اسرائيل تعترف بهزيمتها في غزة

حجم الخط
46

قالت استطلاعات اسرائيلية للرأي العام بخصوص نتائج العدوان على غزة ان اربعة واربعين في المئة من الاسرائيليين يعتقدون بأن اسرائيل لم تنتصر، مقابل اثنين واربعين بالمئة يعتبرون انها انتصرت، وان نحو ثمانية وثلاثين في المئة يعتبرون ان الاوضاع الامنية بقيت كما هي بعد الحرب، فيما اعتبر سبعة وعشرون بالمئة انها ازدادت تدهورا.
هذه استطلاعات تقول بوضوح ان اسرائيل تعترف عمليا بهزيمتها بغض النظر عن التصريحات الكاذبة والمنمقة التي تصدر عن مجلس الوزراء للتغطية على الفضيحة العسكرية – الاخلاقية . استطلاعات اجرتها مؤسسات اسرائيلية لا تخفي تحيزها ضد الفلسطينيين، والأهم انها جرت تحت «قصف اعلامي» مكثف للجمهور الاسرائيلي فيما يشبه عملية «غسيل دماغ» صورت له «اوهاما» عديدة بدأت بالقضاء على الصواريخ والانفاق وانتهت بنزع سلاح المقاومة. والمثير للانتباه ان اسرائيل اعلنت عن الانتهاء من «تدمير الانفاق» في اللحظة نفسها التي تمكن فيها الجانب المصري من التوصل لاتفاق مشترك على وقف النار مساء الاثنين.
الواقع ان اسرائيل كانت تبحث بشكل يائس عن وقف للنار، وانها وافقت على المقترح المصري دون مناقشته، رغم ان مجلسها الوزاري المصغر كان اعلن عقب انهيار هدنة السبت رفضه لاي تفاوض مع حماس وان «القاهرة لا تستطيع ان تتوسط وان الحرب مستمرة حتى القضاء على الانفاق»، لكن هذا الموقف تبدل تماما بعد نحو يومين فقط، عندما قبلت وقف النار بلا شروط، وأرسلت وفدها الى القاهرة للتفاوض.
وتشير كافة التوقعات الى ان وقف النار الحالي وليس «الهدنة» سيصمد حتى نهايته المقررة غدا، وانه قد يجري تمديده او تحويله الى وقف دائم للقتال بعد موافقة اسرائيل على رفع الحصار. واذا كانت المدافع هدأت على الجبهة، فان ثمة حربا سياسية بدأت تشتعل في اسرائيل، اذ بدأت «الذئاب الجائعة» في الساحة السياسية الاسرائيلية في الهجوم على نتنياهو «المهزوم»، والسعي نحو تشكيل «لجنة تحقيق شاملة» بهدف التوصل الى الأسباب التي أدت الى مقتل عشرات الجنود واصابة نحو الف آخرين في مواجهة «جماعات مسلحة» لايمكن ان يقارن تسليحها او ميزانيتها او مستوى تدريباتها ب»جيش الدفاع».
بل ان اسرائيل ستحتاج الى بعض الوقت لمجرد التعرف على الملامح الكاملة على مختلف الجبهات. فالجيش الذي اعلن انه بحاجة الى تشكيل «فرقة لحرب الانفاق»، يدرك في صمت ان عقيدته القائمة على الحرب الخاطفة والتباهي بقدرات لا تقهر انهارت تماما تحت ضربات المقاومة، وان القصف الذي استهدف العمق الاسرائيلي حتى الدقائق الاخيرة قبل بدء وقف النار، انما يؤكد كذلك انهيار جدار «الحصانة النفسية والتفوق النوعي» الذي طالما اختبأت اسرائيل خلفه لعقود، حتى ان احد المعلقين الاسرائيليين لم يستبعد ان «تكون صواريخ المقاومة محملة برؤوس كيماوية في المرة المقبلة». وحتى اذا كانت الصواريخ لم تسبب اضرارا كبيرة او مباشرة (يقول الاسرائيليون انها اوقعت ثلاثة قتلى من المدنيين) فان اثارها بقيت اكبر كثيرا مما تستطيع اسرائيل ان تتحمله.
وعلى المستوى الدولي اصبحت اسرائيل محل انتقادات علنية من بعض اقرب حلفائها مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا التي اعتبرت ان «حق الدفاع عن النفس لا يبرر المجازر بين المدنيين او قصف مدارس تابعة للامم المتحدة». ووصل التوتر مع واشنطن الى آفاق غير مسبوقة، حتى أن المكالمة الاخيرة بين نتنياهو وكيري انتهت باسلوب «مهين ولاعلاقة له بالدبلوماسية»، في تأكيد على تراجع دراماتيكي في نفوذ واشنطن في المنطقة، فيما نجح الفلسطينيون، رغم بعض الخلافات والاختلافات حتى بين بعض فصائل المقاومة بشأن الجهود السياسية لوقف النار، في التوصل الى ورقة مطالب مشتركة، وتشكيل وفد موحد توجه للقاهرة وهو يحظى بدعم واضح من الشعب الفلسطيني، وهو ما أدى الى تأييد مصري لكافة المطالب الفلسطينية.
اما على المستوى القانوني فان المسؤولين الاسرائيليين يشعرون بقلق بالغ من شبح الملاحقات القضائية بسبب ما ارتكبوه من جرائم حرب في غزة. وبقي ان تظهر السلطة الفلسطينية الجدية المطلوبة للتعامل مع هذا الملف انصافا لنحو اثني عشر الف فلسطيني وقعوا بين شهيد وجريح في هذه الحرب.
واخيرا فمن الواجب ان يكون هذا الانتصار نقطة تحول في مسار المفاوضات بل والنضال التاريخي للشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية ليست معبر رفح او كرم ابو سالم او غيره او مساعدات غذائية وطبية. ما يريده الفلسطينيون، وما ضحى الشهداء من اجله هو انهاء الاحتلال وحق العودة وتحرير القدس. ويجب ان تكون ورقة انتصار المقاومة حاضرة وبقوة في اي مفاوضات مستقبلية مع اسرائيل، بل يجب ان تجبرها على الرضوخ لشروط تسوية عادلة، والا فان «الجرف الصامد» الذي تبعثر في رمال غزة سيفتح الطريق امام انتفاضة شعبية، بانت بوادرها بعد طول انتظار، لا تبقي ولا تذر، وتجعل اسرائيل تندم حين لاينفع الندم.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية