في حوار لي مع مجموعة من الشابات حول المسؤولية المالية في الأسرة، أصرت الأغلبية العظمى منهن أن تلك المسؤولية مناطة بالرجل، وأنه حق «طبيعي» لهن أن يتلقين الرعاية المالية بداية من المهر المدفوع لإتمام الزواج مروراً بتغطية احتياجاتهن المنزلية والشخصية وانتهاء بمتطلباتهن الترفيهية. وحين سألت عن سبب الاعتقاد أن هذا واجب مستحق على الرجل وحق طبيعي للمرأة، أجبن أجوبة عدة كلها من النوع الذي يفسر الماء بالماء، مثل لأنه هو الرجل، هو الذي سيأخذني من بيت أبي، أنا وأبناؤه مسؤوليته، قد أساعده لكنني لا أتحمل مسؤولية بيته، والجملة المفضلة لدي: أنا أتلقى المهر حتى أتجهز وأحضر نفسي له. وعلى كل إجابة من تلك، عقبتُ بـ «لماذا»، ومن لماذا إلى لماذا، استُفِزّت الشابات قافزات للإجابة القاطعة «الشرع يقول كذلك». حجة «الشرع يقول ذلك» -بادرتُهن- هي حجة المتعثر في الإجابة والراغب في الانتصار بتخويف وإسكات الطرف الآخر، ولكن أليست قناعتكن أن الشرع مبني على المنطق؟ أليست الشريعة «كالماء الجاري»؛ قابلة لإعادة التفسير والتأويل؟ دعونا إذن نركز على الجانب المنطقي من النقاش.
بدا طلبي هذا عسيراً بعض الشيء، ذلك أن الموروث يتحول تلقائياً إلى حق وحقيقة غير قابلين للجدال، حتى إن التساؤل حوله يتبدى سيريالياً، ومساءلة استحقاقه وسبب تلقائية تنفيذه يتبديان وكأنهما منافيان للطبيعة. بدأت معهن من «أفضل» حججهن: تتلقين المهر لتحضرن أنفسكن، هل تفقهن بُعد هذه الجملة ومعناها؟ ألا تتبدى لكن أي إشكالية في المعنى المتضمن فيها؟ تتضاحك الوجوه، فيما «تتكرمش» جباه أخرى معبرة عن ثقل الفكرة الناخرة في الوعي. أحاججهن: إنه قانون الحياة، من ينفق المال يصنع القرار. وعليه، إذا آمنت بأن الإنفاق واجب رجلك، فإنك تؤمنين بأن طاعته واجبك كذلك، بلا نقاش أو جدال. القوامة هنا هي قوامة مالية، الرجل راع وقائد ومطاع لأنه ينفق، الأمر في النهاية يعود كله للمال. مؤلمة بالطبع هي هذه الفكرة أساساً، أن حياتنا بكل تفاصيلها، حتى تلك التي نعتبرها أخلاقية أو أيديولوجية أو إيمانية أو اجتماعية، إنما هي مرتبطة بالقدرة المالية ومناطة بالمستوى الاجتماعي.
إنها قصة قديمة غائمة، مازالت المرأة تتعارك ومعانيها ومعطياتها. فأن تكون المرأة محمولة مكفولة، مشمولة بالرعاية المالية الكاملة، لن يتحقق ذلك بلا ثمن، وهذا الثمن سيتجلى أول ما يتجلى في استملاك المرأة الرمزي والحقيقي، بدليل أنه يحرم عليها رفض رغبة زوجها، بدليل أنه لا يوجد اغتصاب في الزواج، وبدليل أن الطاعة الكاملة هي أهم واجباتها. «المزايا» إن صح التعبير، لها ثمن. أن تنال المرأة حماية مالية، دنيا كانت أم عليا، مدى الحياة، ستدفع لذلك ثمناً من حريتها وامتلاكها لأمر حياتها واستقلاليتها وتحرر روحها وجسدها.
بالطبع، الحياة المشتركة ليست مصوغة بهذه الصورة الجامدة، وشركاء الحياة يمكنهم أن يقسموا واجباتهم وخياراتهم كما يحبون، إنما الحديث هنا يدور حول القاعدة الأساسية التي تبدأ من «عطية» المهر كإشارة رمزية لمفهوم الأجر مقابل العمل، وهو ما يتجلى في مسائل أخرى عدة اجتماعية دينية، مثل استحقاق المرأة للأجر عن إرضاع طفلها. تجمِّل هذه القاعدة، التي ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، في أعين النساء فكرة أنهن محمولات مادياً مدى الحياة دون استيعاب الثمن المقابل المدفوع، وهو ثمن استشكالي إنسانياً وكراماتياً. تذكّر سيمون دي بوفوار النساء دوماً بأن العدالة في الحياة أهم من السعادة والراحة فيها، فهل يمكن أن تضحي النساء بالحق المادي مقابل حقوقهن الإنسانية الأساسية، مقابل الحرية والاستقلالية والعدالة؟ بلا شك، الموضوع ليس بهذه البساطة، ففرص النساء في العمل أقل من فرص الرجال، والتفاوت في الأجور مشكلة مازلت قائمة، والعوائق الاجتماعية والتقاليدية أمام تحقيق مستقبل مهني هي جد ضخمة. وعليه، تبقى النساء عالمياً أضعف مادياً من الرجال، ما يضع وبكل يسر موضوع المسؤولية المالية وتبعاتها من سلطات واستحقاقات اجتماعية وحياتية كاملة في يد الرجل. مازلت أتذكر «اعتراف» رجل الدين ذاك بأن أسباب ارتفاع نسب الطلاق الآن هو عمل المرأة، ثن تحررها المالي النسبي، حيث ينصح بإعادة النساء للبيوت ومنعن من العمل لتقليل نسب الطلاق، أي سحب اقتدار المرأة المالي، وبالتالي اختيارها الحر في بقائها في زواجها من عدمه، فهذا الشيخ يفضل قسر المرأة على البقاء في وضع اجتماعي تكرهه عن خلاصها بسبب قدرتها على إعالة نفسها، منطق ذكوري مظلم بامتياز.
لا بد من إصلاح التركيبة الأيديولوجية والاجتماعية في العالم أجمع، بحيث تتساوى قوى وفرص النساء بالرجال، وهذا نضال طويل ومستمر وعسر، ولا بد للمرأة أن تقبل بتحمل مسؤولياتها المالية كاملة حتى تصبح نداً اجتماعياً وإنسانياً، لا رعية تستوجب الرعاية والحماية، ومن ثم عليها الطاعة والرضوخ. والآن يبدو الموضوع كالبيضة والدجاجة، لا ندري أيهما يجب أن يتحقق أولاً ليتحقق تاليه، لكن ما أتصوره واضحاً أننا إذا أردنا انتزاع حقوقنا ومكانتنا الإنسانية كنساء، فعلينا أن نقدم النضال وما يتطلبه من تضحيات أولاً، علينا أن نتحمل المسؤولية، إن كان ممكناً ومتاحاً تحملها، وأن نساعد بعضنا بعضاً، وأن ننبه بعضنا بعضاً حتى نخرج من الدائرة المفرغة التي ندور فيها بكل «راحاتها» المصطنعة وإذلالاتها الحقيقية.
لربما يبدو توقيت الشهر الفضيل ليس هو التوقيت الأنسب لمناقشة موضوع استشكالي شرعاً، إلا أنني أجادل بأنه تحديداً الأنسب لمناقشة موضوع حقوقي إنساني له كل هذه الأهمية والتأثير، وأن هذا الشهر بما يحمل ويقدم من معاني أخلاقية معني تحديداً بقضية كهذه تمس فلسفة حياتنا بأكملها على هذه الأرض. ولربما يبدو توقيت الظروف المحيطة ليس هو التوقيت الأنسب لمناقشة موضوع يبدو هامشياً، إلا أنني أجادل أن مواضيع النساء دوماً ما ستبدو هامشية، هي دوماً مواضيع مؤجلة، في ذيل قائمة الإنجازات المنتظرة، في مؤخرة طابور القضايا الإنسانية المستحقة. ما تعانيه نساء العالم بدءاً من الفلسطينية، السورية، السودانية إلى غيرها من هؤلاء البطلات الرازحات أسفل حروب وحشية، يفترض أن يصعّد قضايا المرأة إلى أعلى سلم الأولويات ويعطي استحقاقاتها صفة الاستعجال حتى تتعادل كفتا ميزان العالم، ويبدأ السلام والعدالة والاستقرار بالاستتباب في أنحائه.