اسرائيل تُدار من حزب أنتجه الدعائيون هو كديما وحزب العمل الذي خان نهجه ووعوده

حجم الخط
0

جوجا ساراماغو يصف في كتابه حول الفطنة دولة يقوم 80 في المائة من سكان العاصمة فيها بوضع ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع. هذه طريقة المجتمع للتعبير عن احتجاجه علي سلوك الحكام وفق إبداع الكاتب. الرسالة التي يحاول الكاتب البرتغالي الحائز علي جائزة نوبل للسلام اطلاقها هي رسالة انسانية عامة وملائمة للوضع الاسرائيلي ايضا في نهاية 2006 في اليوم الذي يتداعي فيه مركز حزب العمل للتصويت علي بقائه في حكومة اولمرت بعد انضمام افيغدور ليبرمان.

القرار المتوقع في مركز حزب العمل هو المصادقة علي استمراريته في الحكومة يحمل معه تعبيرا أكثر وضوحا من سابقاته – عن موت الايديولوجيا في الكينونة السياسية الاسرائيلية. اذا كان عمير بيرتس ويولي تامير قادرين علي البقاء مع افيغدور ليبرمان في حكومة واحدة، فذلك دليل علي عدم وجود أي مغزي للكلمات، ليس فقط لأن زعيم حزب العمل كان قد صرح في السابق بأنه لا يقبل الشراكة مع ليبرمان في ادارة شؤون الدولة، وانما ايضا لانه وحزبه قد أخذوا علي عاتقهم تمثيل فلسفة ورؤية ومزاج جماهيري معاكسين لما ينادي به الأب المؤسس لحزب اسرائيل بيتنا. في الوقت الذي يأتي فيه ليبرمان الي الناخبين بنهج جبروتي عنصري وتوسعي ومركزي يطرح حزب العمل علي الناس بديلا ليبراليا وانسانيا ومتسامحا.

اعضاء مركز حزب العمل مدعوون من قبل بيرتس ورفاقه في القيادة الي خيانة نهجهم السياسي والاجتماعي وتجاهل كل الوعود التي أطلقوها للناخبين والتخلي عن تصريحاتهم ونواياهم المعلنة. المطلوب من مركز حزب العمل ليس ضبط النفس تجاه انحراف واحد محدود وتكتيكي عن نظرية الحزب ونهجه، وانما ادارة الظهر للنظرية برمتها. الحزب الذي دعا الي المصالحة مع الشعب الفلسطيني والتقارب بين العرب واليهود في اسرائيل وايقاف الاحتلال وتكثيف الجهود الوطنية لتقليص الفجوات الاجتماعية، مُطالب الآن من قبل قادته بدعم البرنامج الذي ينادي بتصعيد المجابهة الاسرائيلية – العربية ويؤمن بالاملاءات العنيفة ويطالب بتحويل أهم موارد الدولة من اجل هذا الغرض.

التوقع هو أن اوفير بينيس والمجموعة الصغيرة من نواب حزب العمل التي انضمت اليه لا يملكون فرصة لاحباط توصية بيرتس وباقي الوزراء بالبقاء في الحكومة وقبول انضمام ليبرمان اليها. اولمرت عرف كيف يضغط علي الغدد الصحيحة وكيف يحرك بيرتس وافرايم سنيه واسحق هيرتسوغ وبنيامين بن اليعيزر ورفاقهم بهذه الطريقة، ودفعهم لقبول اسرائيل بيتنا في الحكومة وإضفاء الشرعية علي نهجه بهذه الطريقة.

هناك ديناميكية خاصة للنزعات المغامرة وقادة العمل يبرهنون من جديد علي قوة هذه الديناميكية: هم يدفعون ضريبة كلامية عن ترددهم وحيرتهم، ولكنهم يندفعون بصورة مؤكدة نحو خط النهاية الذي حدده رئيس الوزراء. هم لا يبدون أية أصالة في صياغة ذرائعهم: سنؤثر من الداخل. سنبرز التعارض بيننا وبين اليمين بصورة أوضح. سنوقف الاصبع الممدودة نحو الزناد. ايهود باراك ايضا، عندما كان رئيسا للوزراء، لم يرمش عندما وعد بنظام علماني، وعلي الفور شكل حكومة مع الاحزاب الاصولية، وشارون لم يتردد حتي في التراجع عن التزامه الذي قطعه للمستوطنين الاسرائيليين في غزة، واولمرت الآن لا يصفر وجهه عندما يتنازل عن خطة الانطواء. السياسيون الاسرائيليون لا يستوعبون العلاقة بين سخافتهم وبين الاستخفاف واللامبالاة المتفشية في اوساط الناخبين. هم أصيبوا بالصدمة عندما تبين أن نسبة التصويت في الانتخابات الأخيرة كانت 63.2 في المئة فقط (مقابل 80 في المائة خلال كل سنوات الدولة حتي 2001)، واشتكوا من الارتياب الذي يُعبر عنه الانخفاض في نسبة التصويت خلال السنوات الخمس الأخيرة. وهم لا يعرفون أن اللامبالاة التي يُلقون فيها تعهداتهم في سلة القمامة تؤثر علي مستوي الثقة التي يوليها لهم الجمهور واليأس منهم. اسرائيل تُدار الآن من قبل حزب كديما الذي هو مجرد غلاف أنتجه الدعائيون والاعلاميون والي جانبه حزب العمل الذي يزمع في هذا المساء علي اقتلاع جذوره بيديه.

عوزي بنزيمانكاتب رئيسي في الصحيفة(هآرتس) ـ 29/10/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية