اسرائيل لن تتمكن من فرض العقوبات الادارية والقطيعة التامة مع سلطة حماس الي وقت طويل
بامكان بيرتس أن يصبح وزيرا للدفاع لانه ليس أول مدني يصل الي المنصباسرائيل لن تتمكن من فرض العقوبات الادارية والقطيعة التامة مع سلطة حماس الي وقت طويل مجرد طرح اسم عمير بيرتس كمرشح شبه مؤكد لمنصب وزير الدفاع يعتبر هزة ارضية. ليس لأن مواطنا مدنيا يدخل الي ديوان وزير الدفاع وانما لأن مثل هذا التعيين قد يُعبر بصورة صارخة عن انتهاء عهد الجنرالات: في الجهاز السياسي الاسرائيلي عموما وفي وزارة الدفاع علي وجه الخصوص.عمير بيرتس كوزير للدفاع هو الترجمة الأصيلة للوضع الذي أصبح فيه اللوبي الاجتماعي في الكنيست أقوي وأكبر من اللوبي الأمني للمرة الاولي منذ قيام الدولة.اذا دخل عمير بيرتس الي وزارة الدفاع وهيئة الاركان أو لاجراء مقابلات مع كبار المدراء في الوزارة، سيدرك أنه لم يخطئ عندما فضل حقيبة الدفاع. ليس بسبب أن كل الحضور سينهضون علي أقدامهم احتراما له فقط. هو سيجد نفسه في داخل لباب المجتمع الاسرائيلي في تماس مباشر مع الجينات التي وُرثت عن الآباء المؤسسين، وشريكا في نفس الدائرة السرية الأمنية التي تحولت الي مسار يوصل اعضاءها الي المناصب القيادية علي المستوي الوطني. مجرد جلوسه علي المقعد سيُكسبه الثقة والشعبية مثلما حدث مع أسلافه بن غوريون وحتي عيزر وايزمن وشارون.وزراء الدفاع الذين جاؤوا من العائلة العسكرية كانوا مشغولين في كل الاحوال. بعضهم كانوا رؤساء سابقين لهيئة الاركان. كانت لحظات كان فيها اهود براك مثلا مستعدا لخنق رئيس هيئة اركانه شاؤول موفاز، إلا أنه ضبط نفسه كجزء من الشيفرة الاخلاقية المتفق عليها بين العسكريين. والكل يذكر أن موفاز احتاج لمدة طويلة الي أن انفجر علي رئيس هيئة اركانه بوغي يعلون.وزراء الدفاع الذين كانوا جنرالات أو عُمداء فقط، اشتُبه بهم بأنهم يسعون لاستكمال الارتقاء، ولذلك توخوا الحذر الشديد في تعاملهم مع رؤساء هيئة الاركان.عندما يتعلق الأمر بـ زواج الأقارب يكون الجميع مديناً للجميع. لا تخرج من هناك اصلاحات كثيرة، فليس من اللائق أن ينتقد الواحد الآخر داخل العائلة.موفاز كوزير للدفاع قام بفك ارتباط ممتاز. اسحق موردخاي كبح مجابهة مسلحة مع السوريين في عام 1996 بفضل معرفته الجيدة للعسكريين وللمجريات داخل الجيش. باراك سحب الجيش من لبنان ولكنه لم يقم باصلاحات حقيقية ولم يحطم معتقدات راسخة داخل جهاز الدفاع. هذه الامور تمت فقط علي يد شخص مدني. أول الاصلاحيين وأكبرهم وأهمهم منذ عهد بن غوريون كان موشيه آرنس بالتحديد. في ولايته الاولي شكل قيادة سلاح الميدان الذي تحول بعد مدة الي الذراع البرية. الجيش عارض، إلا أن آرنس فرض عليه رأيه. في الولاية الثانية سأل آرنس اسئلة غريبة مثل لماذا لا يرتقي البدو والدروز والشاذون والشاذات جنسيا في الجيش؟ عندما أوضحوا له أن المسألة تتعلق بالأمن الميداني قام بتمزيق الأوامر. هو لم يكن يطيق وضع الحواجز أمام الفلسطينيين في المناطق، وكان يطالب بأن يعطوه تفسيرا لاقامة كل حاجز. الجيش ايضا لم يرغب في تشكيل قيادة الجبهة الداخلية، إلا أنه فرض ذلك.اذا وصل عمير بيرتس الي وزارة الدفاع فأمامه نموذج جيد للتقليد. التحدي أمام عمير بيرتس أكبر بكثير من التحدي الذي واجهه آرنس علي اعتبار أنه كان قد جاء من الصناعات العسكرية، خاصة صناعة السلاح الاستراتيجي، الامر الذي جعله شريكا في السر ، وليس ولدا من الخارج مثل عمير بيرتس. علي عمير بيرتس أن يفرض وضعا يُجبر العسكريين علي التودد اليه.لوزير الدفاع في اسرائيل استقلالية مطلقة في ثلاثة مجالات: أولا، وزير الدفاع هو رئيس وزراء المناطق. هو مسؤول أوحد عنها وقائد للادارة المدنية، وهو الذي يتحكم بالهواء الذي يتنفس به مجلس يشع . عشرات آلاف الموظفين يعتمدون عليه، واذا قرر عدم خصخصة هذه القطاعات فلن تُخصخص. وثالثا، لدي وزير الدفاع تأثير كبير جدا علي تعيين رؤساء هيئة الاركان.اذا وصل عمير بيرتس فعلا الي وزارة الدفاع سيكون عليه أن يشكل طاقما حول نفسه ليتمكن من تشكيل وزن مقابل للهيئة العامة ولديوان رئيس الوزراء النشط جدا. كل ما تحدثنا عنه حتي الآن كان قشرة السوليفان المحيطة بالمنصب. ولكن وزير الدفاع ليس مجرد قوة وتشريفات. السيطرة علي أمن الدولة هي مهمة حساسة ودائمة ومتصلة بآلاف الخيوط. شد هذه الخيوط بقوة كبيرة قد يؤدي الي تقطيعها وتعقيد الأمور. لا يوجد أمام وزير الدفاع الجديد متسع من الوقت للتعلم. عليه أن يتخذ القرارات هنا والآن. علي سبيل المثال: في الاسابيع الأخيرة كان من الممكن ملاحظة أتباع حزب الله وهم يراقبون تحركات الجيش الاسرائيلي علي طول الجدار. ليس المقصود هنا الجدار الطيب في لبنان وانما الجدار الفاصل بين غزة واسرائيل. هؤلاء ليسوا لبنانيين بعد وانما فلسطينيون تدربوا في لبنان ويعملون باتصال مع حزب الله كجزء من بناء القوة العسكرية الحمساوية علي شاكلة حزب الله. ولكن غزة تتحول الي قناة تجتذب اليها كل ما يقع في متناول اليد: بدءا من النشطاء الارهابيين، خصوصا المُدربين والمرشدين العسكريين، وانتهاءا بالوسائل القتالية.كما لاحظوا في اسرائيل أن هناك تعليمات قد صدرت للمهربين في جنوبي القطاع للتوقف عن إدخال السلاح الخفيف من سيناء. خسارة علي الجهد. هناك كميات كافية. المطلب اليوم هو إدخال سلاح مضاد للدبابات ومضاد للطائرات وصواريخ ومواد ناسفة تقنية. صحيح أن المصريين قد ضبطوا طنا ونصفا من المواد الناسفة، إلا أن ارسالية اخري تحتوي علي 8 أطنان من مادة الـ تي.ان.تي! قد أصبحت في الانتظار للدخول الي القطاع. اتفاق رفح ليس قائما في الواقع. اسرائيل لا تملك أي سيطرة علي ما يدخل ومن يدخل من هناك. النشطاء الارهابيون يدخلون ويخرجون بحرية، وخلايا الجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية تتدرب في سيناء استعدادا للتسلل الي اسرائيل والقيام بعمليات في الضفة وداخل الخط الاخضر. أتباع حماس، خاصة المدربين والقادة الصغار الذين يفترض بهم أن يشكلوا الخلايا لتفعيل الشبكات، يتمازجون مع مسارات التهريب من سيناء حتي يُعدوا الضفة لاستمرار المواجهة المسلحة. مثل هؤلاء الخبراء سيصلون ايضا الي داخل الخط الاخضر.الجيش الاسرائيلي من الناحية الاخري يبدأ بالتحضير للجولة الثالثة مع الفلسطينيين. منذ مطلع هذه السنة غيرت قيادة المنطقة الجنوبية مستوي التدريب فيها وهي تقوم بالاستعداد لمهاجمة أهداف داخل القطاع والتدرب علي ذلك.كبار المسؤولين في جهاز الدفاع يقولون إننا والفلسطينيين نسير علي مسار تصادم. ولكن القرار ليس بيد الجيش. القرار يجب أن يكون صادرا عن وزير الدفاع والمجلس الوزاري الجديد. اذا قرروا وجوب منع هذا التصادم فسيضطرون ايضا لمعرفة كيفية وضع الفرامل علي الارض لمنع التدهور.وهنا، سيحتاج وزير الدفاع الي الكثير من المعلومات والمساعدة الاختصاصية ـ حتي يدرك ما سيحدث ولا يفقد اللجام. اذا تقرر التصادم فان هذا القرار يجب أن يُتخذ من خلال النظر لمجموع المصالح الاسرائيلية وليس وفقا للجيش أو القدَر.ليس أمام وزير الدفاع والحكومة الجديدة قدر كبير من الوقت لتدارس الأمر بتباطؤ. الأجواء مشبعة بالوقود القابل للاشتعال، وسيضطرون الي المسارعة لاتخاذ القرارات المبدئية التي تُوجه جهاز الدفاع في كيفية التعامل مع السلطة الحمساوية. اذا لم تتحدد خطوط التحرك الواضحة فان الوضع سيخرج عن السيطرة، وسرعان ما سنجد أنفسنا في مجابهة غير مضبوطة. قبل الانتخابات اتخذت حكومة اولمرت قرارا مبدئيا تقوم اسرائيل بموجبه بقطع كل صلة مع الحكومة الحمساوية ما أن تتشكل. هذا القرار لا يمكن أن يبقي معلقا في الهواء كإعلان نوايا. وفقا للقانون الدولي يعتبر سكان المناطق واقعين تحت الاحتلال. من هنا يوجد لاسرائيل التزام نحوهم وليس فقط من الناحية الانسانية. عليها أن توفر الحماية لهم والرعاية والصحة والكرامة، وأن تُمكّنهم من حرية الحركة.حتي الانتخابات كانت السلطة تتولي مسألة متابعة نسيج الحياة داخل مناطقها، بينما كانت اسرائيل تمدها بجزء من الأدوات والوسائل لادارة ذلك. اليوم لم تعد اسرائيل تعترف بالسلطة، ولم تعد تقدم المساعدة لها، بل بالعكس. ولكن ذلك لا يعفيها من مواصلة تحمل المسؤولية عن رفاهة السكان.الحل موجود في خيارين متطرفين. الاول: أنا لا أعترف بالسلطة وأقوم بسحقها واسترجع السيطرة علي مقاليد الأمور وأدخل الي المدن وأُعيد بناء اجهزة الحكم العسكري كما كان الأمر عليه قبل عشرين عاما. الخيار الثاني: أنا لا أعترف بالسلطة ولا أريد أي صلة معها، ولا أريد أن أعطيها أدوات لادارة حياة السكان. أنا أرفع مسؤوليتي وأنسحب من المنطقة نحو خط الحدود الذي أُحدده بنفسي.الوضع الانتقالي الذي علقنا فيه في هذه الايام مربك ومعقد جدا. واسرائيل لن تتمكن علي المدي الزمني من فرض العقوبات الادارية والقطيعة التامة مع السلطة. من الناحية الاخري حماس تواصل السيطرة علي الشارع، وتعزز سيطرتها علي المؤسسات وتحاول بناء اعتراف دولي وتستعد بهدوء لتجسيد حلمها بإزالة دولة اسرائيل عن الخارطة. فما العمل اذا؟ علي وزير الدفاع ان يقرر وأن يطرح التوصيات علي الحكومة. الوضع الانتقالي الحالي الذي تسير فيه اسرائيل مع (حماس) وتشعر انها تسير من دون (حماس) ـ سيُطرح علي المحك في كل يوم.تمرير المواد الغذائية والبضائع مثلا سيتم بطريقة ملتوية من خلال الوسطاء ـ أتباع فتح والاوروبيين أو أي جهات اجنبية اخري ـ الذين لا توجد لهم صلة مباشرة مع السلطة الحمساوية، كما يُزعم. هنا ايضا سنتمكن بطريقة ما من خداع أنفسنا، ولكن سيكون من الصعب جدا غض البصر والخداع في الاتصالات الجارية بين اجهزة الأمن في الطرفين. ليس من المنطقي أن تسمح اسرائيل بوجود قوة مسلحة تعمل تحت إمرة سلطة داعمة للارهاب.ما العمل مثلا اذا تم التصادم مع عناصر شرطة فلسطينية مسلحة خلال عملية ميدانية في الضفة؟ اليوم لا يمسونهم، ولكن ما العمل غدا؟ هل سيُعتبرون تهديدا؟ هذا ليس قرارا عسكريا. يتوجب أن تقف من ورائه اعتبارات سياسية عميقة.في غزة الوضع القانوني والعملي مختلف من الناحية الشكلية. اسرائيل انسحبت وليس هناك احتلال، كما لا يوجد اوسلو، الامر الذي يتيح التعامل مع القطاع وكأنه لبنان. زيادة علي ذلك اسرائيل تستطيع أن تواصل تبرير سيطرتها الجوية والبحرية علي القطاع بذرائع الحماية الذاتية المشروعة. منذ فك الارتباط قبل سبعة اشهر أُطلق أكثر من 500 صاروخ قسام، ووفقا لهذه الوتيرة قد نصل الي 1000 صاروخ في السنة.كيف سيواجه وزير الدفاع معضلة القسام؟ اذا أمر الجيش في مواصلة التعامل وفقا للمعايير الحالية، فان ذلك يعني استمرار اطلاق الصواريخ. الجيش ببساطة لا يملك حلا للمشكلة. فهل يستطيع الوزير بيرتس أن يعترف أمام سكان سدروت انه: لن يأمر الجيش بشن عملية برية حتي لا يتسبب في تدهور الوضع؟.اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفة(يديعوت احرونوت) 7/4/2006