ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’ يصل الرئيس الامريكي باراك اوباما الى اسرائيل في اول زيارة خارجية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية لولاية ثانية، وينظر الى الزيارة على انها خاطفة وسياحية ولا تحمل الكثير من الوعود على ملف التسوية السلمية، فهي تتزامن مع اداء الحكومة الاسرائيلية الجديدة القسم، حيث ولدت بعد اربعين يوما من المشاورات وضمت احزابا يمينية ويمين الوسط، ولا تصلح الحكومة بحسب صحيفة ‘الغارديان’ للتعامل مع ملف التسوية او الاستيطان، مع انها جيدة لحل المشاكل الداخلية في البلاد.ولعل التوقعات من زيارة اوباما هي الاقل مقارنة مع زيارة اي رئيس امريكي قبله، ومع ذلك فالزيارة لن تخلو من مناقشة ملفات مهمة وعلى رأسها ملف ايران وسورية. وفي الفهم الاسرائيلي فالملفان مترابطان لعلاقتهما بحزب الله وسيستخدم الاسرائيليون الزيارة لاقناع الولايات المتحدة بالقيام بغارات جوية على سورية حالة ظهور ادلة عن محاولات لنقل صواريخها الى حزب الله او اعطاء تل ابيب الضوء الاخضر لتوجيه ضربات عسكرية. كما سيتعرض اوباما لضغوط لخفض سقف العمل العسكري ضد ايران ومشروعها النووي فيما سيحاول اوباما الحصول من اسرائيل على التزام باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، ومن المتوقع ان لا يتفق الطرفان حول الفلسطينيين وايران ولكنهما سيجدان ارضية مشتركة فيما يتعلق بسورية.وفي الوقت الذي اكدت فيه ادارة اوباما على انها لن تتدخل في سورية الا من اجل وقف بشار الاسد استخدام السلاح الكيماوي او لمنع وقوع هذا السلاح في ايدي الجماعات الارهابية الا ان المسؤولين الاسرائيليين يقولون انهم تركوا وحدهم لمواجهة انتشار الترسانة السورية من الصواريخ المضادة للطائرات والسفن الحربية.وكانت المقاتلات الاسرائيلية قد اغارت على قافلة عسكرية قالت انها كانت محملة بصواريخ روسية الصنع في طريقها من سورية الى حزب الله في لبنان وذلك في نهاية شهر كانون الثاني (يناير).وهددت اسرائيل بتكرار الغارات. ونقلت الصحيفة عن مسؤول اسرائيلي قوله ‘ ربما كان من الافضل لو لم تقم اسرائيل بغارات ولكن اذا لم تقم اسرائيل بالمهم فمن سيقوم’.واضاف ان الصواريخ السورية لا تعتبر مشكلة لاسرائيل، لانها تحتوي على كمية كبيرة من الصواريخ المضادة للسفن الحربية مضيفا من ‘لديه اكبر اسطول حربي في البحر المتوسط؟’ في اشارة الى الولايات المتحدة. ومع ذلك فالمسؤولون الاسرائيليون يعترفون انهم لن يستطيعوا اقناع واشنطن للتدخل عسكريا الا في حالة ظهور تهديد نابع من الترسانة الكيماوية السورية. وما يرغبه الاسرائيليون هو الاستفادة من اللقاء الثنائي بين اوباما ونتنياهو مساء الاربعاء من اجل الحصول على دعم امريكي لاي ضربة استباقية تقوم بها اسرائيل ضد سورية او حزب الله، حتى لو ادت الى مواجهات حدودية مع لبنان، خاصة ان الحرب اصبحت محتومة فقد نقل عن دبلوماسي غربي قوله ‘ما اسمعه مرارا وتكرارا من الجنرالات الاسرائيليين هو ان حربا ثانية مع حزب الله قريبة’، مشيرا الى ان المنظمة اللبنانية بحوزتها حوالي 60 الف صاروخ مخبأة في جنوب لبنان.وقال الدبلوماسي ان ايا من الطرفين لن يستفيد من هذه الحرب حالة اندلاعها. ويعترف مكتب رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو انه لن يستطيع الحصول على دعم امريكي فيما يتعلق بايران ولكنه سيحصل على دعم في سورية.اللاجئون في لبنان مرة اخرى ويصل اوباما المنطقة ولا يزال الجدل حول مآلات الازمة السورية قائم وكذا التكهنات عن كيفية نهاية الاسد او بقائه في السلطة، فلم تتوقف الصحافة الاسرائيلية عن لعبة التكهنات التي تتحدث عن خيار يصمد فيه الاسد بمساعدة ايران وروسيا مما يعني هزيمة معسكر تركيا السعودية وقطر.وهناك خيار يشير الى هروبه من سورية الى ايران او جنوب افريقيا، او انسحابه الى مناطق العلويين، واخر يتحدث عن استمرار حرب لاغالب فيها لا مغلوب، او تفكك سورية الى مناطق نفوذ يحصل فيها الجهاديون على الحصة الكبرى. كل هذا لا يمنع استمرار هروب السوريين الى دول الجوار، وفي الايام الاخيرة يجري اهتمام بالحديث عن اثر السوريين على لبنان، الدولة والمجتمع وفي هذا السياق من جانب اخر، تحدثت صحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ عن مواقف اللبنانيين من استمرار تدفق اللاجئين السوريين. ولاحظ تقرير الصحيفة من طرابلس في شمال لبنان مخاوف بعض الناس من السوريين الذين بدأوا يلقون باللائمة عليهم من ناحية تناقص فرص العمل وانخفاض الاجور اليومية ويقرن مع هذا زيادة في اجور البيوت واسعار الاحتياجات اليومية.والاراء التي نقلها التقرير من حي باب التبانة الذي جرت بينه وبين اهالي جبل محسن العلويين اشتباكات في العام الماضي. ونقلت عن مواطن في الحي قوله ان السوريين في كل مكان ويأخذون الاعمال المتوفرة.ويقول ان ملامح الغضب التي ينفسها من تحدثت اليه هي تعبير عن حالة من عدم الارتياح في لبنان من السوريين الذين ينظر اليهم كعامل يؤثر على استقرار البلاد، حيث يصل يوميا حوالي الف لاجىء.ويقدر عدد السوريين الذين هربوا من الحرب خلال العامين الماضيين الى لبنان بحوالي 400 الف حيث انضموا للاعداد الكبيرة من السوريين الذين يقيمون فيه. وعلى خلاف تركيا والاردن لا يقيم السوريون في مخيمات خاصة بهم، خشية ان تكون مركزا لتهريب السلاح والمقاتلين الى داخل سورية، ولان لبنان لا يريد تكرار تجربة المخيمات الفلسطينية التي اسهمت حسب قول الصحيفة بتفجير الحرب الاهلية اللبنانية 1975-1990.وبسبب هذا يتوزع السوريون على القرى والبلدات ويعملون في العاصمة كباعة متجولين، وطباخين وفي اعمال تصليح السيارات وغيرها من الاعمال اليدوية مما يجعلهم عرضة للاستغلال حيث تقول منظمات حقوق انسان ان ارباب العمل اللبنانيين يدفعون لعاملين او ثلاثة عمال سوريين ما يقابل اجر عامل لبناني واحد.وبالاضافة لذلك يواجه اللاجئون مشاكل اخرى لها علاقة بتلاعب اصحاب البيوت بالاجور. ولان معظم اللاجئين هم من الفقراء فانهم يتجمعون في الاحياء الشعبية مثل باب التبانة حيث يشير التقرير الى ما اسماه ‘سورية الصغيرة’ حيث يجد القادمون الجدد مسلحين يحملون كلاشينكوفات ومحلات تبيع الطعام السوري. ومع ان اهل طرابلس السنة متعاطفون مع الازمة السورية الا ان تأثير اللاجئين على الاوضاع الاقتصادية ادى لتغير النبرة من ترحيب الى نقمة، حيث تقوم شلل من الشباب اللبناني المحبطين بشتم وسب الباعة المتجولين السوريين الذين يتحملون الاهانة لان العودة الى سورية وهي في حالة حرب ليست خيارا.الانسان والاثارفي ضوء استمرار الحرب السورية يتساءل روبرت فيسك ماذا تساوي حياة طفل امام الاثار التاريخية السورية؟حيث قال ان اي تفكير حول الكارثة المعمارية السورية يجب ان يشمل هذا السؤال. فمن ينظر الى الازمة من زاوية انسانية سيقول ان حياة الطفل تساوي كل اعمدة تدمر ومساجد دمشق. في اتجاه اخر قد يقول المؤرخ صاحب القلب القاسي انه يمكننا التضحية بالطفل للحفاظ على التراث لاطفال المستقبل. وفي موقف ثالث ومختلف، فقد يقول الرجل البراغماتي ان علينا الحفاظ على الطفل والتراث. لكن ويا الاسف فكلاهما يقتل في سورية اليوم. ويضيف فيسك في مقال له بصحيفة ‘اندبندنت’ ان الحروق التي اصابت المسجد الاموي في حلب وحرق السوق القديم فيها ودمار المدن الميتة او المنسية في شمال سورية والتي عادت اليها الحياة بعد لجوء الاف المشردين اليها هي ضحايا الحرب على الاثار في سورية.وينقل ما كتبته ايما كانليف المحاضرة بجامعة درام البريطانية في العدد الاخير من مجلة ‘الاثار البريطانية’ حيث قالت انه اذا قتل ما بين 60-70 الفا وغمرت الثلوج مخيمات اللاجئين، وانقطع الغاز والكهرباء في المدن ‘فماذا يعني موت التراث الاثاري امام هذا الخراب المأساوي؟’ ويقول فيسك ان كانليف التي تقوم بمراقبة الضرر الذي يصيب الاثار التاريخية في المنطقة العربية اصدرت بحثا عن اثر الحرب على الاثار في سورية والقت فيه اللوم على طرفي النزاع: الحكومة والمقاتلين. ومع ان الدمار هنا لا يمكن مقارنته بما حل على اثار العراق في مرحلة ما بعد الغزو عام 2003 الا ان وجود شبكة من المهربين ومصادرة الاف من القطع الاثارية على الحدود السورية والتي تشمل فخاريات وقطعا نقدية قديمة وقطع فسيفساء، وتماثيل ومنحوتات وزجاجيات تقترح ان عملية نهب الاثار السورية تتم على قاعدة واسعة. وتقدر كانليف قيمة المتاجرة بالاثار السورية بحوالي 1.25 مليار جنيه استرليني. كنيسة ام الزناروفي الوقت الذي يتاجر فيه المقاتلون بالاثار تقوم دبابات ورصاص الجيش السوري بتدمير الطرق الرومانية القديمة فيما يهدم القصف المدفعي معالم اثرية وتاريخية ودينية مهمة كما في حالة كنيسة ام الزنار (كاتدرائية السيدة العذراء) في مدينة حمص التي تحولت الان الى انقاض، قتل المصلون، وسكتت الترانيم الارامية فيها.وتعتبر الكاتدرائية من اقدم كنائس العالم حيث تعود الى 59 بعد الميلاد، وكانت تحتوي على زنار يعود لمريم العذراء كما يقال. ويقول فيسك انه منذ ان بدأت صحيفة ‘اندبندنت اون صندي’ حملة تعريف بالدمار الذي حل على التراث السوري استخدم طرفا النزاع الموضوع لخدمة قضيتهم، فقادة الجيش الحر تعهدوا بمنع نهب المواقع الاثرية، حيث يعلق فيسك ان هذا كلام مشكوك فيه لان السوق الاردنية مليئة بالقطع الاثرية السورية من فسيفساء ومنحوتات وقطع عملة، ومع ذلك فقد استخدم الجيش الحر آثار تدمر في افلامه التي يضعها على ‘يوتيوب’.وفي المقابل دعا وزير الآثار في الحكومة السورية البروفسور مأمون عبد الكريم كل السوريين لحماية آثار البلاد ايا كان موقفهم من الاسد حيث اكد ان حمايتها مسؤولية كل فرد. وفي الوقت الذي اعترف فيه بالضرر الذي حل على المواقع الاثرية الرومانية في شمال البلاد الا انه اثنى على سكان القرى الذين طردوا ناهبي الاثار والباحثين عن الثروات. ويعلق فيسك على ما قاله عبدالكريم من ان القوات الحكومية قامت بمصادرة 400 قطعة اثرية مكونة من مسابح وعملات قديمة وتماثيل ولوحات فسيفسائية وتبين ان بعضها مزيف، فمن اين جاءت؟ ومن زيفها؟ كما قال الوزير ان الكم الاكبر من الاثار السورية آمنة، وان كان هذا صحيحا فلماذا يتدفق المشردون في داخل سوري عليها ويقيمون فيها.وكدليل على تناقض كلام الوزير يشير فيسك الى ما حل بدير الزور التي اصبحت مدينة مهجورة ومعظمها واقع تحت سيطرة المقاتلين وقد عانت اثارها الكثير على يد اللصوص الذين اعتدوا على الاكروبوليس في ايبلا. وينقل عن باحث اثاري لبناني معروف قوله ان تجار الاثار ولصوصها يتعاملون الان مع نفس الشبكة التي سرقت وهربت الاثار العراقية. مضيفا ان طلبا دوليا على اثار سورية حيث يطلب المهتمون بشرائها من المهربين استخدام نفس الطرق التي استخدموها في العراق لسرقة اثار سورية. وكانت صحيفة ‘واشنطن بوست’ قد اشارت الى حجم التجارة وطرق نقلها وتعامل المقاتلين معها حيث نقلت عن بعضهم انها وسيلة لتمويل العمليات ضد قوات الحكومة فقد نقلت عن مقاتل قوله ‘في بعض الايام نحن مقاتلون وفي ايام اخرى ننقب عن الاثار’.qarqpt