اسرائيل والقنبلة النووية: الوجه الخفي للسياسة الامريكية :
الهزيمة في لبنان وفشل سياسة الردع التقليدي ومعضلة بوش في العراق تطرح تساؤلات حول الغموض النووي الاسرائيليواشنطن كانت ترغب بحيازة الهند سلاحا نوويا وليس الصين ومشروع اسرائيل ولد لردع الاتحاد السوفييتي السابق اسرائيل والقنبلة النووية: الوجه الخفي للسياسة الامريكية : محمد عبد العظيمصدر مؤخرا عــن دار النشر الفرنسية Harmaan كتاب بعنوان إسرائيل والقنبلة النووية الوجه الخفي للسياسة الامريكية . الكتاب من تأليف الاعلامي المصري محمد عبد العظيم المقيم بفرنسا والحاصل علي دكتوراه في العلوم السياسية. الكتاب يأخذنا في رحلة تاريخية داخل ممرات البيت الابيض والاستخبارات الامريكية خلال سنوات ايزنهاور وكينيدي ثم جونسون. هذه الفترة التي يطلق عليها الكاتب اسم العشر سنوات الحرجة هي الفترة التي تم خلالها بناء مفاعل ديمونة النووي. ويقوم الكاتب بتتبع حرب العدوان الثلاثي عام 1956 ثم حرب الايام الستة في 1967 وينتهي الكتاب مع أحداث حرب اكتوبر 1973 ليروي كيف تم تفادي صدام نووي مسلح بين امريكا والاتحاد السوفييتي أثناء الحرب. وهذا ملخص لمجمل افكار الكتاب اعده كاتبه لـ القدس العربي . الكتاب يتطرق لفترات الصراع ويظهر ميلاد مشروع بناء المفاعل الإسرائيلي وعلاقته بالعدوان الثلاثي عام 1956 ثم الدور الذي لعبه هذا المفاعل النووي في اندلاع الحرب عام 1967 ودور الاسلحة النووية الاسرائيلية في دافعية السياسة المصرية وراء كسر حاجز الردع الاسرائيلي قبل الحرب في أيار (مايو) عام 1967 واثناء حرب الاستنزاف عام 1969 ثم الأحداث إثر حرب عام 1973 والتي ينشر عنها الكاتب ولاول مرة وثائق رسمية عن كواليس البيت الابيض وموسكو مرورا بتل ابيب والقاهرة والتهديدات الإسرائيلية باستخدام الرؤوس النووية للضغط علي واشنطن والحصول علي المساعدة العسكرية الأمريكية إثر الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الإسرائيلية خلال الأيام الثلاثة الأولي. ويروي الإعلامي في كتابة اللحظات الحرجة بين موسكو وواشنطن أثناء الحرب والأزمة التي كادت أن تحول الحرب إلي صدام نووي بين امريكا والاتحاد السوفييتي علي أرض مصر. يعد هذا الكتاب الأول من نوعه الذي يصدر باللغة الفرنسية ليتحدث عن التابو وعن أحد الموضوعات الاكثر غموضا والاكثر صعوبة للبحث علي المستويين الإعلامي والعلمي سواء في فرنسا أو في أمريكا. وذلك لأن الاسلحة النووية الاسرائيلية هي احد المواضيع التي تعتبر في منطقة المحظورات سياسيا وعسكريا وخاصة في الوقت الراهن إذ ما تزال مسألة البرنامج النووي الإيراني تؤرق واشنطن وإسرائيل. السؤال الذي لا يحير أحداً فيما عدا السؤال الخاص بما إذا كانت سياسة الغموض النووية التي تتبعها إسرائيل هي سياسة سيئة أم جيدة لتخدم أمن الدولة العبرية فإن السؤال الذي قد يطرحه الكثيرون هو: هل تمتلك فعلا إسرائيل السلاح النووي؟ الإجابة بالطبع: نعم. ولكن إذا سألت أحد المسؤولين في إسرائيل فلن تجد إجابة قاطعة علي هذا السؤال. لأن المقولة الجارية في إسرائيل تقول إن الإجابة بنعم علي هذا السؤال لا تخص إلا المصادر الأجنبية. فحسب هذه المصادر فإن إسرائيل هي سادس قوة نووية منذ خمسينات القرن الماضي. حينها كانت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي بالإضافة إلي إنكلترا وفرنسا كان الجميع منهمكين إما في دوامة الحصول علي الأسلحة النووية أو لاختبارها أو تطويرها. فمن من بين هؤلاء كان يستطيع آنذاك نصيحة أو التصدي لرغبة إسرائيل في الحصول علي نفس الأسلحة؟ السؤال الآخر الذي قد لا نجد الإجابة عليه هو عن تجاهل واشنطن ومنذ الستينات لما يطلق عليه خيار شمشون سامسون (هكذا يسمي خيارإسرائيل النووي). فإذا كان إنتاج الأسلحة النووية الإسرائيلية قد بدأ في عام 1967 فلقد انتظرت واشنطن والعالم كله عشرين عاما حتي يأتي موردخاي فعنونو بالدليل عام 1986.ومنذ عشرات السنين والجميع يتحدث عن غموض إسرائيل في المجال النووي ونضع جانبا الغموض الذي أجبرت واشنطن نفسها عليه. علما بأن الموقف الأمريكي في هذا المضمار هو لايقل غموضا. ففي مجال الإنتشار النووي لاتستطيع واشنطن نفي سياستها والتي إتسمت بالعين المغمضة لكي تتيح للهند وإسرائيل بالمضي قدمََََا والحصول علي التقنيات الازمة للبرنامج النووي لكل منهما. فالهند مثلا صارت قوة نووية دون أن تعترض واشنطن يوما علي ذلك لأن المصلحة كانت في رغبة أمريكا الرأسمالية أن يكون لها حليف قوي يقف أمام المارد الأصفر للصين الشيوعية. فهل كانت واشنطن تأخذ في عين الإعتبار رغبة باكستان في الرد علي طموحات الهند بنفس الطموح النووي؟ ناهيك عن كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة ثم إيران في الوقت الراهن. الفصل المحذوف من كتاب التاريخرغم أن مسألة الأسلحة النووية الإسرائيلية هي شبه غائبة حين نتحدث عن تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي إلا أنه لا يمكن استيعاب هذا الصراع والحديث عنه بعيدا عن الجانب النووي. والسبب في ذلك هو أن كل الحروب والصراعات علي المستوي الإقليمي والدولي صارت بالأسلحة التقليدية منذ قنبلة هيروشيما إبان الحرب العالمية الثانية. هذا بالإضافة إلي الغموض الذي يوجد حول الأسلحة النووية الإسرائيلية. فاذا كان تاريخ المنطقة هو عبارة عن كتاب فإن الفصل الخاص بالترسانة النووية الاسرائيلية هو الفصل الاكثر أهمية فيه ولكنه ورغم ذلك هو الفصل الذي تم حذفه إراديا من هذا الكتاب. ولذلك فان هذا الفصل الغائب من التاريخ الرسمي دوليا يحتاج البحث والدراسة لانه لم ينل الاهتمام العلمي الكافي بسبب صعوبة البحث فيه. فإن أردنا مثالا علي ذلك يكفي الإطلاع علي الوثائق الرسمية الموجودة لدي هيئة الارشيف القومي للولايات المتحدة الامريكية National Security Archive حيث ما تبقي من وثائق غالبيتها إما ممحوة او تم طمسها بلون أسود ولم يتبق منها إلا البديهي والذي لايفيد الباحث في هذا المجال. والكتاب مليء بالأمثلة علي ذلك. خلال خمس سنوات من العمل الاعلامي والبحث العلمي استندت الي كم هائل من الوثائق الرسمية الامريكية بعيدا عن التشويش والتأثير الموجود حول هذه المسألة. ولذلك فإن الكتاب هو عبارة عن قراءة تاريخية ترتكز علي ما قام به العلماء الاسرائيليون مثل إرنست برجمان Ernest Bergmann منذ مؤتمر جنيف عام 1955 والمساعدة العلمية التي تم الحصول عليها من امريكا ثم الساسة الإسرائيليون مثل شمعون بيريز والمساعدة الفرنسية التي حصل عليها لبناء مفاعل ديمونة. المارد الذي طال نومه أنا لا أعرف لماذا يأتي وماذا يريد هنا صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إثر وصول المدير العام لهيئة الطاقة الذرية محمد البرادعي إلي إسرائيل في تموز (يوليو) عام 2004. إن إسرائيل مضطرة لحيازة كل مكونات القوة التي تلزمها للدفاع عن نفسها ، وأضاف شارون قائلا إن سياسة الغموض فيما يخص النووي والتي إتبعناها أثبتت نفسها ولذلك سوف نحتفظ بها . إن سر ما يحدث في بطن مفاعل ديمونة هو من أحد الأسرار الأكثر حفظا رغم أن ذلك لم يعد سرا علي أحد. فقد تم بناء هذا المفاعل في الخمسينات بمساعدة شركة سان جوبان الفرنسية Saint Gobin Nouvelles Technologies هذه الشركه الفرنسية هي التي قامت ببناء مفاعل ماركول Marcoule في جنوب فرنسا. وقد بدأ المفاعل في إنتاج الأسلحة النووية بضعة أيام قبل حرب عام 1967.والجدير بالذكر هو ان أمر المفاعل أرق الكثيرين أثناء بنائه وحتي الانتهاء من بنائه. إلا أن هذا الأمر اختفي من الطرقات بوصول غولدا مائير وأثناء إدارة الرئيس نيكسون. وحينها طفت مياه فضيحة ووتر غيت Water Gate وأغرقت كل الملفات الأخري ومن بينها ملف ديمونة تحت طوفانها.ولم يفق هذا الملف من الغيبوبة التي أراد الإسرائيليون إصابته بها إلا عندما خطف موردخاي فعنونو وهو أحد عمال المفاعل مفتاح السر. وفتح حينها فعنونو باب الغول في غيبوبته والتقط له بعض الصور عام 1986. ومنذ ذلك الوقت يتم إيقاظ المارد من حين إلي حين إما علي صفحات الجرائد أو في برامج التلفاز هنا وهناك. إلا أن الإسرائيليين أنفسهم يتجاهلون مايسمونه بالمعلومات الغير صحيحة التي تأتي بها وسائل الإعلام التي غالبا ما تكون موصوفة بالـ أجنبية . كل ذلك ولم تقل إسرائيل أبدا يوما ما رسميا ما إذا كان لديها أسلحة نووية أم لا. ولكن إسرائيل لم تلمس الحاجة ولم يكن لديها الرغبة السياسية لكي تقول وبصورة رسمية ما إذا كانت في حيازتها هذه الأسلحة. ولذلك أسباب متعددة منها الخوف من قطع المساعدات الأمريكية والهروب من توقيع معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية NPT منذ عام 1968. وتركت إسرائيل الباب مفتوحا أمام التخمين. وصار الأمر وكأن إسرائيل أرادت وبصورة غير مباشرة أن يعلم العالم كله أن لديها الأسلحة النووية وأنها قد تستخدمها إن احتاج الأمر ذلك. الولايات المتحدة تحبذ انتشار الأسلحة النوويةتهتم الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ خطة باروش Baruch Plan التي تم تقديمها أمام الأمم المتحدة عام 1946 بالتصدي لانتشار الأسلحة النووية. ومنذ ذلك الوقت حاولت واشنطن وضع معيار دولي للحيلولة ضد انتشار السلاح النووي. ولكن هذه الرغبة لم تصاحبها سياسة جادة منطقية وواضحة منذ ستينات القرن الماضي. إذ لم تساعد أي سياسة في حل المشكلة جذريا. فلا سياسة إيزنهاور التي رفعت شعار الذرة للسلام Atoms for Peace ولا تلك التي اتبعها الرئيس كينيدي ضد الإنتشار النووي ولا حتي سياسة الرئيس جونسون التي أدت إلي معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية Non Proliferation Teaty وضعت حلا للمسألة. ففي الستينات كان هناك أربعة دول نووية (أمريكا والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة وفرنسا) وفي هذا الوقت بدأت الصين بالانضمام إلي نادي القوي عام 1964. وكان السؤال المطروح حينها كيف يمكن لواشنطن وقف الانتشار النووي. ولم تجد أمريكا الوسيلة الملائمة إلا في مساعدة الهند في برنامجها النووي. فبين الهند واليابان وباكستان كانت الهند هي المرشحة والتي اختيرت لأنها كانت الطريق الأقرب. فحسب تقريرات الوثائق الرسمية ومنها تقرير ماك جيه McGhee المكتوب في الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) عام 1961 نري أن واشنطن تحبذ أن تكون الهند وليس الصين قوة نووية في المنطقة. ولكن باكستان وبعد سنوات صارت هي الأخري قوة نووية ثم تبعتها كوريا الشمالية والبقية تأتي. متي بدأت القصة؟ يتطرق الكتاب إلي تاريخ بناء المفاعل في جنوب صحراء النقب إثر اتفاق قام به شمعون بيريز وغولدا مائير في اليوم التالي لنهاية الحرب عام 1956. ويروي الكاتب الأحداث قبل بداية العدوان الثلاثي علي مصر إثر تأميم قناة السويس حيث جلبت خلالها إنكلترا وفرنسا قدم إسرائيل للاشتراك في الحرب لتأمين منطقة القناة. ويروي الكاتب أيضا النتائج المترتبة علي هذه الحرب إثر تنفيذ خطة احتلال إسرائيل لسيناء ومدن القناة ثم رغبة أرييل شارون حينها للتوجه بجيوشه إلي القاهرة. ويتطرق الكاتب الي لعبة سياسة التهديدات آنذاك حيث هدد الاتحاد السوفييتي بقصف كل من تل أبيب ولندن وباريس إن لم تنسحب القوات الإسرائيلية من سيناء. وما تلا هذه العاصفة السوفييتية بالضغط الذي لم يسبق له مثيل من جهة واشنطن علي إسرائيل حيث طلب الرئيس الأمريكي إيزنهاور من تل أبيب الانسحاب الفوري والغير المشروط من منطقة قناة السويس. وهنا بدأت الرغبة الحقيقية لدي بن غوريون للحصول علي السلاح النووي.والجديد في هذا الكتاب هو أن السلاح النووي الإسرائيلي ولد نتيجة الرغبة لدي الإسرائيليين بردع الاتحاد السوفييتي وليس بالرغبة في ردع العرب. وصار بديهيا لدي تل أبيب أن السلاح النووي بين أيديهم سوف يمنع موسكو من التدخل أو الضغط عليها في أزمة أو حرب مستقبلية مع مصر. وجاء حين ذلك وقت انتهاء الهيمنة التاريخية لفرنسا وإنكلترا كقوي عظمي والتنحي نهائيا من المنطقة ليتركا المكان شاغرا لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وعلي إثر الحرب تم الإتفاق مع الحكومة الفرنسية لمساعدة إسرائيل في بناء مفاعل ديمونة مقابل الانسحاب من سيناء. سر المفاعل محفوظ في مثلث بقراءة تاريخ هذه الفترة نري ان مثلث برغمان وبيريز مع بن غوريون استطاع حفظ السر علي مدي سنوات. وبالاضافة الي السر المحفوظ لدي رئيس الوزراء بن غوريون فإن ثلاث إدارات امريكيه فشلت في ايقاف بناء المفاعل. فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية خلال إدارة الرئيس ايزنهاور خدمت رغبة الاسرائيليين في بناء مفاعل ديمونة. هذه الفترة وما يليها وخاصة السنوات ما بين 1958 و1960 هي التي فشلت فيها الاستخبارات الامريكية في حل لغز ديمونة. ولذلك فان مدير هذا الجهاز ألكس ماك كون Alex McCone عندما علم بالكذبة الاسرائيلية في نهاية عام 1960 استقال من منصبه خلال أحد اللقاءات علي قناة CBS الامريكية. إن مفاعل ديمونة كان موضع تساؤلات لدي إدارة ايزنهاور. ولقد دأب الإسرائيليون علي إخفاء ما يجري في ديمونة حيث كان المفاعل يوصف بأنه ورشة لمنتوجات زراعية تارة ومصنع للمنسوجات تارة أخري مرورا بأنه مصنع لانتاج الحديد والصلب. وفي نهاية عام 1960 صار أمر المفاعل موضوع الساعة في الصحف الامريكية والبريطانية علي السواء. لذلك اضطر بن غوريون الي الاعتراف أمام الكنيست في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1960 بأن ديمونة هو بالفعل مفاعل نووي.سلام كينيدي يرفضه عبد الناصر صار أمر المفاعل منذ ذلك الحين معروفا ولكن بأنه مفاعل نووي لإنتاج الطاقة الكهربائية. ورغم ذلك فإن الإسرائيليين طلبوا من واشنطن أن يبقي أمر ديمونة بعيدا عن التفتـــــيش الدولي. إلا أن ادارة الرئيس كينيدي حاولت القيام بالتفتيش مما ادي الي تـــأزم الأمور بين بن غوريون وكينيدي. وحتي الرغبة الملحة لدي الرئيس كينيدي وسياسته المناهضة لنشر الاسلحة النووية لم تستطع الحد من رغبة اسرائيل في الحصول علي السلاح النووي. إن الرئيس كينيدي كان الأكثر رغبة في ايجاد حل للصراع العربي الاسرائيلي. فلقد حاول تهدئة مخاوف الرئيس المصري جمال عبد الناصرالذي بدأ في إثارة الشكوك حول ما يحدث في ديمونة. كان لدي الرئيس كينيدي رغبة في إحلال السلام في المنطقه ولذلك أرسل مندوبه الخاص ماك كلوي McCloy إلي المنطقة عام 1963. وقد طرح الرئيس كينيدي فكرة السلام كمبدأ للتداول يتم بناؤه أولا وقبل كل شيء علي مبدأ وقف سباق التسلح لدي مصر وإسرائيل. إلا أن جمال عبد الناصر رفض الفكرة معتبرا أن ذلك تدخل في شؤون مصر العسكرية وأن هناك أياد إسرائيلية وراء هذا العرض. وقد أدي موقف القاهرة إلي فشل مهمة McCloy. إلا أن فشل مهمة لجنة ماك كلوي لم يثن رغبة الرئيس كينيدي في معرفة ما يجري في ديمونة. وقد قام كينيدي بالضغط علي إسرائيل بصورة لم يسبق لها مثيل. وكادت ضغوط الرئيس كينيدي أن تشبه الإنذار تجاه تل أبيب حيث نوه كينيدي حينها الي الحكومة الاسرائيلية بأن العلاقات بين البلدين قد يتم خدشها إن لم تقبل اسرائيل المطالب الامريكية بزيارة وتفتيش المفاعل. ولكن اغتيال الرئيس كينيدي نهاية عام 1963 وضع حداً للضغوط الامريكية. ديمونة سبب الحرب خلال سنوات كينيدي ومن بعدها سنوات جونسون قام المفتشون الامريكيون بزيارة مفاعل ديمونة دون نتيجة. ورغم المعلومات المتوفرة والشك الذي يدور حول ما يحدث داخل المفاعل إلا أن الرئيس جونسون لم يظهر الاهتمام به مما أثار الاندهاش لدي بعض أعضاء الاستخبارات الامريكية من موقف الرئيس جونسون تجاه ما كان معروفا عن المفاعل آنذاك. وفي عام 1967 بدأ المفاعل دخول مرحلة الإنتاج وتم تصنيع أول قنبلة نووية إسرائيلية قبل اندلاع الحرب ببضعة أيام. فإن كانت واشنطن لم تكن علي علم بما يحدث في ديمونة فإن ذلك لم يخف عن عيون القاهرة. ولقد أرسل آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر طائرات الاستطلاع فوق منطقة المفاعل خلال شهر آيار (مايو) عام 1967. وكانت نتيجة ذلك أن بدأت حينها مشاعر الخوف داخل إسرائيل ووصل الامر الي أن جنرالات الجيش الاسرائيلي وعلي رأسهم أرييل شارون في التفكير بإرغام الحكومة الاسرائيلية علي شن الحرب ضد الجيش المصري. إلا أن حرب الأيام الستة اندلعت وغيرت وجه المنطقة. وصارت إسرائيل منذ نهاية حرب عام 1967 وهزيمة مصر متأكدة من هيمنتها في المنطقة وأن سياسة الردع تجاه جيرانها العرب صارت ناجحة دون أدني شك. فشل الردعمــــن الجــــــدير بالذكـــــــر أن ســـيــــاسة الـــــــردع الإسرائيــــلية تقــــــوم علي مفاهــــيم نظــــريات الردع العقلاني Rational Deterrence Theories المتعارف عليها في مجال الدراسات الاستراتيجية. وحسب مفاهيم هذه النظرية فإن الاقوي ( القوة النووية) يكفي لها تهديد الخصم الضعيف لكي تأمن من أن يقوم هذا الخصم بالهجوم عليها. وبذلك فإنه حسب المنطق الذي تقوم عليه هذه النظرية فإن التهديد وحده والذي يقوم به الأقوي هو كاف لكي يحبط أي عزيمة لدي الخصم الضعيف. ولكن سياسة الردع الإسرائيلية وجدت نفسها ومنذ البداية أمام خصوم لا يردعون ولا ينصاعون لمنطق الردع العقلاني. هؤلآء الساسة أو القيادات العسكرية رغم أنهم لا يأخذون قراراتهم حسب منطق العقلانية البحتة إلا أنهم هم أيضا عقلانيون ويأخذون قراراتهم حسب مبدأ عقلانية القيم. وهذا ماحدث وأدي إلي إتخاذ قرارات الحروب. وما حدث قبل حرب 1967 واثناء حرب الاستنزاف في عام 1969 ـ 1970 ثم حرب اكتوبر عام 1973 هز مفاهيم هذه النظرية دوليا وخاصة فيما يختص بالحالة الاسرائيلية لأن هذه السياسة الردعية تم بنائها علي مبدأ الغموض النووي. وما حدث عام 1991 عندما أرسل صدام حسين الصواريخ علي تل أبيب ثم ما حدث أثناء الحرب الاسرائيلية الاخيرة في جنوب لبنان وضرب المدن الاسرائيلية بصواريخ حزب الله ما هي إلا أمثلة واضحة علي فشل إسرائيل في سياستها الهادفة الي ردع العرب بالسلاح النووي. ولذلك فإن فشل الردع الإسرائيلي هو ما أدي إلي قبول الطرفين المصري والإسرائيلي باتباع طريق السلام. فمن جهة أعطي هذا الفشل الثقة للمصريين ومن جهة أخري كسر هذا الفشل رؤية إسرائيل لنفسها كقوة لا يمكن التعدي عليها. الردع العقلاني واللا مردوعونمنذ عام 1963 وقد بني الاستراتيجيون الاسرائيليون سياستهم النووية علي الغموض وعدم الاعتراف رسميا بحيازة الاسلحة النووية. هذه السياسة تقــــوم علي المقولة المعروفة بالغموض والتي تقـــــول إن إسرائيل لن تكون أول دولة تقوم بإدخال الأسلحة النووية في المنطقة. هذه الجملة التي طمن بها شمعون بيريز الرئيس الأمريكي كينيدي صارت الخط الذي أدرجت عليه كل التصريحات الرسمية لجميع الحكومات الإسرائيلية منذ ذلك الحين. إلا أن إسرائيل لم توضح ماذا تعني بكلمة إدخال. وعلي المستوي النظري ومن وجهة النظر العملية فإن إسرائيل تتبع النمط الفرنسي القائم علي أسس دفاعية بالردع العقلاني للخصم. هذا المذهب رغم ما يشوبه من عيوب قد يمكن تطبيقه نظريا علي القوي النووية التي لا تخفي أسلحتها النووية كما تفعل إسرائيل. وبالاضافة الي أن إسرائيل تفتقد عنصر العمق الاستراتيجي خلافا عن باقي القوي النووية الاخري فإنها أيضا تنفرد بعنصر الغموض ولا تعترف رسميا بحيازتها لهذه الأسلحة. وهذا ما يؤثر سلبيا وبصورة واضحة علي مصداقية العصي النووية التي تمتلكها الدولة العبرية. أما من وجهة النظر العقلانية البحتة فإن المعادلة غير منطقية. فكيف يمكن لخصم إهتم باثارة الشك حول ترسانته النووية أن يصدق في منطق الردع مع استمرار وضع هذه الترسانة في منطقة الغموض الذي لا يتماشي مع مفاهيم النظرية القائمة علي الحسابات الدقيقه وبديهيات الوضوح في تنفيذ التهديد باستخدام عصاها النووية ضد من يتجرأ في الهجوم عليها. فشل الردع الإسرائيلي إلي متي؟ إذا أردنا أن نري مدي نجاح سياسة الردع النووي الإسرائيلي فعلينا الرجوع للوراء. لأن الدراسة الدقيقة لتاريخ الصراعات والحروب مليئة بالأمثلة التي تثبت فشل مفهوم الردع عموما. وفشل هذه السياسة بات واضحا إذا ما بني علي غموض كما تفعل إسرائيل. ولذلك فإن الحروب التي اندلعت منذ عام 1956 ما هي إلا مثل علي فشل إسرائيل في إحباط عزيمة جيرانها العرب. والقراءة الدقيقة لأحداث ما قبل كل حرب وخاصة حرب أكتوبر عام 1973 هي دليل علي صدق هذه الأطروحة. وعلي ذلك فإن تهديدات إسرائيل بضرب بغداد عام 1991 لم تمنع صدام حسين من إرسال 36 صاروخا علي المدن الإسرائيلية. وأخيرا فإن الترسانة الإسرائيلية والتهديدات ضد حزب الله لم تمنع نصر الله خلال الحرب في تموز (يوليو) 2006 من إطلاق ما يقرب من 4000 صاروخ علي مدن إسرائيل. اللحظة الأكثر ألما في حياتي هي يوم اكتشفت أن الحسابات هي أقوي من التاريخ والجغرافيا الإسرائيلية … لقد اكتشفت أنه إذا حاولنا الاحتفاظ بالأرض فمن الآن وحتي عام 2020 سيصير العرب ستون بالمئة ويكون اليهود أربعين بالمئة ، قال إيهود أولمرت قبل انتخابه رئيسا للوزراء. الدولة العبرية ما زالت دون حدود شرقية حتي الآن. ولذلك فإن أولمرت هو أول رئيس وزراء يريد وضع حدود نهائية لإسرائيل. فمنذ تقسيم فلسطين عام 1948 هذه هي المرة الأولي التي ينشغل بها رئيس وزراء إسرائيلي وبشكل واضح بهذا الشأن، علما بأن البيئة الاستراتيجية الحالية تختلف جذريا عن الماضي. فإن كانت إسرائيل قد بنت مفاهيمها الردعية بالحصول علي الأسلحة النووية في خمسينيات القرن الماضي فهي الآن أمام تغيرات جذرية في البيئة الاستراتيجية الجديدة التي تفرض نفسها في ظل المتغيرات التي طرأت وتطرأ علي المنطقة. فمنذ احتلال العراق ورغبة إيران الملحة في الحصول علي السلاح النووي فإن دائرة الصراع قد إنفرجت خاصة وان هناك رغبة لدي موسكو للعودة إلي دائرة التأثير علي الساحة السياسية في المنطقة. ثم أن ما حدث من فشل للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان أمام مقاتلي حزب الله أظهر نقاط ضعف لم تكن مسبقا في الحسبان علي المستويين السياسي والأمني الإسرائيليين. وصارت أسطورة الجيش الذي لا يقهر والتي اهتزت إثر حرب عام 1973 صارت مهزوزه وبلا رجعة. فإذا ما أخذنا في الحسبان ما أصيبت به سياسة بوش في السنوات الاخيرة من فقدان مصداقيتها وعجزها عن إيجاد الاستقرار في العراق وإذا ما أخذنا التخبط الذي تظهره الإدارة الأمريكية في رؤيتها لمستقبل المنطقة بين شرق أوسط كبير تارة وشرق أوسط جديد تارة أخري فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هو مستقبل سياسة الغموض النووي الإسرائيلية؟ ہ إعلاي مصري مقيم في فرنسا دكتوراة في العلوم السياسية7