الاتحاد الأوروبي يشترط فعليا تغيرات في المناهج الفلسطينية مقابل عودة مياه الدعم لخزينة السلطة وهو أمر تعارضه مؤسسات فلسطينية وتعتبره أمرا سياديا.
رام الله ـ «القدس العربي»: حشدت السلطة الفلسطينية كل أدواتها المتاحة الرسمية والدبلوماسية من أجل العمل على استئناف الدعم الأوروبي المتوقف منذ عام 2021. وفي الأيام الأخيرة كان المشهد يشبه غرفة طوارئ وذلك قبيل إقرار موازنة الاتحاد الأوروبي والتصويت الذي جرى أواخر الأسبوع الماضي لاستئناف الدعم لفلسطين الذي يبلغ في متوسطه السنوي حسب الصحافي الاقتصادي محمد عبد الله خبيصه 220 مليون دولار (وهو ما يعني 700 مليون شيكل أي 4 في المئة من مجمل الإنفاق الفلسطيني السنوي). وهو ما يمثل أقل من إجمالي فاتورة الرواتب لشهر واحد فقط، ونصف حجم اقتطاعات الاحتلال الإسرائيلي من أموال المقاصة تقريبا.
وإن كان الحديث عن استعادة الدعم الأوروبي لخزينة السلطة لكن العين الحقيقية على المناهج الفلسطينية. حيث أكدت أطراف فلسطينية أن الاتحاد الأوروبي يشترط فعليا تغيرات في المناهج الفلسطينية مقابل عودة مياه الدعم لخزينة السلطة وهو أمر تعارضه مؤسسات فلسطينية وتعتبره أمرا سياديا.
تصريحات مسؤول الإعلام في مكتب الاتحاد الأوروبي في القدس شادي عثمان أفادت أن الاتحاد مستمر في دعمه المالي للفلسطينيين، نافياً وجود أي قرار بوقف الدعم أو تجميده، حيث رد التأخير في تحويل الدعم المالي إلى نقاش داخلي مستمر في مؤسسات الاتحاد في انتظار الوصول إلى توافق حوله.
ما اعتبره عثمان «مسألة وقت» أي استئناف الدعم الأوروبي ينظر إليه الفلسطينيون على أنه ابتزاز غربي ورغبة جامحة من المؤسسات الغربية على أن تكون المناهج الفلسطينية مجافية ومنافية وغير منسجمة مع الوقائع على أرض فلسطين المحتلة.
صحيح أن مسؤولين فلسطينيين يدلون بتصريحات دبلوماسية منسجمة مع تصريحات مسؤولين أوروبيين مثل أن الدعم الأوروبي سيصل بكل الأحوال، إلا أن أساس القضية التي لم تطو فصولها بعد تعود لعام 2017 حيث بدايات ضغط الاتحاد الأوروبي من أجل تغيير مناهج التعليم في المدارس الفلسطينية عمومًا، بما فيها مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى «الأونروا».
جهات فلسطينية مطلعة اعتبرت تأخير إقرار اتفاقية الدعم المالي السنوية من الاتحاد الأوروبي يرجع إلى «خلافات داخلية بين مفوض الاتحاد الأوروبي لسياسة الجوار أوليفر فاريلي ودول أوروبية كبيرة ومؤثرة».
وتتهم مصادر فلسطينية فاريلي بإنه يعمل على تمرير اتفاقية مالية، لكن مشروطة بتغيير السلطة المناهج الفلسطينية.
تحريض ممنهج
ثروت زيد، وكيل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، أكد وجود شروط ومطالبات أوروبية لتعديل المناهج الدراسية الفلسطينية مؤكدا أن هذه المحاولات أو الشروط ترتبط أساسا بمحاولات تقوم بها السلطة القائمة بالاحتلال.
وأضاف زيد في حديث خاص بـ«القدس العربي» أن هذا الموقف الأوروبي مرتبط أساسا بمحاولة من مؤسسة فرنسية يقودها ضابط إسرائيلي متقاعد تدعى «IMPACT-SE» (معهد بحثي إسرائيلي محافظ) ومعهد «جورج إيكرت» الألماني المتخصص في أبحاث المناهج الدراسية حيث يبذلان محاولات للتحريض على المناهج الفلسطينية على مستوى الدول الأوروبية والغرب عموما ويتعاملان مع المنهاج الفلسطيني وفق الأسطورة الصهيونية ومفرداتها المتمثلة بالإرهاب والعنف واللاسامية.
ويؤكد زيد أن الملاحظات الغربية على المنهاج الفلسطيني كثيرة من ضمنها «أن المنهاج لم يتعرض لذكر إسرائيل وهو أمر نعتبره مبررا في ظل أننا إزاء احتلال لم يحدد حتى اللحظة حدوده، إضافة إلى أنهم يتهموننا بأننا وحدنا اللغة نحو إسرائيل بصفتها عدوا والحقيقة أن هذا صحيح حيث أن الواقع الفلسطيني لم يجد من الإسرائيلي إلا الجندي والمستوطن والمستعمر».
ويضيف: «جانب من الملاحظات اعتبار القدس عاصمة لدولة فلسطين وهذا أمر نعتبره ثابتا فلسطينيا ولا مجال للحديث حوله لا في مناهجنا ولا في غيرها، وكذلك تمجيد الأبطال من شهداء وجرحى وأسرى ونحن نرى أن ذلك انسجام التربية والتعليم مع السياق الحياتي المعاش».
ويشدد «نحن نشبه أي شعب بالعالم، لدينا رموزنا من دلال المغربي وأبو عمار وأحمد ياسين وعز الدين القسام..الخ، هؤلاء رموزنا وأبطالنا ولا يمكن إلا أن يحضروا في مناهجنا بصفتهم أبطالا».
ويضيف زيد ان من نقاط الخلاف مسألة التراث الفلسطيني الذي ننظر إليه على أنه غني ومتجدد وليس مجرد صور أو أشكال أو أرقام، إنه تراث مرتبط بالحياة وتفاصيلها المختلفة وفيه الثوب والأغنية والتطريز والمقاومة أيضا وهذه الأخيرة وردت في القانون الدولي الإنساني وكل الأطراف المرجعية من قانون فلسطيني ووثيقة الاستقلال.
ويستذكر زيد الجهود التي بذلتها المؤسسة الصهيونية «إمباكت أس إي» لوجود قصة عن الشهيدة دلال المغربي في كتاب التربية للصف الخامس حيث ترتب على ذلك توقف دعم دولة بلجيكا لوزارة التربية والتعليم.
ويؤكد ان المنهاج الفلسطيني يقوم على مجموعة من المرجعيات من ضمنها القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، والنوع الاجتماعي.
ويسرد تاريخ محاولة الجهات الأوروبية في التدخل بالمنهاج الفلسطيني حيث أنجز الاتحاد الأوروبي دراسة عن المنهاج الفلسطيني بدأت عام 2018 وقام على الدراسة معهد جورج إيكرت الألماني الذي أنجز مسودة للدراسة ما بين عامي 2018 – 2020 حيث وصفت المنهاج بانه يحاكي العالمية ويراعي المعايير المعتمدة.
وأكمل حديثه قائلا: «لاحقا رفضنا الدراسة النهائية التي نشرت في شباط/فبراير 2021 لأسباب كثيرة من ضمنها أنها ذكرت مثلا أن الفلسطينيين يتحدثون عن حقوق الإنسان لكنهم يجيرونها ضد الاحتلال الإسرائيلي».
وتحلل دراسة جورج إيكرت ما بين أيلول/سبتمبر 2019 إلى حزيران/يونيو 2021 المناهج الفلسطينية، وتعرض أن القصة الفلسطينية تُروى من جانب أحادي لا يركز على الرواية الإسرائيلية في الصراع.
وحسب المؤسسة الألمانية فقد «فحص مشروع البحث محتوى الكتب المدرسية الفلسطينية التي تتناول الكراهية أو العنف، وتعزيز السلام والتعايش الديني، إضافة إلى العناصر التي تتناول المصالحة والتسامح ومراعاة حقوق الإنسان» حيث أظهر أنّ المناهج التعليمية الفلسطينية تقدم الروايات المعادية، والتصوّرات أحادية الجانب لـ«الآخر» الإسرائيلي في تصوير الكتب المدرسية للفلسطينيين الإسرائيليين… وأن المناهج تعرض العنف للفلسطينيين، بما في ذلك أن العنف ضد المدنيين هو وسيلة شرعية للمقاومة في فترات معينة من التاريخ الفلسطيني، إلى جانب الطرق السلمية والدبلوماسية لمواجهة إسرائيل.
ويرى زيد أن أسوأ ما في هذه الدراسة هو توصياتها التي ذهبت بعيدا جدا في تقديم اقتراحات من ضمنها توفير خبراء ألمان وفلسطينيين وإسرائيليين للعمل على تطوير المنهاج الفلسطيني.
ويضيف: «طلبنا من الأوروبيين إنجاز دراسة مقارنة على المنهاج الفلسطيني والإسرائيلي لكنهم رفضوا بحجة أنهم لا يقدمون دعما لإسرائيل».
ويرى أن المنهاج الفلسطيني يمثل السيادة الفلسطينية، وهو الوعي الفلسطيني ولا يمكن المساومة عليه، و«نحن على استعداد تام لتطويره وفق رؤية فلسطينية وحاجة المجتمع» وأكد أن «الوزارة تتقبل أي ملاحظات من الخبراء الفلسطينيين ومؤسسات المجتمع المدني شرط ان تكون منسجمة مع القانون الأساسي الفلسطيني والرؤية والمرجعية الفلسطينية».
ويؤكد زيد انه ليس هناك «احتلال سبع نجوم» يظهر في المنهاج الفلسطيني، فمناهجنا تتوجه لأبنائنا وهي ليست لأوروبا أو الكيان الصهيوني الذي يعمل اليمين المتطرف في الدول الغربية بانحياز كامل له.
ويشدد انه لا يجب بأي عرف أو منطق أن نزيف الواقع، الانتهاكات الإسرائيلية يومية وأكثر من أن تعد أو تحصى، ومنهاجنا أكثر كلمة تعبر عنه أنه حقيقي ويظهر ما يقوم به الاحتلال على الأرض. معتبرا أنه لا يمكن ان يكون المنهاج منفصما عن الواقع.
ويختم: «منهاجنا هو ممارسات الاحتلال اليومية التي تنتهك كل الحقوق والحريات».
المسألة أعقد من الأموال
بدورها ترى المحللة السياسية نور عودة المسألة أعقد من مبلغ مالي، فهناك أكثر من شيء يحدث في ذات الوقت. من ناحية، صعود اليمين في أوروبا جعل من بعض الحكومات وكيلة لإسرائيل في البرلمان الأوروبي.
وتقول: «دول مثل المجر التي تقدمت بمشروع قرار يفرض هذا الربط بين المساعدات وتغيير المناهج. هذا المشروع سقط لكن لم تكن عدد الدول المصوتة ضده كافية لإلغاء النقاش والمصادقة على المساعدات وبالتالي الموضوع الآن قيد البحث في رئاسة الاتحاد. هذا من الناحية الداخلية والإجرائية».
وتتابع: «من الناحية السياسية، لم يعد الوهن الرسمي الفلسطيني وغياب الرؤية خافيا على أحد وبات من السهل جدا ممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية التي تدافع عن بقائها في ظل غياب الانتخابات والحياة السياسية. يعني كما نقول بالعامية: «عينهم مش قوية» في النقاش مع الأوروبيين. هذا الوهن الفلسطيني المفضوح يسهل أيضا على الأوروبيين وغيرهم أن يتجنبوا الحديث في الجوهر وهو إنهاء الاحتلال ومحاسبة إسرائيل على جرائمها – وهو أمر أهم بكثير من الدعم المالي».
وتشدد عودة أنه في ظل هذا الانسداد وفي ظل إنشغال أوروبا بالحرب في أوكرانيا وممارستها لازدواجية المعايير بهذه الطريقة السافرة، الطريق الأمثل والأسهل والأكثر جدوى فلسطينيا هو الالتفات للوضع الداخلي والعودة لصندوق الاقتراع.
وتختم: «لا يمكن للعالم أن يتعامل معنا بجدية طالما بقينا منقسمين ونظامنا السياسي في حالة يرثى لها. من يقول غير ذلك إما واهم أو محترف للكذب».
وفي دراسة لمركز «مسارات» حملت عنوان «تدخّل الاتحاد الأوروبي في المناهج التعليمية الفلسطينية» للباحثة مجد حمد أشارت إلى أن التقارير البحثية التي تقدم إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية تؤثر كثيرا على قرارات الدعم المادي للفلسطينيين في شتى المجالات؛ وهو ما يؤثر في المبالغ المالية التي يتلقاها الفلسطينيون، وقد يؤدي ذلك إلى وقف الدعم المالي، من أجل الضغط على الفلسطينيين بشتى الطرق، ومنها تغيير المناهج الفلسطينية؛ الأمر الذي ينعكس سلبًا على العملية التعليمية، وتشكيل الهوية الفلسطينية.
وتؤكد ورقة للباحثة حمد أن تغيير المناهج سيؤدي في حال عدم تغير الواقع الذي تستمر فيه إسرائيل بالاستيطان والاستعمار، إلى انفصام في أوساط الجيل الناشئ؛ حيث هناك أراضٍ ودولة تحت احتلال، ومناهج لا يذكر فيها الاحتلال أو العنف الذي يمارسه الإسرائيليون منذ عقود.