استهلاك القضايا العادلة و«البروفايل الأخلاقي» للناشطين

يظهر، في وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الأساسية في أيامنا، أسلوب جديد للالتزام السياسي، فسواء تعلّق الأمر بحملات مثل «حياة السود مهمة» التي حشدت تأييداً عالمياً، خاصة بعد مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد؛ أو القضايا النسوية، مثل وسمmetoo #؛ أو حتى التعاطف الواسع مع القضية الفلسطينية، عقب أحداث حي الشيخ جراح في القدس، والحرب الإسرائيلية على غزة، تنطلق موجات كبيرة من التضامن، تبدأ بحملات منظّمة على مواقع التواصل، وصولاً إلى المشاهير ونجوم الثقافة الشعبية، لتعود من جديد لتصبح الرأي المشروع والقويم، بين كثير من المستخدمين العاديين للشبكات الإلكترونية، وليس فقط الناشطين.
تتسم هذه الحملات عموماً بعدة سمات: أولها أنها تتمتع بكثير من الوضوح والصفاء الأخلاقي، وبلا أسئلة أو تعقيدات كبيرة، ما يجعل تأييدها موقفاً بديهياً وسهلاً؛ وثانيها أنها تعبّر عن التيار الأيديولوجي الأساسي، في الدول الأكثر تأثيراً من الناحية الثقافية؛ وثالثها أنه رغم كل الجدل، الذي قد تثيره، فإن تبنيها يُكسب نقاطاً أخلاقية واجتماعية، ولا يكبّد غالباً أي خسائر؛ ومن الملحوظ أيضاً عدم وجود خلافات ووجهات نظر متعددة بين مناصري تلك الحملات، بل غالباً ما يجمعون على رأي واحد شديد التحديد، وكأنه يتم تعليم البشر القضايا، وليس الدعوة إليها أو نقاشها.
وعلى الرغم من أنه لا يمكن التشكيك بأحقية معظم القضايا الرائجة، خاصة عندما يتعلّق الأمر بمواجهة العنصرية والذكورية والانتهاكات الإسرائيلية، إلا أن سهولة استهلاكها تثير أسئلة عديدة، فغالباً ما كان تأييد القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة أكثر صعوبة، ومليئاً بالخلافات والانقسامات بين القوى، التي تناصر القضية ذاتها، دعك من التضحيات، التي كان جمهور أي قضية يضطر لتقديمها على مختلف المستويات. وإذا كانت الجهات المنتجة للأيديولوجيا قد عملت دائماً على تكوين كوادر دعائية من الأنصار المخلصين، الذين يحاولون نشر قضاياهم، والمحاججة فيها، إلا أن القضايا السائدة المعاصرة لا تحتاج الجهد نفسه، فهي قابلة للاستنساخ ذاتياً من قبل أفراد غير مسيسين، ما يجعلها أقرب لطقس اجتماعي عام، وأشبه بممارسة احتفالية ودينية، من كونها فعلاً سياسياً واعياً.
الأسئلة الأكثر إلحاحاً في هذا السياق، تتعلق إذن بالطبيعة السياسية لهذه الحملات، ونمط الذاتية التي تفترضها: لماذا تبدو المسائل العامة اليوم منزوعة الإشكالية، ومفتقرة للتعريف الأبسط للسياسة: النزاع أو الجدل في حيّز عام، للاختيار بين بدائل فعلية؟ وكيف أصبح تأييد قضايا معينة أشبه بنمط حياة lifestyle، يتعلّق بتأكيد الذات الفردية، أكثر من المشاركة في تداول طروحات بين ذاتية، أو تتطلب التخلي عن جانب من نرجسية الذات الفردية؟

