شموئيل هولندر في العام 1972 عقد في بئر السبع مؤتمر دعي اليه كل ضباط قيادة المنطقة الجنوبية. الخطيب المركزي كان وزير الدفاع، موشيه دايان رحمه الله. وقال ضمن امور اخرى: ‘اذا تجرأ المصريون على اجتياز القناة سنكنسهم بسهولة في غضون بضع ساعات’. كنت في حينه ضابطا شابا في الجيش الاسرائيلي. جلست منفعلا في القاعة واستمعت لاقوال من كان يعتبر في تلك الفترة اسطورة، ولم اشكك حتى ولو للحظة بصحة اقواله. بعد سنة من ذاك الخطاب اندلعت حرب يوم الغفران. الجيش الاسرائيلي لم ‘يكنس’ بسهولة الجيش المصري المهاجم. الصدمة التي اجتازها ابناء جيلنا لن تنسى حتى آخر يوم في حياتنا. ‘المفهوم’ الشهير الذي ساد بعد حرب الايام الستة انهار في غضون ساعات وقضى على حياة نحو 2.300 جندي. في ليل 19/11/1977 جلست مثل كل شعب اسرائيل متأثرا ومنفعلا أمام التلفزيون وشاهدت الرئيس المصري، انور السادات، ينزل على درج الطائرة ويصل في زيارته التاريخية الى القدس. العدو الاكبر، المبادر لتلك الحرب الفظيعة، اصبح صديقا. بعد نحو سنة من الزيارة وقع اتفاق السلام. ‘ذخر استراتيجي’، كما سمي على مدى السنين منذ أن وقع. هذا الذخر آخذ في الانهيار هذه الايام امام ناظرينا، مثلما انهار السور الذي بني لحماية سفارتنا في القاهرة على أيدي الرعاع المصريين الذين هاجموه بنوبة غضب. بعد اتفاق اوسلو تسنى لي ان ارافق، بصفتي سكرتير الحكومة، الزيارات الرسمية لرئيسي الوزراء اسحق رابين وشمعون بيريس الى عدة دول، بما في ذلك دول عربية واسلامية. لا توجد كلمات لوصف الحميمية والحماسة اللتين استقبلنا بهما. عصر جديد حل. ولكن لم يمر وقت طويل، حتى انغمرت مدن اسرائيل بالدم. في مقابر البلاد تنتشر الاف الشواهد ‘لضحايا السلام’. ياسر عرفات رفض الاقتراحات السخية لرئيس الوزراء ايهود باراك في كامب ديفيد في العام 2000 وفضل طريق الارهاب. خلفه ابو مازن الذي رفض العروض السخية لايهود اولمرت وتسيبي ليفني في الحكومة السابقة. اما اليوم فهو غير مستعد على الاطلاق للعودة الى طاولة المفاوضات. رغم الرغبة الثابتة لاسرائيل في السلام فانها آخذة في التحول الى دولة منعزلة ومنبوذة. مفهوم آخر انهار الى شظايا بالدم والنار واعمدة الدخان. في الماضي كان لاسرائيل ذخر استراتيجي هام علاقات ود وتعاون وثيق مع ايران الشاه. هذا الذخر الاستراتيجي انهار هو ايضا مع صعود الخميني وخلفائه الى الحكم في العام 1979. ومن ذخر استراتيجي تحولت ايران الى تهديد وجودي على اسرائيل. وكيف لا يمكن ذكر ذخر استراتيجي هام آخر العلاقات الخاصة مع تركيا. هذا الذخر ايضا انهار، حتى قبل قضية مرمرة، ولم نتحدث بعد عن اتفاق السلام مع الاردن، الذخر الاستراتيجي الاخر الذي يلف مستقبله الضباب. ‘المفاهيم’ و ‘الذخر الاستراتيجي’ هي مؤقتة بطبيعتها، متغيرة، متعلقة بشعرة وفي النهاية تنهار بهذا الشكل او ذاك. لشعب اسرائيل تاريخ يعود الى نحو 3.300 سنة. في هذه الفترة الطويلة كان هناك صعود وهبوط، فترات ارتفاع وفترات انخفاض. اوقات سلام واوقات حرب. ايام هدوء وايام اضطراب شديد. حتى عندما جلسنا على اراضينا وكذلك عندما كنا في المنفى، على مدى الاجيال كان لنا الكثير من المفاهيم وكذلك الكثير من الذخر الاستراتيجي، كلها انهارت خلال التاريخ. كان نبي سياسي قديم يدعى بلعم بن بعور هو الذي تنبأ لشعب اسرائيل بالنبوءة المصيرية: ‘شعب يسكن لوحده وبالاغيار يا يأبه’. قوة الكلمات جميلة اليوم ايضا. لا مجال لجلد الذات، لسنا مذنبين في كل شيء، ليس كل شيء بأيدينا، ولشدة الاسف، بقينا شعبا يسكن لوحده. ‘ رئيس ديوان الموظفين سابقامعاريف 22/9/2011