اشكالات سياسية وقانونية في قضية اعدام صدام حسين
د. محمد رضواناشكالات سياسية وقانونية في قضية اعدام صدام حسين اثارت قضية اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فجر يوم عيد الاضحي وخلال احد الاشهر الحرم التي يجلها المسلمون، ردود فعل غاضبة بالعالمين العربي والاسلامي، ليس فقط بسبب توقيت تنفيذ حكم الاعدام وطريقة اجرائه فحسب، وانما بسبب تنفيذ هذا الحكم الصادر عن هيئة قضائية تعرضت للطعن والمؤاخذة من قبل اكثر من جهة عربية ودولية.ولم تقتصر هذه الردود علي العرب والمسلمين، شعوبا وقادة احيانا، وانما صدر كثير منها ايضا من جهات اجنبية عديدة، منها افراد وشعوب ودول ومنظمات، بل ان الادارة الامريكية نفسها، التي تقف وراء كل ما يجري من اهوال للعراق والعراقيين، ابدت موقفا سلبيا من طريقة اعدام صدام حسين.ويبدو واضحا ان قضية اعدام الرئيس العراقي الاسبق، تطرح عدة اشكالات سياسية وقانونية، وهو ما تعكسه حركات الاحتجاج ومواقف التنديد وردود الفعل الرافضة، عبر مختلف مناطق العالم وبخاصة في العالمين العربي والاسلامي.وبغض النظر عن المواقف التي عبرت عن رفضها لاعدام صدام من منطلق رفضها المبدئي لمسألة تنفيذ الاعدام علي اي كان، من حيث كون الحكم بالاعدام اجراء عقابيا ينبغي ان يختفي من الترسانة القانونية الوطنية والدولية، فان الجدل الذي اثارته هذه القضية يرتبط، اساسا، باعتبارات موضوعية تجد مرتكزاتها في الواقع السياسي العراقي، وكذا في مجال القانون الدولي الانساني.فتنفيذ الاعدام في حق الرئيس العراقي الاسبق الذي اطاحت به قوي الاحتلال الامريكي، وقبل ذلك محاكمته في وضع سياسي وأمني غير مستقر بالبلاد نتيجة استمرار الاحتلال الاجنبي، يمثلان حالة غير مسبوقة في التاريخ السياسي الدولي المعاصر، ومعلوم ان جميع الاعمال التي تقوم بها سلطة الاحتلال بأي بلد من البلدان، وخاصة ما يكون لمثل هذه الاعمال من طبيعة سياسية او ترابية او ادارية او قانونية، لا تكتسب اية مشروعية، لسبب بسيط هو ان اي شكل من اشكال الاحتلال الناجم عن العدوان مرفوض من الناحية القانونية ولا يقوم علي اي اساس شرعي.صحيح ان صدام حسين ارتكب اخطاء سياسية وانسانية جسيمة يستحق كل مسؤول ارتكب مثلها ان يحاسب عليها قضائيا؛ فخسائر الحرب العراقية ـ الايرانية وغزو الكويت وقتل الاكراد واضطهاد الشيعة، كلها اعمال مرفوضة، ولا يسع المرء الا ان يدينها ويتضامن مع ضحاياها، وهو ما جعل، فعلا، صدام حسين ينظر اليه كواحد من القادة الديكتاتوريين، المستبدين بالسلطة، المتسلطين علي شعوبهم.غير ان هذه الصورة السلبية التي التصقت بشخصية صدام لعدد من السنين، اخذت تتغير بالتدريج بعد غزو القوات الامريكية للعراق، وخاصة بعد اعتقاله من قبل افراد قوات المارينز، وعرض حلقات استنطاقه ومحاكمته.ولسبب ما، اضحي يتكون لدي عدد من متتبعي مسلسل محاكمة صدام انطباع تحول معه الرئيس العراقي من متهم الي ضحية مؤامرة سياسية تدار خيوطها باصابع امريكية، وفضلا عما اثير من تعليقات علي اسس المحاكمة، فقد كان جليا ان من اسباب التعاطف الذي بدأ يكسبه صدام لدي شريحة عريضة من المواطنين العرب، اسلوبه في مناقشة ومجادلة هيئة المحكمة.كان صدام يبدو في قفص اتهام المحكمة مواطنا عراقيا قوميا عربيا، الي جانب اصراره، امام المحكمة، علي اعتباره رئيسا للجمهورية العراقية، فبساطة لباسه، وتسريحة شعر راسه، وبياض لحيته، وملامح وجهه، وحركات عينيه، واشارات يديه، وعباراته المؤيدة للعراق والامة العربية..كل ذلك حوله الي شخصية قوية شامخة في اعين كثير ممن كانوا متحمسين لسقوطه.وفي هذه الاجواء، السياسية والنفسية للمحاكمة، استطاع صدام حسين ان يقلب معادلة محاكمته من متهم الي ضحية، ومن حاكم غليظ الطبع الي شخص وديع، ويبدو ان السياسيين والعراقيين، بداوا يدركون انقلاب السحر علي الساحر، ويفطنون الي ان استمرار المحاكمة لمدة اطول ليس في مصلحة من يريد التخلص من صدام الي غير رجعة.لكن قضية اعدام صدام تطرح اشكالا سياسيا آخر يتمثل في مساءلته، ومن ثم معاقبته، عما تعرض له الشيعة بالدجيل في الثمانينيات، مما قد يوحي بان هناك محاولة لتمكين هذه الطائفة، التي استحكمت مقاليد السلطة في البلاد بعد زوال نظام صدام، من الفرصة للاقتصاص بطريقة تهيمن عليها روح الانتقام والاخذ بالثار، ولا ادل علي ذلك من الشتائم والاهانات التي اسمعها افراد من هذه الطائفة لصدام لحظة عملية الشنق.بمعني ان قضية محاكمة صدام، ظلت رهينة هذه العلاقة بينه وبين الطائفة الشيعية، ولم تقم علي مراجعة تتسع قاعدتها الوطنية، كما ان هذه القضية لم تخضع لقاعدة المصالحة السياسية التي اعتمدتها عدة دول في الفترة الاخيرة، في اطار ما بات يعرف بالعدالة الانتقالية، وهذا النوع من العدالة، بقدر ما يحدد مسؤولية الاطراف المتورطة في الاخطاء السياسية التي ارتكبت في الماضي، سواء كانت هذه الاطراف جماعات او هيئات او افراد، بقدر ما يساهم في وضع حد للشعور بالظلم والاضطهاد ويقضي علي روح الانتقام والثأر المتأججة في صدور اولئك الذين تعرضوا لتلك الاخطاء او الجرائم، ولعل جنوب افريقيا خير مثال علي تحقيق هذه القاعدة.اما الاشكالات القانونية التي تطرحها قضية محاكمة صدام وتنفيذ الاعدام في حقه، فانها عديدة، وقد تعرض لكثير من جوانبها رجال القانون، غير ان اهم ما اثير في هذا السبيل ان المحكمة، التي مثل امامها صدام، عدمت العديد من مقومات العدالة وشابتها بوضوح اوجه التقصير بهذا الخصوص، بحيث لم تتوفر فيها الضمانات القانونية الاساسية.فقد طالبت المفوضة السامية لحقوق الانسان، لويز آربور، السلطات العراقية بالتريث بعد صدور قرار محكمة التمييز العراقية التي اكدت فيه حكم الاعدام علي صدام واثنين من معاونيه، وقالت ان القانون الدولي يحظر تنفيذ عقوبة الاعدام بعد محاكمة غير عادلة .اما المقرر الخاص المعني باستقلال القضاء والمحامين، لياندرو ديسبوري، فقد اشار الي ان قرار محكمة التمييز لا ياخذ بعين الاعتبار القصور الذي شاب المحاكمة ، واشار الي ان احد اهم مواطن القصور في المحاكمة هو عدم مراعاة معايير حقوق الانسان العالمية، خصوصا الحق في محاكمة من قبل هيئة مستقلة ومحايدة، والحق في الحصول علي دفاع مناسب، داعيا السلطات العراقية الي عدم تنفيذ الحكم بحق الرئيس العراقي السابق ومعاونيه بعد محاكمة شابها الكثير من الخلل في الاجراءات القانونية.وفضلا عن الخروقات التي عابت محاكمة صدام، فإن هناك مسألتين قانونيتين اساسيتين ينبغي التأكيد عليهما في معرض الحديث عن الاشكالات التي طرحتها هذه القضية، وهاتان المسالتان تجدان اساسهما في مقتضيات القانون الدولي الانساني، وبخاصة في بنود اتفاقية جنيف الثالثة. وترتبط الاولي بالوضعية القانونية للمتهم الذي جرت محاكمته، فصدام حسين تمسك طوال مراحل محاكمته بصفته كرئيس للجمهورية العراقية والرئيس الاعلي للقوات المسلحة العراقية، اي انه الي جانب صفته السياسية المدنية رئيسا للدولة ، فهو يحمل ايضا صفة عسكرية باعتباره قائدا اعلي لاركان جيش بلاده، وهذا صحيح بالنظر الي انه ظل يحمل هاتين الصفتين الي ان اسقطه الاحتلال الامريكي الذي دخل في حرب مع نظامه بداخل العراق.لكن الاهم هنا هو ان الصفة العسكرية لصدام، تجعله حين اعتقاله اسير حرب من ناحية القانون الدولي الانساني، ومما يدعم هذه الصفة ان الجهة التي القت القبض عليه، وعرضته معتقلا امام كاميرات العالم، هي افراد قوات المارينز الامريكي، اي قوات الاحتلال، وبالتالي فان المقبوض عليه هو اسير حرب بامتياز بتعريف المادة الرابعة من الاتفاقية المذكورة اعلاه والتي جاء فيها ان اسري الحرب بالمعني المقصود في هذه الاتفاقية هم الاشخاص الذين ينتمون الي احدي الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو: 1) افراد القوات المسلحة لاحد اطراف النزاع، والمليشيات او الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءاً من هذه القوات المسلحة،2) افراد المليشيات الاخري والوحدات المتطوعة الاخري، بمن فيهم اعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون الي احد اطراف النزاع ويعملون داخل او خارج اقليمهم، حتي لو كان هذا الاقليم محتلاً …وتنص المادة 84 من نفس الاتفاقية انه لا يحاكم اسير الحرب باي حال بواسطة محكمة اياً كان نوعها اذا لم تتوفر فيها الضمانات الاساسية المتعارف عليها عموماً من حيث الاستقلال وعدم التحيز، وعلي الاخص اذا لم تكن اجراءاتها تكفل له الحقوق ووسائل الدفاع .وفي ذلك ارتباط بالمسألة القانونية الثانية التي اثارتها هذه القضية، ويتعلق الامر بالهيئة القضائية التي تولت المحاكمة. صحيح ان للقضاء الوطني الاسبقية في النظر في كافة الجرائم والمخالفات الجسيمة لمقتضيات القانون الانساني، لكن الوضع يتغير حين ظهور ما يخشي معه عدم نزاهة الهيئة القضائية الوطنية، سواء في اتجاه التساهل المفرط مع المتهم او في اتجاه الصرامة المبالغ فيها معه دون مراعاة قواعد القانون الدولي الانساني بهذا الخصوص.وفي هذه الحالة، كما في حالة محاكمة صدام، يتوجب احداث هيئة قضائية محايدة تتوفر فيها كافة مقتضيات العدالة النزيهة، خصوصا بعدما صدرت تصريحات، وخاصة من اطراف محسوبة علي الادارتين العراقية والامريكية، تتوقع مسبقا اصدار حكم بالاعدام وتنفيذه، وخصوصا ايضا بعد المضايقات التي تعرض لها دفاع المتهم، بل وتعرض لها المتهم نفسه.ان تلك الاشكالات السياسية والقانونية، وغيرها مما لم نعرض له في هذه العجالة، هي ما دفعت بالعديد من المسؤولين والهيئات السياسية والحقوقية، حتي ممن كانوا غير متعاطفين مع صدام حسين، الي رفض حكم الاعدام لدي البعض، وطريقة تنفيذه لدي البعض الآخر، والتنديد بهما معا لدي اطراف اخري.ہ كاتب وصحافي من المغرب8