الأخلاق بدل السياسة

يبدو استهلاك قضايا غير إشكالية ومنزوعة الجدل سلوكاً أخلاقياًMoral behavior أكثر من كونة فعلاً إيتقياً Ethical act، أي أنه يقوم على اتباع قواعد أخلاقية واضحة، محددة سلفاً من سلطة اجتماعية مهيمنة، وليس ممارسة قائمة على مساءلة طبيعة الأحكام الأخلاقية السائدة، واتخاذ قرار واعٍ تجاهها، بكل ما يؤدي إليه هذا القرار من نتائج. من المتعذّر أن يكون السلوك الأخلاقي سياسياً، لأنه قائم على أعراف اجتماعية شبه مستقرة، لا يجوز التنازع عليها، وإنما يجب إعادة إنتاجها في الحياة اليومية، لنيل نمط من القبول الاجتماعي؛ فيما يكون الفعل الإيتيقي أقرب لعوالم السياسة، لأنه يقوم على نقد وتحليل، وبحث أصول كل منظومة أخلاق، ما يتيح نشأة طروحات أخلاقية متعددة، والجدل بينها. إلا أن السلوك الأخلاقي المعاصر، المرتبط بتأييد «القضايا العادلة» يختلف عن الأخلاق التقليدية، كونه غير متجه للاندماج بجماعة ما، سواء كانت عضوية أو تعاقدية، إذ لا يمكن رصد رابطة اجتماعية متماسكة، مثل طائفة أو قبيلة أو منطقة، أو حتى نقابة وحزب سياسي، يتمتع الأفراد، من خلال التزامهم الأخلاقي، بما توفره من رعاية وحميمية وحماية، بل يبدو الأفراد حالياً منهمكين بتكوين «بروفايل أخلاقي» أي ملف شخصي، يُبرزُ بشكل استعراضي سيرة ذاتية، ملتزمة بما يُعتبر حقاً وخُلقاً، ضمن فضاء افتراضي وإعلامي غير متعيّن مكانياً.

ربما يكون الفعل الإيتيقي – السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق تغيير ما في الأوضاع القائمة، لكنه يطرح أسئلة أكثر صعوبة، حول طريقة تجسيد المبادئ في المجال العام، والمناورات والتنازلات، التي يضطر المرء لتقديمها، في سبيل ذلك، وكذلك التناقضات الموجودة حتماً في كل موقف أخلاقي دنيوي.

ليس المقصود هنا أن الموقف الأخلاقي المعاصر ينبع من دوافع انتهازية محضة، إنما محاولة لملاحظة تغيّر أساليب إبداء السلوك الأخلاقي، بين الفئات الأقرب لنمط التحديث المعاصر، الذي يصفه كثير من علماء الاجتماع بـ»الحداثة التقهقرية» regressive Moderne، فلا يمكن نيل القبول، في وسط تم تفكيك معظم روابطه الاجتماعية، إلا من خلال كثير من الاستعراض الأخلاقي، الذي يمكن تسويقه في مؤسسات، لم تعد تلعب دوراً بتأهيل البشر للفعل في منظومة سياسية، بقدر ما تقوم بـ»تمكينهم» بناءً على بروفايلاتهم وسيرهم الذاتية.
لا يمكن فصل السياسة بالتأكيد عن الأخلاق أو الدين أو الهوية، أو أي منظومة اجتماعية أولية أخرى، إلا أن السياسة، باعتبارها نظاماً اجتماعياً مستقلاً، تترجم العناصر، التي تأتيها من المنظومات الأخرى، إلى رموزها وأسئلتها وإشكالياتها، وسؤال السياسة الأساسي هو السلطة، أي كيف يمكن نصرة مبادئنا الأخلاقية، أو هويتنا، أو مصالحنا، في إطار النزاع الاجتماعي؛ أو بمنظور أكثر ليبرالية، الأسلوب الأمثل لتشكيل إجماع، عبر التوصّل إلى حلول وسط بين القوى الاجتماعية المختلفة، ضمن مؤسسات سياسية مستقرّة، ولذلك فإن سؤال نظام الأخلاق، وهو الصواب أو الحق، لا ينفع للممارسة السياسية، لأن هذه الممارسة لا تنشد الصواب، بقدر ما تحاول فرض إرادة مجموعة معينة، أو التفاوض عليها.
الضغط غير المباشر على البشر في عصرنا، كي يعلنوا صوابيتهم دوماً، يحرمهم من قدرتهم السياسية، إذ أن الصواب لا يترك مجالاً لإرادات مختلفة، بل يعيّن إرادة واحدة فقط. من يجرؤ على تحدي الحق والخُلق؟ ولذلك فإن إبداء وجهات نظر مخالفة، مهدد دائماً بالنبذ، ليس النبذ السياسي المتعارف عليه، بل الحرمان من الأهلية الاجتماعية نفسها: من يخالف الإجماع جاهل أو عنصري أو شرير، باختصار ملوّث أخلاقياً، ومكلل بالعار.

الانهمام بالتسليع

سبق لميشيل فوكو الحديث عن سؤال إيتيقي أساسي وهو «الاهتمام بالذات» أي الجهد الذي يجب أن يبذله الفرد ليصل إلى المتعة أو الطهارة أو الانتماء للمجموعة، إلا أن الجو الأخلاقي السائد لا يتيح مجالاً لأسئلة كثيرة، رغم كل الحديث عن الفردانية والذاتوية في عصرنا، فمعظم الموجات الأخلاقية تبدو محددة بوضوح وبشكل مسبق، ما يجعل المشاركة فيها أقرب للانتماء لحشد سلبي مميّع، من كونها إبرازاً لفرادة معينة.
يبدو الشرط الحالي أقرب لـ»تسليع الذات» بدلاً من الاهتمام بها، ففي ظرف تصبح فيه المهارات التواصلية والعاطفية جانباً من قوة عمل الفرد، التي يسعى لبيعها في اقتصاديات، معتمدة في جانب مهم منها على الإنتاج غير المادي، تصبح الذات الفردية بأكملها سلعةً للبيع، وليست جزءاً محدوداً منها، مثل القوة العضلية أو المهارات الذهنية، ويمتد هذا التسليع للملكيات الشخصية البسيطة، التي لم تكن سابقاً مجالاً للاستثمار، مثل السيارات الخاصة أو المنازل العائلية، التي صار يمكن عرض تأجيرها للآخرين، عبر تطبيقات مثل Uber و Airbnb، وبالتالي كل ما يتعلّق بالذات، مهما كان حميمياً أو شخصياً، أمسى قابلاً للتسليع والعرض، وبالتأكيد فإن الالتزام بالأيديولوجيا السائدة يمنح فرصاً تسويقية أكبر. يفضّل أرباب العمل، ومستأجرو السيارات والمنازل، وحتى الشركاء على تطبيقات المواعدة، الأشخاص «النظيفين» ذوي البروفايل الأخلاقي الجيد، الذي يمكن أن ينال تقييمات ذات خمسة نجوم.

التغيير بالسياسة

إلا أن خوض القضايا العادلة بهذا الأسلوب الأخلاقي – التسليعي ليس الطريقة الأمثل لنصرتها. تحقق الحملات الأخلاقية تعاطفاً وانتشاراً واسعاً، ثم تخمد عادةً دون تغيير حقيقي في الأوضاع القائمة، وسيبقى السود يموتون تحت أقدام الشرطة؛ والنساء يتعرّضن لتحرشات أرباب العمل، «التقدميين» هذه المرة؛ والفلسطينيون يطردون من بيوتهم، ويعانون من ممارسات الاحتلال، ولا تحقق الحملات إلا وظيفة الغسيل الأخلاقي للمؤسسات القائمة، وإعطائها طابعاً «تقدمياً» فحتى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية باتت اليوم تنشر مواد دعائية، تؤكد على سعيها لتمكين النساء والأقليات في نشاطاتها، التي يصعب حقاً الوثوق بمدى أخلاقيتها.
ربما يكون الفعل الإيتيقي – السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق تغيير ما في الأوضاع القائمة، لكنه يطرح أسئلة أكثر صعوبة، حول طريقة تجسيد المبادئ في المجال العام، والمناورات والتنازلات، التي يضطر المرء لتقديمها، في سبيل ذلك، وكذلك التناقضات الموجودة حتماً في كل موقف أخلاقي دنيوي. والأهم من هذا أن السياسة تتطلب تجاوزاً للذوات المسجونة في فردانيتها، وصولاً إلى فعل جماعي، قد لا يكون «نظيفاً» أو سهلاً أو بلا أثمان، لكنه بالتأكيد قادر على تغيير شيء ما. يبقى السؤال إذن عن إمكانيات بناء فعل سياسي في الشرط الحالي، وهو من أكثر الأسئلة المعاصرة صعوبةً.

باحث سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية