التي يقوم بها الصهاينة لاغراض دينية. وهنا تتضاعف مسؤولية علماء الدين، خصوصا في المراكز الدينية مثل القاهرة لرفع الصوت عاليا ضد اية محاولة لاضعاف السياحة الدينية او تدمير الآثار الاسلامية. مطلوب بشكل عاجل رفع الاصوات ضد تدمير آثار المسلمين. مطلوب من العلماء تعميق الشعور بالانتماء الديني والحضاري لامة ساهمت في تنمية الجنس البشري، وكان عطاؤها المعماري من اروع المساهمات الانسانية لدفع الركب البشري نحو السمو والتطور. فان لاذ العلماء بالصمت، فلن يبقى شيء من آثار ‘السلف الصالح’.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية