اسم الطبخة

حجم الخط
0

عزت القمحاوي ليت للشيطان وجهًا فنرى فيه حمرة الخجل مما يجري في سورية. هذا التدافع إلى الموت، القادر على زلزلة ضمير الشيطان، لا يهز ما يُسمى بـ ‘الضمير العالمي’ ممثلاً في ضمائر رؤساء الدول القوية، مرورًا بالمبعوثين الراضين ببدلات السفر، وانتهاء بالمتظاهرين في عواصم العالم الذين كانوا يخرجون غاضبين لموت أقل في مناسبات مختلفة، ولم يهتزوا للموت السوري الفادح.كيف تحولت انتفاضة الحرية إلى حرب دموية دون أن يكون هناك من يعبر عن حزنه؟ من الذي حول الربيع السوري إلى فصل في الجحيم، ومن الذي طمس ثورة تغني ووضع بدلاً منها صورة حطام جنة تنوح وحدها على موت غامض بلا عزاء؟لا غالب ولا مغلوب في سورية اليوم. مقتل جنود الجيش لا يُفرح أحدًا، ولا يجلب العزاء لأمهات الشهداء الأطفال؛ فالجندي هو الآخر طفل. طفل بنظر والديه على الأقل، يذهب إلى التجنيد الإجباري بزغب الطفولة، لأن المجتمع الاستيطاني المحارب الذي تم زرعه على الحدود فرض صيغته المثلى على جيرانه؛ فالجيش في سورية كما في مصر ليس جيش محترفين ينتسب إليه الشباب مختارين، بل ضريبة دم تحق على من بلغ الثامنة عشرة مالم تشغله الجامعة عامين آخرين. من المفترض ألا يُطلق الجندي الرصاص عندما يستدير إلى الخلف، وألا تُدفع الضريبة من دمه إلا على الحدود، دفاعًا عن كرامة الشعب، الذي يصبح في حالة الحرب أسرة، وتصبح كل أم أمًا لكل شهيد، ويصبح للعلم المحتضن لجثمان الشهيد معنى.ولكن النظام العاجز لم يطلب الضريبة في أوقاتها، ولم يكن أمينًا على الدماء فيوجهها إلى مصرفها الشرعي الوحيد في مكانها الوحيد: على الحدود.وهذه الدماء التي أسالها على الحدود مع تركيا، ليست دفاعًا عن سيادة، لا إحياءً للحق السوري في لواء الإسكندرون، وليست تحررًا من خزي الامتثال لقسمة المياه الجائرة التي فرضتها الجارة القوية، بل طيشًا وعبثًا في عبث.عبثًا قتلت القذيفـــــة الطائشة مواطنين أتراكًا في قريتهم، وعبثًا يموت جنود الجيش السوري تحت طلعات التأديب التركية.موت إضافي، في غير وقته، ومن غير هدف نبيل، لأن نظامًا موغلاً في بنية العصابة ادخر الدماء لنفسه، وساق شبابًا إلى الموت في مواجهة إخوتهم، قبل أن تطيش القذيفة باتجاه الحدود. حتى الشبيحة، خط الدفاع الأول عن النظام قبل الجيش، كانوا إخوة للثوار. الذين طردوا الغناء العذب من الميادين واجتثوا حناجر المغنين، وكسروا أصابع الرسام وفقأوا عيون المصورين، كانوا إخوة لضحاياهم، قبل أن يهينهم النظام مرة بالتجويع ومرة بالإشباع لقاء التنكر لإنسانيتهم.والنظام لم يفعل ذلك بإرادته المنــــفردة. أي معــــتوه بوسعه أن يدرك جوهر المباركة الأمميـــــة الخسيسة لهذه الحرب، يستوي في ذلك أصدقاء سورية وأعداء سورية، والذين ييقفون بين بين.يفهم المعتوه ما يفهمه العاقل من خلال النتائج اليومية الفادحة التي لا تؤلم مراقبًا ولا ترتب حلاً. جدران مطبخ الأمم لا تخترقها الروائح، ولا يمكن لأحد أن يكون على يقين من حجم مساهمة هذا الطباخ أو ذاك، لكن ألسنة اللهب لم تعد خافية، وستأكل فيما تأكل مستقبل الكيان الاستيطاني الذي تعد كل هذه الطبخة على ذوقه.إسرائيل، الجملة الاعتراضية في التاريخ والجغرافيا، هي أهم أعمدة المأساة السورية، واجب حمايتها مصون حتى من النظام الموغل في ذبح شعبه، لذلك تطيش القذيفة باتجاه تركيا فتقتل المدنيين وتطيش باتجاه الجولان فتحل سهلاً بلا خسائر حتى الآن، وبلا احتجاج من إسرائيل. تحمل الطبخة الواحدة اسم قذيفة المورتر الطائشة أو مساعدة اللاجئين أو تسليح المحاربين، ولكن المائدة المسمومة تتسع لكل الأطباق والوليمة لكل السوريين، بينما تجري على مائدة الأمم أخطر جولة قمار في الاثنتي عشرة سنة التي انقضت من الألفية الثالثة. مقامرة خطرة على المنطقة كلها، لأن الأحــــداث لا تجري بالضبط في المسار الذي ترسمه المؤامرة، فالتاريخ ليس صاروخًا توجهه في الفضاء غرفة التحكم لينطلق خفيفًا خارج تأثير الجاذبية. التاريخ قطار يتأثر بمقاومة الأرض والهواء، الأمر الذي قد يحرفه عن مساره، وفي مرات نادرة قد يدفع به انحدار الأرض وثقل الحمولة في الاتجاه المعاكس.وبفعل قوى الاحتكاك غـــــير المحسوبة قد تمسي ســــورية نكبة إسرائيل الأولى رغمًا عن إرادة من خططوا لجعلها نكبة العرب الثانية. ووقتها فقط، سيعرف الطهاة اسم طبختهم الغامضة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية