اسرائيل والزعزعات الاقليمية

حجم الخط
0

سيصعب على اسرائيل ان تمنع تدهور علاقاتها مع المجتمع الدولي الا اذا حدث اختراق حقيقي في المسيرة السياسيةشلومو بروم وعنات كورتسفي السنين القريبة حينما ستجابه اسرائيل الحاجة الى اتخاذ قرارات سياسية واستراتيجية في الموضوعات المركزية للامن القومي، ستفعل ذلك في واقع يزيد تعقيده على ما اعتادته في العقود الاخيرة، كثيرا. وهذا التعقيد هو نتاج الزعزعات الحادة في الشرق الاوسط التي حظيت بعنوان ‘الربيع العربي’، والتي حدثت وبين يديها مساران ميزا العقد الاخير وهما انهيار مسيرة السلام الاسرائيلية العربية وضعف القوة الامريكية العظمى. وهذه التطورات الثلاثة معا وكل واحد على حدة تهدد باحداث ازمات جديدة وجعل حلها صعبا أو الاثقال على ادارة ازمات معروفة ومستمرة.ان الانتفاضات الشعبية على النظم الاستبدادية في العالم العربي، التي أغرقت الشرق الاوسط منذ مطلع 2011 لم تفتر بعد وما تزال تؤثر في جميع دول المنطقة بقدر كبير أو بقدر محدود، وقد سقطت نظم ثلاثة في تونس ومصر وليبيا. وفي دول اخرى كاليمن وسوريا يهدد الصراع العنيف بين المنتفضين ونظام الحكم بأن يتحول الى حرب أهلية طويلة. وقُمع في البحرين الاحتجاج بقوة الذراع وبمساعدة دول الخليج الجارة. وفي الدول الاخرى ما يزال الضغط على نظم الحكم لتبني اصلاحات لطريقة الحكم. وفي دولة واحدة هي المغرب تتوقع تغييرات شاملة تمنح طريقة النظام خصائص ملكية دستورية. ربما كان لهذه الأحداث تأثير حتى في الجمهور الاسرائيلي وأنها أُضيفت الى سائر العوامل التي استحثت ‘احتجاج الخيام’ الذي نشأ في تموز 2011 لمجابهة النظام الاجتماعي الاقتصادي في اسرائيل.برنامج اسلاميوفي تلك الاماكن التي نجحت فيها ‘الثورة’ في ظاهر الامر ليس واضحا الى الآن أي سلطة وأي طريقة ستحلان محل النظام القديم: الديمقراطية الليبرالية بالاسلوب الغربي على حسب الطراز الذي يطلبه المتظاهرون الذين أحدثوا الأحداث الثورية أم ينشأ ‘زعماء أقوياء’ جدد يؤيدهم الجيش؟ وقد يحدث ايضا ما حدث في ثورات سابقة كثيرة وان يفتح ضعف النظام بازاء الهبة الشعبية الباب لتولي قوى لم تبادر الى الأحداث لكنها رأتها فرصة للدفع قُدما ببرنامج عملها، لزمام السلطة. سيكون هذا البرنامج اسلاميا كما يبدو في العالم العربي، وقد تكون نتيجة عدم الاستقرار في دول مختلفة تولي نظام يكون خليطا بين امكانات من النوع الذي ذكرناه. وعلى كل حال فان الشرق الاوسط تنتظره فترة عدم استقرار طويلة. وفي الاماكن التي حُسم فيها الامر ايضا مصر وتونس لن يكون الانتقال من نظام استبداد الى ديمقراطية سهلا ومباشرا. تتحول المجتمعات التي حدثت فيها زعزعات من وضع عدم وجود حركات سياسية واحزاب مبلورة سوى الجهات الاسلامية الى وضع تعدد احزاب وحركات. ويزداد في هذه الظروف احتمال ألا تحسم انتخابات حرة اذا أُجريت الامر بين احزاب كبيرة وان تؤلف مجالس الشعب التي تنشأ على نتائجها من شظايا احزاب. ويميز حكومات الائتلاف هذه عدم استقرار.ان القاسم المشترك بين النظم الجديدة والقديمة التي ستنجح في الحفاظ على زمام السلطة هو الاعتراف بالحاجة الى الاصغاء الى صوت الشعب باعتباره شرطا للبقاء. ويمكن ان نرى بهذا العامل من عوامل موجة الهبات الشعبية وجها ايجابيا هو زيادة الوعي لأحد العناصر الأساسية للسلطة الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، وفي الواقع الاجتماعي الاقتصادي الذي يغلب على الدول العربية، يكمن ايضا خطر الانجرار الى سياسة غوغائية تعبر عن طموح الى إرضاء الجمهور بتلبية رغباته المباشرة. ويتوقع ان يجعل السير في هذا الطريق مواجهة المشكلات الراهنة صعبة وهي المشكلات التي حثت الاحتجاج الجماعي والتي تقتضي احيانا خطوات ضبط شديدة وتقشفا. وفشل مجابهة هذه المشكلات قد يزيد دافع الحكومات الى صرف انتباه الجمهور الى ‘أعداء’ من الخارج.تلوح تطورات في هذا الاتجاه في واقع ضعفت فيه الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى الرئيسة، وتُظهر صعوبة تزداد في مواجهة مشكلاتها الداخلية وكذلك ايضا أكثر حليفاتها الغربيات. والمرشحات الاخرى لدور القوى العظمى، كالصين مثلا، توجهها رؤية عامة أنانية ولهذا فانها غير مستعدة لتتحمل مسؤولية ان تكون ‘الشرطي العالمي’ أو ‘المرمم العالمي’. والمعنى المشتق من هذا الحراك العالمي هو أنه لا يوجد اليوم جهة خارجية تستطيع جعل الوضع في الشرق الاوسط مستقرا وان تساعد دول المنطقة على التغلب على الازمة الاجتماعية الاقتصادية الشديدة التي هي في أساس ‘الربيع العربي’ سواء باستعمال العصا العسكرية أو الجزرة الاقتصادية. وعلى ذلك ستضطر الدول العربية الى ان تجابه بقواها الذاتية مسار الانتقال الذي يصعب التنبؤ بمدته واتجاهات تطوره. وقد يستطيع العالم الغربي ان يساعد بتصريحات دعم، لكن سيصعب عليه ان يعززها بمساعدة حقيقية. وتستطيع تعبيرات الدعم المعلنة ان تساعد على إقرار السلطة في تونس التي تعتبر حالة يسهل نسبيا احتواؤها لأن عدد سكانها قليل ولأنها مثقفة نسبيا ولأن وضعها الاقتصادي ليس سيئا. لكن يُشك في ان يستطيع تشجيع لا تصاحبه مساعدة حقيقية إقرار السلطة والوضع الداخلي في مصر التي مشكلاتها الاجتماعية الاقتصادية متفاقمة. وقدرة التدخل العسكري الخارجي على حسم مصير السلطة محدودة ايضا. لقد سقط نظام القذافي حقا في آخر طريق عذاب طويل كثير المصابين، لكن ليبيا ما تزال بعيدة عن الاستقرار. وافتراض ان التدخل العسكري في سوريا قد يُجدي لاحتواء الوضع فيها لا يُمتحن امتحانا عمليا بسبب عدم القدرة على تجنيد حلف دولي من اجل عملية عسكرية لاسقاط سلطة بشار الاسد.انهيار عملية السلاميبدو هذا الوضع المعقد في الوقت الذي بلغت فيه العلاقات بين اسرائيل ومحيطها العربي أسفل أسفلين ولا سيما في أعقاب ما يبدو انه انهيار لمسيرة السلام، وفي الوقت الذي أصبح فيه التصور الغالب في العالم العربي وفي الساحة الدولية ايضا هو ان سياسة اسرائيل ‘الرافضة’ مسؤولة بقدر حاسم عن الطريق المسدود.سُجل في السنتين الاخيرتين في العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين تدهور جوهري قياسا باختراق الطريق في مطلع التسعينيات حينما بدأ حوار مباشر بين الطرفين وتم التوقيع على اتفاقات بينهما، وكان يبدو ان الطرفين يتحرران من تصور الحراك بينهما على أنه ‘لعبة حاصلها صفر’. لا تستطيع اسرائيل والفلسطينيون اليوم اجراء حوار مباشر بينهما بسبب عدم الثقة المتبادل العميق بينهما. وعاد تصور العلاقات بينهما على أنه ‘لعبة حاصلها صفر’ ليكون هو السائد. واسرائيل والفلسطينيون يشاركون في لعبة منافسة في حين توجه سياستهما نية منع الطرف الثاني مكاسب حتى لو أفضى ذلك في نهاية الامر الى إضرار كبير بالذات. ولا يُظهر أي واحد من الطرفين استعدادا أو قدرة على مساعدة الطرف الثاني على الرجوع عن مواقف متشددة لا تُمكّن من تجديد الحوار، على أساس تقدير ان انجازا محتملا للطرف الثاني يعني خسارته. وهكذا لا تستطيع اسرائيل ان تعرض على السلطة الفلسطينية أدنى حد تحتاجه لمساعدتها على الرجوع عن المطالب التي اشترطتها لتجديد التفاوض، أي الاستعداد الاسرائيلي المبدئي لتسوية مناطقية على أساس خطوط 1967 مع تبادل اراض. ولا تستطيع السلطة الفلسطينية من جهتها ان تستجيب لمطلب حكومة اسرائيل ان تعترف باسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي ـ وهي خطوة ستساعدها على مباشرة التفاوض على أساس خطوط 1967. ولهذا نشأ طريق مسدود لا يُجدي على الطرفين. فالسلطة لا تستطيع التقدم نحو انشاء دولة فلسطينية، واسرائيل نفسها تتقدم نحو وضع سيصعب فيه عليها أكثر فأكثر ان تحقق حلم الدولة اليهودية الديمقراطية، وفي ظروف عدم الثقة هذه وقبل ان يغير الطرفان توجههما نحو برنامج العمل وهدف التحادث بينهما يُشك كثيرا في ان يفضي تجديد التفاوض بسبب ضغط دولي ثقيل يُستعمل عليهما، الى صياغة تفاهمات والى التوقيع على اتفاقات قابلة للتحقيق.بازاء عدم قدرة مسار التفاوض على البقاء تبنى الفلسطينيون استراتيجية توجه الى المجتمع الدولي بطلب الاعتراف باستقلالهم السياسي. الجمعية العامة للامم المتحدة اقرت الطلب الفلسطيني الاعتراف بدولة فلسطين وهذا الموعد علامة على الازمة التالية بين الطرفين في حين ان السبل التي يريد الطرفان مواجهة هذه الازمة بها قد تزيد نتائجها وآثارها شدة في الأمد البعيد.من الممكن جدا ان تُثبت الازمة التي قد تحدث بسبب الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية التشابك بين مسارات الازمة الثلاثة في محيط اسرائيل الاستراتيجي وهي: انهيار مسيرة السلام وضعف الولايات المتحدة و’الربيع العربي’. ان تدويل القضية الفلسطينية في حد ذاته هو نتيجة مباشرة لعدم القدرة على تجديد الحوار الاسرائيلي الفلسطيني وعدم قدرة الولايات المتحدة على فرض ارادتها واعادة الطرفين الى طاولة التفاوض. ان الخطاب السياسي العام في اسرائيل المتعلق باعتراف الجمعية العامة بدولة فلسطينية محصور في المعاني القانونية المحتملة لهذا التطور. فالذين يخافون من امكانية ان يمنح الاعتراف بدولة فلسطين الفلسطينيين حقا في اثارة دعاوى قضائية على اسرائيل وعلى مواطنين اسرائيليين في المحكمة الدولية في لاهاي، يُعزون أنفسهم بأن اعتراف مجلس الامن وحده سيجعل هذا ممكنا وبأن الولايات المتحدة تنوي نقض هذا القرار. لكن اعترافا بدولة فلسطينية في الجمعية العامة حتى لو تلخص معناه رسميا بتطوير مكانة الممثلية الفلسطينية في الامم المتحدة، سيؤكد المسار الذي تُحشر فيه اسرائيل في زاوية سياسية دبلوماسية.عزل اسرائيلان تأثيرات الربيع العربي في سياسة الدول العربية الاقليمية حينما تضاف الى مسار عزل اسرائيل المعجل في الساحة الدولية والى عدم قدرة الولايات المتحدة المبرهن عليه على إحياء الحوار الاسرائيلي الفلسطيني بسبب عدم قدرتها على تغيير توجه حكومة اسرائيل من شروط التفاوض القصوى، سيُعرض اسرائيل لتحديات أشد من تلك التي جابهتها في السنين الاخيرة.أصاب تأثير الربيع العربي المجتمع الفلسطيني ايضا. ان نسبة الشباب في المجتمع الفلسطيني أكبر كثيرا من نسبتهم في مجتمعات غربية. وقد زادت التقلبات ونتائجها لدى الشباب الفلسطينيين الايمان بأنهم يستطيعون بنفس الوسائل التي استعملها شباب في دول جارة ولا سيما المظاهرات غير العنيفة، تحقيق الأهداف السياسية التي توجههم. وشعور القوة هذا مع خيبة الأمل التي ستنشأ بعد التصويت في الامم المتحدة حينما يتبين ان الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية ايضا لن يكون كافيا لتحقيق حلم السيادة، قد يتم التعبير عنه بمظاهرات جماعية في الشارع الفلسطيني واحتكاك يزداد مع اسرائيل بصورة لا يمكن منعها. ان تجربة الماضي الاسرائيلية الفلسطينية ودروس الهبة الشعبية في العالم العربي ايضا تدل على ان طريق التصادم بين اسرائيل والمتظاهرين الفلسطينيين سيكون قصيرا. والقطيعة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وتأثير الولايات المتحدة المحدود في الطرفين سيجعلان من الصعب احتواء ازمات تنشأ لهذا السبب وتفتيرها.ان أنصار السياسة الأحادية في اسرائيل قد يرون انهيار المسيرة السياسية فرصة لتحقيق خيارات من طرف واحد وفي مقدمتها رسم حدود اسرائيل مع الدولة الفلسطينية من غير مفاوضة طرف فلسطيني. وقد يكون الاقتراح الذي أثاره في اسرائيل جهات يمينية وهو الرد على التوجه الفلسطيني الى الاعتراف من قبل الجمعية العامة بضم اراض، قد يكون صدى لهذا التصور. بيد أنه يُشك كثيرا في ان تستطيع اسرائيل تحقيق هذا العزم بازاء معارضة وانتقاد يتوقع ان تثيرهما في الساحة الدولية.ان ضعف تأثير الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وتأثيرها المحدود في اسرائيل ايضا، كما يعبر عنه عدم قدرة الادارة على حث حكومة اسرائيل على تغيير سياستها من قضية تجديد الحوار مع السلطة الفلسطينية، لا يتيحان فرصا لاسرائيل بل بالعكس. فتحسن علاقات اسرائيل بروسيا وبدول امريكا اللاتينية أو بالصين لن يعوض اسرائيل مما ستفقده اذا ساءت علاقاتها مع الولايات المتحدة. وحتى لو كان صعود هذه القوى مهما لاسرائيل في الأمد البعيد فلن تستطيع أي واحدة منها في الأمدين القصير والمتوسط ان تمنحها التأييد الاستراتيجي الذي تمنحها الولايات المتحدة إياه في جميع المجالات. هذا الى كون الكلام في نية اسرائيل ان تفحص عن حليفات بديلات لا يسهم سوى في اساءة ازمة العلاقات بين حكومة اسرائيل وادارة الرئيس اوباما وهي ازمة قد تفضي الى إضرار بمصالح مركزية لاسرائيل اذا استمرت وخصوصا اذا انتخب اوباما لولاية ثانية.واقع عربي جديدومع ذلك، وفي مقابل الطريق السياسي المسدود في الحوار الاسرائيلي الفلسطيني والصعوبات التي ثارت في العلاقات بين حكومة اسرائيل وادارة اوباما التي هي مشحونة بالأخطار والأخطار فقط، فان الربيع العربي تكمن فيه تغييرات ايضا تُضاف على الأخطار تستطيع اسرائيل ان تحولها الى فرص لها. ان الأحداث الداخلية في الدول العربية وتغيير نظم الحكم قد يؤثران في السياسة الداخلية في الدول العربية ويحثان على تغييرات في سياستها الخارجية وعلى إحداث تغييرات في العلاقات بينها، فاذا سقط نظام الاسد مثلا في سوريا واستُبدل به نظام ترأسه الأكثرية السنية التي تحقد على ايران وحزب الله لتأييدهما نظام الاسد، فقد يتغير توجه سوريا السياسي وقد ينتقض بقدر كبير المحور الذي تقوده ايران. وكذلك تهييء التقلبات لتركيا فرصة ان تدفع الى الأمام بمكانتها الاقليمية وبطريقة نظام الحكم فيها باعتبارها نموذجا يحتذى لأن النموذج التركي للتغيير الديمقراطي والعكوف على الحاجات الاجتماعية الاقتصادية للجمهور تلائم التصور العام لمُحدثي الهبات الشعبية في العالم العربي أكثر من طريق المقاومة والممانعة الذي تمثله ايران. واسرائيل برغم المحاكة بينها وبين حكومة تركيا الحالية قد تستخلص في الأساس مزايا من تبني العالم العربي للنموذج التركي.ان خروج الدول العربية ايضا من الجمود والفساد اللذين ميزاها في العقود الاخيرة قد يسهم في انشاء شرق اوسط يتميز بالتوازن بين قوى سياسية مختلفة وتلبية للاحتياجات العامة مع مضاءلة الفراغ بين النظام والجمهور الذي تطمح عناصر متطرفة الى استغلاله. وان الازدياد الملحوظ السريع لتأثير ايران الاقليمي في تلك العقود قد كان نتيجة ذلك الفراغ الذي أحدثه العجز وتهاوي نظم الحكم العربية لا قوة ايران، فهذه الدولة لا تعوزها نقاط الضعف الواضحة. وينبغي ان نفترض ان الشرق الاوسط الذي سيمتاز بقيادة مصر النشيطة سيكون عاملا يوازن ايران وتركيا ويكون مريحا لاسرائيل أكثر من شرق اوسط تكون فيه ايران هي القوة المهيمنة. وهناك تغيير آخر ينشأ أمام أعيننا على أثر العاصفة في العالم العربي هو استيقاظ العربية السعودية. فبعد ان أثبت العصيان في البحرين اقتراب الخطر من العربية السعودية أظهرت تصميما على استعمال سياسة فعالة في مواجهة الجهات التي تهدد مصالحها وعلى رأسها ايران.تتعلق قدرة اسرائيل على المداورة داخل الشرق الاوسط المتغير سريعا وعلى مجابهة الازمات المتوقعة لها، تعلقا حاسما بقدرتها على ان تغير بصورة جوهرية خطوطا أساسية في سياستها في عدد من الموضوعات المركزية وعلى رأسها التحدي الايراني والتحدي الفلسطيني.قدرات ايران محدودةبرهنت أحداث الربيع العربي على أنه بخلاف الميل الذي ساد الجهاز السياسي في اسرائيل الى ان ينسب الى ايران مسؤولية عن جزء كبير من التطورات في الشرق الاوسط التي تؤثر في اسرائيل ـ وهو التأثير الذي سيزداد حينما تحرز ايران قدرة ذرية عسكرية ـ فان قدرة ايران على توجيه الأحداث في الشرق الاوسط العربي محدودة جدا. وستضطر ايران ايضا الى مواجهة الزعزعات التي حدثت في المنطقة والى ان تعمل على تقليل الأخطار التي تصاحب ذلك على مصالحها، هذا الى كون ايران لاعبة واحدة من كثيرات في المنطقة. ولهذا هناك مكان للتساؤل هل سيكون لحصولها على القدرة الذرية اذا استكمل البرنامج الذري الذي تدفع به الى الأمام في تصميم، تأثير حاسم في الواقع الاستراتيجي في الشرق الاوسط. ويضاف الى هذا ان من المحتمل ان تظل قدرة اسرائيل الذرية وطموح الدول العربية وعلى رأسها مصر الى إبطالها بالتقدم في تحقيق حلم الشرق الاوسط الخالي من سلاح الابادة الجماعية، ذات دور مهم في سياسة دول كمصر نحو اسرائيل. وسيكون التعبير الرئيس عن ذلك استمرار الجهود لعقد المؤتمر الذي يتناول انشاء منطقة حرة من سلاح الابادة الجماعية في الشرق الاوسط والذي يفترض ان يعقد في 2012 بحسب ما اتفق عليه مؤتمر استطلاع منع نشر السلاح الذري. وفي مقابل هذا اذا استطاعت اسرائيل ان تعترف بالتغييرات التي حدثت في الشرق الاوسط وأن تأخذها في حسابها في اطار تفكير من جديد في سياستها نحو محيطها المباشر ومحيط أبعد في المنطقة، فربما تستطيع ان تُبطل قدرا لا يستهان به من التهديد الايراني الذي تتعرض له، ويشمل هذا عملا نشيطا من اسرائيل على إحياء مسيرة السلام الاقليمية يساعد الحكام العرب على ان يزيلوا عن برنامج العمل العام في دولهم القضية الاسرائيلية الفلسطينية، وتحسين العلاقات مع اسرائيل.ينبع التحدي الفلسطيني من جملة ما ينبع منه، من السعي الاسرائيلي الى توسيع حدود اسرائيل السياسية على أساس فكرة ان هذا سيوجد تلبية لمصلحة استراتيجية جوهرية. وحتى لو كانت توجد قيمة عسكرية للاراضي وللعمق الاستراتيجي فان عنصر العمق الاستراتيجي في واقع اسرائيل الجغرافي محدود على كل حال ـ فالصواريخ التي يطلقها حزب الله وحماس على داخل اسرائيل تشهد بأنها برغم مداها القصير تكاد تبلغ كل هدف في اسرائيل. وفي مقابل هذا فان التحدي المركزي الذي تتعرض له اسرائيل هو تثبيت مكانتها في المنطقة التي هي في أساسها عربية ومسلمة مع الحفاظ على تأييد المجتمع الدولي لها. وهذا التأييد ضمان حيوي لوجود اسرائيل ونمائها. لكن ما بقي الصراع مع الفلسطينيين فوارا يهدد بالتصعيد على أثر النقاش في الجمعية العامة للامم المتحدة في شأن الاعتراف بدولة فلسطينية، فلن تستطيع اسرائيل ان تدفع الى الأمام بعلاقات صادقة مستقرة مع الدول العربية. وفي الجو الحالي لا تستطيع حتى الدول العربية الراغبة في تعاون استراتيجي سياسي وعسكري واقتصادي مع اسرائيل ان تحقق نواياها.غضب عربيكان أحد اتجاهات التفكير التي نشأت في اسرائيل في أعقاب التطورات الحادة في العالم العربي هو التصور الذي يقول ان دول العالم العربي ستكون في السنين القريبة مشغولة بشؤونها الداخلية، ولهذا لن تفرغ لاشتغالها بعلاقة العالم العربي مع اسرائيل. لكن نشك في ان يكون لهذا التقدير أساس صلب. ان التمرد في العالم العربي قد نبع من جملة اسباب منها شعور الجماهير العربية بالمذلة العميقة. وقد كان هذا الشعور في الحقيقة بقدر كبير نتاج شكل نظم الحكم العربية والوضع الاجتماعي الاقتصادي في المنطقة العربية، لكن علاقات العالم العربي بالعالم الخارجي كان لها دور مهم في تأجيج الاحتجاج. وان علاقة الغرب بالعالم العربي طوال سنين قد غذت الشعور بالظلم وفي هذا السياق كان للتقارب بين اسرائيل والعالم الغربي دور مركزي. ان ضرورة الحكومات العربية التي أخذت تزداد الى ان تصغي الى صوت الشعب ستقوي فيها الباعث على الاشتغال بشؤون اسرائيل مع العرب مع تأكيد القضية الاسرائيلية الفلسطينية. فلا عجب اذا من ان أحد الاجراءات الاولى التي أخذت بها الحكومة المصرية الجديدة كان جهدا مركزا لصوغ اتفاق مصالحة بين فتح وحماس، ولم يكن صدفة ان اصطبغت أحداث النكبة في 2011 خصوصا والنكسة في العالم العربي بصبغة أقوى مما كانت في الماضي واشتملت على محاولات متظاهرين اجتياز حدود اسرائيل.قد تصبح اسرائيل مركزا لغضب الجموع في الشارع العربي على أثر أحداث وتصعيد العنف الاسرائيلي الفلسطيني في ساحة غزة، وقد تترجم التطورات في هذا الاتجاه ايضا الى تضاعف الأخطار الامنية على حدود اسرائيل الاخرى، وكل ذلك بسبب تنكر دولي أخذ يزداد لسياسة اسرائيل. وسيصعب على اسرائيل ان تصد اتجاه تدهور علاقاتها مع الفلسطينيين ومكانتها في المجتمع الدولي إلا اذا استعملت مبادرة لاحداث اختراق طريق حقيقي في المسيرة السياسية.تقويم استراتيجي لاسرائيل ـ معهد بحوث الامن القومي ـ جامعة تل ابيب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية