اشكالية الاصلاح في السياق الليبي: دراسة متفحصة لمشروع سيف الإسلام مـعا مـن أجـل ليبـيا الغـد :

حجم الخط
0

اشكالية الاصلاح في السياق الليبي: دراسة متفحصة لمشروع سيف الإسلام مـعا مـن أجـل ليبـيا الغـد :

خطة مدروسة من النظام السياسي لتحقيق المصالحة بين الثورة الليبية والشعب المصاب بحالة انهاك واستنزافمشروع سيف الإسلام يحتاج إلي ضمانات رسمية حقيقية تضمن عدم تعرضه لعرقلة أو تحويل عن أهدافهاشكالية الاصلاح في السياق الليبي: دراسة متفحصة لمشروع سيف الإسلام مـعا مـن أجـل ليبـيا الغـد :عاشور الشامس ونعمان بن عثمانمنذ عدة سنوات وليبيا تعيش حالة من عدم الاستقرار ـ إن صح التعبير ـ الهيكلي والبنيوي وذلك رغم ما تشهده من استقرار أمني وسياسي. ويعود ذلك لدخول الدولة الليبية في مرحلة جديدة متعلقة بتحقيق بعض الاصلاحات والتحول إلي صورة أخري من العقد الاجتماعي لم تتضح كل معالمها بعد. ومنذ ذلك الحين يحاول الكثير من السياسيين والمراقبين والمحللين، وأجهزة الاستخبارات والرصد العالمية والاقليمية والمحلية، أن تتلمس الطريق الذي سوف يسلكه النظام الليبي بقيادة العقيد معمر القذافي نحو إرساء قواعد جديدة للعبة السلطة والحكم والسياسة في ليبيا. ومما زاد في تعقيد المسألة الليبية ظهور ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة سيف الاسلام كأحد عوامل الدفع بحركة المجتمع الليبي نحو الإصلاح، في الوقت الذي لا تزال القوة الثورية التقليدية المحافظة فيه تهمين علي مراكز القرار ومفاصل السلطة وأدوات التنفيذ.التصالح بين الثورة و المجتمع ولذلك اعتبر بعض المراقبين أن ظاهرة سيف الاسلام الإصلاحية هي عبارة عن خطوة مدروسة بحكمة من قبل النظام السياسي هدفها إجراء أو تحقيق مصالحة بين الثورة الليبية ـ باعتبارها حدثا تاريخيا ومفهوما قيميا بغض النظر عن تجربتها في الممارسة السياسية علي مدي 37 عاما ـ وبين الدولة والمجتمع والمواطن الذين أصيبوا جميعا بحالة من الإنهاك والاستنزاف والاحباط والإجهاد شديدة جدا، كنتيجة مباشرة للتجربة السياسية التي أفرزتها الثورة . ويأتي ذلك انطلاقا من الشعور بالإخفاق (المعترف به الآن رسميا وعلي أعلي المستويات) في تحقق أهداف الثورة والمجتمع، وطموحاتهما وآمالهما التي كانت معقودة علي ـ وعبر عنها ـ رجال الثورة في يوم 1 سبتمبر 1969، خاصة المتعلق منها بقضايا الرفاهية والتنمية والعدالة الاجتماعية. في آب (أغسطس) الماضي ازدادت الظاهرة تعقيدا بعد أن شن سيف الإسلام القذافي هجوما كاسحا ومعلنا علي مظاهر ورموز الفساد في البلاد، وهاجم الثقافة السائدة علي المستوي الرسمي ـ وليس الشعبي ـ عندما طالب باستبدال ـ أو بتعبير أكثر دقة ـ الانتقال من… ہ نموذج (ماو تسي تونغ ـ الصين)… إلي نموذج (ليكواينو ـ سنغافورة) ہ ومن (الناصرية)… إلي (العولمـة)ہ ومن محاربة (البرجوازية)… إلي التحول إلي مجتمع (برجوازي)ہ ومن (الثورة)… إلي (الدولـة)…. وفي نفس السياق أكدت القوي الثورية ـ وعلي رأسها العقيد القذافي شخصيا ـ علي التمسك بما تعتبره القيم الثورية التي قامت من أجلها الثورة ، وعلي أن أعداء الثورة مصيرهم السحق . وهنا بدأت تنشأ الاشكالية الحقيقية المتعلقة بالعلاقة بين الثورة و الإصلاح .. وبين النظام الجماهيري والديمقراطية.. وبين حرية التعبير وسحق المعارضين.. وبين الماضي والمستقبل!!وهكذا أصبح البعض ينظر إلي كل ما تنجزه حركة سيف الإسلام الإصلاحية ـ وإن كان بطريقة بطيئة وأحيانا غير ملحوظة ـ علي أنه سيناريو مفتعل ومعد مسبقا، هدفه إشغال الناس ووسائل الإعلام، وإرضاء أطراف خارجية، والدعاية السياسية من أجل كسب الوقت واستمرار النظام السياسي القائم. ولكن هناك من اعتبرها خطوات متواضعة وأكيدة علي طريق الإصلاح مع التساؤل حول مدي امكانية استمرار تلك الخطوات في نسق متسلسل ومتتابع، ومدي القدرة علي ترجمتها إلي واقع؟إشكالية الإصلاح في السياق الليبييدور النقاش والتباين في وجهات النظر بين جميع الأطراف المعنية حول تساؤل جوهري وعميق يمكن أن نعتبره المنبع الرئيسي الذي تصدر عنه كل المواقف والاختلافات حول مشروع الإصلاح الليبي. التساؤل يقوم حول إمكانية نجاح سيف الاسلام في تحقيق مشروع إصلاح حقيقي في بقاء البنية السياسية للنظام الجماهيري القائم علي ما هي عليه؟فهناك فريق يفترض التعارض المطلق بين أي مشروع إصلاح حقيقي وبين البنية السياسية للنظام الليبي الحالي، ولذلك فإن وجود أحدهما يعني إلغاء الآخر. بينما يفترض فريق آخر إمكانية قيام مشروع إصلاح حقيقي في ظل وجود البنية السياسية الحالية إذا وجدت الإرادة السياسية التامة والجازمة، من جهة، وإذا ما قام النظام بنفسه بإجراء عملية الإصلاح المنشود، من جهة أخري. وهذا يعني قيادة سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، لهذه العملية لأن هذه المعادلة سوف تحول دون تفاقم حالة التوتر وعدم الاستقرار التي تشهدها البلاد، وتجعل من الإنجازات الميدانية علي أرض الواقع المعيار الأساس للحكم علي مدي نجاح عملية الإصلاح أو فشلها. وخلاصة القول أن مشروع الإصلاح وبنية النظام السياسي وظاهرة سيف الإسلام أصبحت في مجموعها تشكل ما يمكن أن نطلق عليه العناصر الأساسية لـ إشكالية الإصلاح في السياق الليبي. ونحتاج هنا أن نستطرد قليلا في الحديث عن العنصرين الأخيرين: النظام السياسي وظاهرة سيف الإسلام:النظام السياسيحتي هذه اللحظة يصر المواطن الليبي والمراقب الخارجي ألا ينظر إلي بنية النظام السياسي في ليبيا من خلال ما هو معلن عنه رسميا، وذلك لسبب بسيط وهو اعتقاد الجميع بأن الهياكل الرسمية للنظام الجماهيري تفتقر إلي الفاعلية والاقتدار السياسي. وتمشيا مع تلك الفرضية، وباعتبار آخر التطورات والأحداث فضلنا التركيز علي طبيعة وهوية النظام السياسي والقوي الفاعلة التي تمثل وتعكس تلك الطبيعة. وأهم حلقة يمكن تتبعها في هذا السياق هي الحلقة الإعلامية. فهي بؤرة تصدير وترويج الخطاب الإعلامي (الرسمي) للنظام، أو ما يمكن أن نطلق عليه المصادر المخولة أو التي لها صلاحية تصدير الخطاب الإعلامي المتعلق بهوية وطبيعة النظام السياسي الليبي. وهناك فارق كبير ـ وهو فارق نوعي وليس كمـيا ـ بين تلك الجهات الفاعلة والمتنفذة وبين وسائل وقنوات الإعلام الجماهيري. ولم نجد أفضل من القوي التي اجتمعت في مدينة البيضاء يوم 31 آب (أغسطس) تحت سقف خيمة واحدة وبحضور العقيد القذافي شخصيا وذلك تحت مسمي الفعاليات الثورية . ولا نعتقد بوجود ضرورة لاستشارة عالم ذرة كي يفسر لنا معني تلك التسمية ومدي الرمزية السياسية التي تمثلها علي أرض الواقع. وباختصار فإن تلك الفاعليات هي القوي الوحيدة التي تملك تحديد وتفسير معني الثورة وطبيعة النظام السياسي. لقد أصبحت العلاقة بين النظام وبين تلك الفاعليات الثورية علاقة عضوية. فكيف رأت تلك القوي في ليلة 31 آب (اغسطس) 2006 طبيعة وهوية النظام السياسي والذي يمثل من وجهة نظرهم التجسيد المادي الملموس لحقيقة الثورة؟ فلنستمع لما عبرت عنه بعض هذه الفعاليات في بياناتها الرسمية التي صدرت تلك الليلة:ہ الضباط الوحدويـون الأحـرار إن الطريق أمامنا واضح وهو التمسك بالمؤتمرات الشعبية والنقابات المهنية التي تثبت كل يوم أنها الهدف النهائي للجماهير الشعبية بمختلف أجناسها وأعراقها في كافة أنحاء العالم، وأن ندافع عن مكاسب السلطة الشعبية حتي لا يعود مجتمع الطبقة والمجالس النيابية وحتي تسقط إلي غير رجعة الأجرة والإيجار والاتجار والواسطة والرشوة والمحسوبية… وهذا يتطلب منا كشف وحرق كل الجسور التي تؤدي إلي العودة إلي المجتمع القديم المنهار بفعل الثورة، وان نستفيد من الفرصة التاريخية بوجود القائد صاحب النظرية لاستمرار الثورة وخلق ضمانات مستقبلية لأبنائنا من خلال الممارسة الفعلية الواعية للسلطة الشعبية رجالا ونساء .ہ رفـاق القـائـد اسمح لنا أيها القائد أن ننتهز هذه الفرصة لنؤكد لكم ولكل جماهير شعبنا أننا دوما علي دربكم في انحيازنا للجماهير التي ننحني لها إكبارا ونعتز بانتسابنا لها، درب الثورة الذي لا تراجع عنه ولا تفريط فيه حاضرا ومستقبلا، منهجا وعملا، وإن سلطة الشعب التي هي خيارنا وخيار جماهيرنا لا انحياز عنه ولا بديل لها فيه نهاية المطاف مهما حاول المشككون.. وتردد المترددون.. ودونها الموت ولأعدائها ريب المنون … نؤكد علي أنه لا ثورة بعد الفاتح، ولا سيد إلا الشعب، ولا مرجعية غير شريعة المجتمع، ولا قانون إلا ما صاغته وتصيغه جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية بإرادتها الحرة .ہ اللجـان الثوريـةہ لا مناص من أن تصل الشعوب إلي السلطة حتما ولو بدرجات متفاوتة وعناوين مختلفة إلي أن تتحقق سلطة الشعب كما يعبر عنها الكتاب الأخضر، ولا سبيل غير العدالة الاجتماعية وتحرير الحاجات وكسر الاحتكار والاستغلال …ہ لنبدأ مرحلة جديدة الحكم فيها للشعب كل الشعب. لا حزب يحكمه ولا طائفة تتحكم فيه، والثروة كل الثروة للشعب، لا طبقة تستغلها ولا مجموعة تحتكرها …ہ إن إيدينا علي الزناد كما كنا دائما، لقطع الطريق علي أية محاولة غاشمة تمس سلطة الشعب أو ممارسة حزبية تستغل الظروف وترتد بنا إلي الوراء، وإن عدتم عدنا… وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا .وقد صدر بيان مشترك باسم الفعاليات الثورية ككتلة واحدة، من أهم ما جاء فيه:ہ التمسك الأبدي بالأخ القائد المعلم معمر القذافي قائدا تاريخيا لثورة الفاتح العظيم مجددين إيماننا بفكره واعتزازنا بقيادته …ہ فشل النظرية الحكومية من حكم الفرد والأسرة والقبيلة والحزب ومجموعة الأحزاب وكل اشكال النيابة والتمثيل …ہ الفعاليات الثورية تعلن عـــــن استعدادها الدائم لمواجهة العملاء والانتهازيين من القوي المتخلفة الظلامــــية والرجعية، وتجدد التــــزامها بالدفاع عن سلطة الشعب الليبي وحريته …ہ ندعو كل أبناء الشعب الليبي من رجال ونساء والمثقفين والطلاب إلي الإنضمام للحركة الثورية لأنها حركة المستقبل التي تضمن بناء غد زاهر مشرق حر للشعب الليبي من أجل تطوير الحركة وتجذيرها وبناء سلطة الشعب بناء صحيحا .ہ ہ ہ المقتطفات أعلاه لا تترك مجالا للشك أو اللبس حول طبيعة هوية النظام السياسي الليبي والذي يتكون بشكل عام من “قاعدة صلبة” أطلق عليها الفعاليات الثورية وهي متمثلة في ست تشكيلات هي:ہ رفاق القائدہ الضباط الوحدويون الأحرارہ حركة اللجان الثوريةہ الحرس الثوري الأخضرہ الحرس الشعبيہ مواليد الفاتحولديها منهاج عمل يحدد مهامها يطلق عليه الـبـطاقـة الخضراء .ويتكون ايضا من قاعدة رخوة متمثلة في هيكلين رئيسيين هما:ہ المؤتمرات الشعبية ہ اللجان الشعبيةوهي رخوة لقدرتها علي التكيف والتمدد والانكماش في جميع الاتجاهات وكذلك تحمل الصدمات بمرونة كبيرة جدا. غير أنها ـ رغم ذلك ـ قاعدة وتحمل هذه الصفة طالما أخذت شكل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية. وكمثال علي مدي مرونة ورخوة تلك القاعدة قدرتها علي استيعاب التعديلات والتغييرات الإدارية والهيكلية والتنظيمية المتواصلة من حيث عدد المؤتمرات الأساسية وحجمها وإضافة الكومونا مؤخرا علي بنيتها الأساسية، والتعديلات المتكررة علي حجم اللجان الشعبية وعددها ومهامها… وكذلك إضافة جسم متكامل إلي تلك القاعدة الرخوة لم يوجد إلا في أواخر التسعينيات الماضية وهو القيادات الشعبية الاجتماعية .ہ ہ ہ بعد هذا الإجمال والتصوير العام ـ غير المخل ـ لصيغة النظام السياسي الليبي وبنيته، يمكننا النظر والتدقيق في عملية الإصلاح نفسها التي يتصدي لقيادتها سيف الإسلام القذافي، وذلك من حيث إمكانية حدوثها وفرص نجاحها مع وجود تلك البنية السياسية أو تناقضها… وبالتالي فشلها الحتمي. سيـف الإسـلام.. (العامـل س x-factor)في الملتقي الأول للفعاليات الشبابية والذي تتكون عضويته من قرابة 400 ألف شاب من خلال نشاطهم في إطار ما يعرف بـ المنظمة الوطنية للشباب الليبي والمنعقد في 21 آب (أغسطس) في سرت… في ذلك الملتقي ألقي سيف الاسلام خطابه غير التقليدي الذي أعلن فيه عن مشروع متكامل للإصلاح تحت عنوان مـعا من أجـل ليـبـيا الغـد .وردت في خطاب سيف الإسلام نقطة جوهرية في غاية الأهمية وتحتاج إلي توضيح، حيث جاء ضمن خطابه أن معمر القذافي بالنسبة لليبيين هو أبُ الجميع وقد عمل عشرات السنوات من أجل تكوين جيل الشباب . وذكر أيضا أن هؤلاء الشباب بسواعدهم وعقولهم وقدراتهم وكفاءاتهم سيعملون مع معمر القذافي من أجل تحقيق التغيير لصنع مستقبل ليبيا .هذه الكلمات مختارة ومصممة بدقة، حيث أكد بها سيف الاسلام أنه يعمل ضمن النظام الجماهيري وملتزم بمبادئه وقيادته. كما أراد أن يوصل رسالة مفادها أن العقيد معمر القذافي غير مسؤول عن الإخفاقات والممارسات الخاطئة من قبل القوي الثورية في الحقبة الماضية. وأكد علي أن القوي الشبابية وهو شخصيا ملتزمون بالولاء لقيادة العقيد القذافي في المستقبل وذلك من أجل تحقيق الإصلاح. وأهم ما يفهم من حديث سيف الاسلام أنه في الوقت الذي يهاجم فيه الفساد ومن أشار إليهم ـ في أكثر من مناسبة ـ بعبارة القطط السمان ، وممارسات القوي الثورية… ويحاول أن يضع مسافة كافية بينه وبينهم حتي لا يرتبط بما اقترفوه من كوارث فــــي الماضي، فإنه في الوقت نفسه يؤكد ولاءه للنظام الجماهــــيري كفكرة ومبدأ وقيمة وكذلك ولاءه لقائده العقيد معمر القذافي.إن هذا الفهم للقاعدة التي ينطلق منها سيف الاسلام كعامل رئيسي ضمن قوي الإصلاح لم يستق من خطابه أمام القـــــوي الشبابية وحسب، وإنما من خلال المتابعة والرصد الدقيق للكثير من أنشــــطته ومداخلاته وجهوده خلال السنوات القليلة الماضية التي برز فيها كعنصر من أنشط العناصر وأكثرها نفوذا في تركيبة النظام الليبي… وكذلك مــن خلال مصادر أخري غير معلنة. ومن خلال هذا الرصد والتحليل يمكن فهم بروز ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية من عدة زوايا، أهمها ما يلي:ہ سيف الإسلام نفسه بكونه ابن العقيد معمر القذافي زعيم النظام الحاكم في ليبيا منذ عام 1969 وقائد الثورة، وقدرته علي تعبئة العديد من الشرائح الاجتماعية وأجهزة الدولة من أجل التصدي للعديد من الظواهر السلبية التي ارتبطت بالنظام ولمهاجمة الفساد العام والاستبداد، والتعبئة من أجل الإصلاح. ہ مرحلة التحول التي تمر بها ليبيا منذ عدة سنوات، وهي مرحلة غير تقليدية، خاصة من الناحية الايديولوجية، علي المستويين الداخلي والخارجي. وقد أفرز هذا التحول ـ غير المرشّد وغير المنظم بل والعشوائي في كثير من الأحيان ـ حالة من الفراغ السياسي ـ إن صح التعبير ـ ظلت تبرز شيئا فشيئا في غياب قوي سياسية أو إصلاحية أخري مسموح لها أو قادرة أو مؤهلة للمشاركة في التوجيه والترشيد وتنوير الرأي العام أو الاستفادة من هذه الظروف للدفع بوتيرة الإصلاح. ہ السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به البلاد وسيادة القلق في الشارع الليبي، وتشكل الرأي العام الليبي حول فكرة فشل المشروع الثوري السابق في تحقيق التنمية والرفاهية. ہ السياق الثقافي الذي يؤكد أن الشعب الليبي لا يميل إلي الراديكالية أو العنف في الوقت الذي يميل فيه إلي الحرية والتسامح والحرص علي التكافل والترابط والتعاون بين أفراده وفئاته المختلفة. ہ السياق التاريخي المعاصر الذي يشعر فيه الكثير من الليبيين بأن الاجراءات الثورية الاستثنائية قد قمعت وسحقت وأرهبت الغالبية العظمي من أبناء الشعب ـ وخاصة الشباب وفئة الطبقة الوسطي وأصحاب المهن والحرف والأعمال الحرة ـ فثبطت عزائمهم ودمرت روح الإبداع والمبادرة لديهم. فبينما أخفقت القوي الثورية في معركتها مع أعدائها في الخارج أحرزت نصرا ـ مزيفا أو مشوّها ـ علي الشعب الليبي ونخبه الواعية داخل البلاد. ولذا فعندما يأتي سيـــــف الاسلام ويقــــدم وعودا بإعادة التوازن والكرامة والحرية والرفاهية إلي الحـــياة في ليبيا، لا بد من أن يجد ـ بالتأكيد ـ كثيرا من المؤيـــدين والمتفائلين والمتعاونين والمتعاطفين… وبعض النفعيين الانتهازيين كذلك.تلك إذن هي السياقات والعوامل الأساسية التي تشكل الإطار العام الذي يمكن علي ضوئه فهم ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية . خلاصـة مشروع سيف الإسلام الإصلاحيالقراءة المتفحصة للمشروع تجعل من الضروري التنبيه إلي أن سيف الإسلام لا يسعي إلي تغيير النظام السياسي في ليبيا أو العمل علي تقويضه. فمشروعه الإصلاحي يغلب عليه الطابع التنموي والاقتصادي. فهو يطرح رؤية لليبيا المستقبل تمتد حتي عام 2019، أي عند بلوغ الثورة عامها الخمسين (اليوبيل الفضي). وهذه الرؤية في حد ذاتها تؤكد أن عمل سيف الإسلام ـ إضافة إلي أنه طويل المدي ـ يتم ضمن النظام القائم ومن خلاله وليس في مسار موازٍ أو معاكس له. ويمكن اختزال المعادلة التي يتبناها سيف الإسلام ويقوم عليها مشروعه الإصلاحي في ما يلي: معا نحو ليبيا الغد + مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية = التحول (2019)ويحتوي مشروع ليبيا الغد علي مجموعة أهداف وبرامج في عدة مجالات وقطاعات حيوية أهمها:ہ التعليمہ الصحةہ أجهزة الأمنہ المؤسسة العسكريةہ القضاءہ القطاع الماليہ ملكية الأرضہ قطاع السياحةہ الإسكان والتخطيط العمرانيہ الاستثمارہ الإعلامهذا، بالإضافة إلي المبادرة المليونية التي تعهد بمقتضاها سيف الإسلام بتوفير جهاز حاسوب (كومبيوتر) محمول لمليون من تلاميذ المدارس في ليبيا. ويسير المشروع يدا بيد مع مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية الذي يمكن أن نعتبره الحلقة الرئيسية في مشروع التحول و الإصلاح . ويقوم هذا المـــشروع علي دراسة أعدت من قــــبل مجموعة من الخبراء والمتخصصين الليبيين والأجانب تقـدمت بــــها مجمــــوعة فوكس Focus Groupالأمريكية إلي مجلس التخطيط العام الليــــبي في 9 شباط (فبراير) 2006 تحـــت إشراف الأستاذ مايكــــل بورتــــر Michael Porter من جامعة هـــــارفارد الأمريكية. ويمكن الاطلاع علي الدراسة كاملة علي موقع منتدي ليبيا للتنمية البشرية والسياسية.انبثقت هذه الورقة من دراسة متعمقة لثلاث وثائق أساسية هي:1. معا نحـو ليـبـيا الغـد : مذكرة من 90 صفحة من إعداد مؤسسة القذافي للتنمية التي يترأسها سيف الإسلام القذافي. 2. مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية : النسخة الأصلية الكاملة وتقع في ما يزيد عن 200 صفحة. 3. مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية : في صورتها المختصرة الصادرة ضمن مذكرة معا نحو ليبيا الغـد .ومن خلال دراستنا لهذه الوثائق المهمة نستطيع أن نؤكد أن فرضية وجود أي تعارض أو تناقض بين ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية والنظام السياسي الليبي هي فرضية خاطئة لا تستند إلي براهين أو أدلة مادية ملموسة. وهذا لا يعني بالتأكيد حتمية نجاح المشروع. فهو ـ مثله مثل غيره من مشاريع الإصلاح القائمة في أي مكان من العالم ـ عرضة للنجاح، وللإخفاق كذلك. وربما توقف ذلك علي عنصرين اساسيين هما الإرادة السياسية وآليات التنفيذ بما في ذلك الكوادر والعناصر البشرية التي ستتولي التنفيذ والإشراف عليه.ولكن الخطأ أن يُحكم عليه بالفشل مسبقا لتصور أنه يتناقض مع توجهات أو سياسات النظام القائم أو يعمل علي تقويضه، أو لكونه مسرحية هزيلة لكسب الوقت أو تحسين صورة النظام باعتبار أن الإصلاح سيؤدي حتما إلي تفكك النظام الحالي واختفائه. أجل، قد يسقط النظام، ولكن لعوامل أخري لا علاقة لها بمشروع سيف الإسلام الإصلاحي، ولا بحركة المجتمع الليبي نحو الإصلاح. ومن وجهة نظرنا، نعتقد أن النظام لديه رغبة حقيقية في إحداث إصلاحات اقتصادية واجتماعية وإدارية، علي أقل تقدير. ونري أن لديه توجها واضحا لإعادة ترتيب البيت الداخلي الليبي في عدة مجالات لعل أهمها مجال حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. ولكن الذي يصعب تحديده أو التنبؤ به هو المدي والدرجة والعمق الذي سيكون النظام قادرا علي الذهاب إليها في العملية الإصلاحية. ولعل الأهم من ذلك كله أن النظام (القيادة والنخبة الحاكمة) ليس علي استعداد ـ لا اليوم ولا غدا ـ لتسليم زمام الأمور لغيره كائنا من كان… ولعله من السذاجة أن يتوقع منها التنازل أو التسليم أو التنحي. كما أن النخبة الحاكمة ليست علي استعداد للتفريط في ما تتمتع به من سيطرة ونفوذ ومزايا، وإن أصبحت اليوم قابلة بدرجة أكبر من المشاركة والتقاسم مع الآخرين. أما وقد انطلقت العملية الإصلاحية وأصبح من الصعب إيقافها أو التراجع فيها، فإن الهم الأكبر للنظام أصبح هو السيطرة علي مسيرة هذه العملية وآثارها وسرعتها كي لا تؤدي إلي تهديد النظام في أي من قاعدتيه الصلبة أو الرخـوة ؟إن مشروع سيف الإسلام الإصلاحي يحتاج إلي ضمانات رسمية حقيقية بأنه لن يتعرض إلي عرقلة أو انحراف أو تحويل عن أهدافه الأساسية. ومن خلال متابعتنا لمجريات الأمور في ليبيا نعتقد أن هذه الضمانات قد قُـدمت وأن المشروع حصل علي الاسناد والمباركة والمعاضدة من كل من القاعدة الصلبة و القاعدة الرخوة للنظام السياسي. غير أن ذلك لا يعني عدم وجود قوي ذات مصالح تتضارب مع التوجهات الإصلاحية ومستحقات المحاسبة والشفافية، تسعي إلي احتواء عملية الإصلاح أو الإلتفاف عليها أو الإندماج فيها بنية قضها وفرقعتها من الداخل… ومن ثم الحد من آثارها وربما تمييعها بالكامل.ولعل أهم مظاهر الدعم لمبادرة سيف الإسلام الإصلاحية ذلك التأييد العلني والمباشر من العقيد معمر القذافي شخصيا، وتبني كل المؤسسات والقوي المنضوية تحت عنوان الفعاليات الثورية المجتمعة في مدينة البيضاء تحت سقف خيمة الاحتفال بعيد الثورة في 31 آب (أغسطس) 2006. وليس أوضح أو أدل علي ذلك مما جاء في البيان الجماعي للفعاليات الثورية إذ يقول: نؤكد علي المبادرة ـ مبادرة سيف الاسلام ـ التي طرحها الشباب وندعو المؤتمرات الشعبية صاحبة السلطة والسيادة لإقرارها وتسخير الامكانيات اللازمة لتنفيذها . ہ كاتبان ليبيان مقيمان في لندندراسة اعدها منتدي ليبيا للتنمية البشريةقسم البحوث والدراسات7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية