اصالة نصري: الحرية هي الكلمة السحرية التي غيرتني

حجم الخط
0

غنت ‘بين الكلمات العابرة’ وطالبت الطغاة بالرحيل الدوحة ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسام الدين محمد: ‘الاطفال هم المحرك للثورات وللاشياء، والطفل لما بيشارك بمظاهرة فهذا يعني انه في اقصى درجات القهر’ قالت أصالة لي، بطريقتها العفوية النابعة من القلب. كان ذلك بعد أمسية فارقة في مسيرة المطربة السورية وضمن فعاليات ‘وطن يتفتح في الحرية: كتاب وفنانون سوريون مع الثورة’ التي اصالة فيها ليلة الثلاثاء الماضي عددا من الاغنيات التي الهبت أكفّ الجمهور الحاشد الذي امتلأ به مسرح دار الاوبرا في الحي الثقافي كتارا بالدوحة.

امسية اصالة استطاعت تخطي الحاجز الاعتيادي بين العاطفي والسياسي ومزجت بينهما بطريقة رائعة خلبت الجمهور وجعلته يحسّ بنكهة خاصة يفتقدها عادة الغناء السياسي المحض.

منذ اطلالتها على الجمهور بدت المغنية في عزّ تألقها وتمكنها وثقتها بنفسها التي عزتها الى جمهورها وقالت ان الاوان آن لترد هذا الجميل الذي يطوق عنقها نحو محبيها وشعبها.

لم يكن اداء المطربة السورية عاديا بالمرة فقد كان يجمع بين الروح الوطنية الغامرة التي تشع في المسرح وبين المشاعر الشخصية البسيطة التي لا تأخذ القضايا الكبيرة معنى الا بها.

الامثولة التي قدمتها اصالة هي ان الثورة هي فعل فردي ينطبق على كل شخص بطريقة مختلفة وهو في الآن نفسه فعل جماعي نتشارك فيه المشاعر العامة.

تألق اصالة كان في ارتفاع مستوى ادائها وعلاقتها المذهلة بصوتها التي اثبتت حرفة وتمكنا هائلين بحيث كانت تؤرجحه وتتلاعب به وتتمادى في عرضه متحولا احيانا الى منصة واسعة للتدرج العاطفي للنغمة واحيانا الى نسيم حريري ناعم يتدرج الى نغمات تكاد بالكاد تسمع لكنها تطرب بالقدر نفسه.

حضرت في صوت اصالة في أمسيتها المشهودة هذه امثولة للشعب السوري في انموذج فذ متكامل بين الفرد والمجموع وكانت استفتاء حقيقيا لخيارات الناس فيمن تعشق وتكره، ومظاهرة علت فيها راية الانسانية العالية الأقوى من أي طغيان.

الممثلة السورية زينة حلاق قدمت المطربة باعتبارها ابنة الشام، ومع دخولها، وبدون مقدمات، حملت الجمهور على اجنحة الموسيقى والصوت المذهل الذي صقلته خبرة عبقرية هائلة.

في ادائها الخاص لأغنية ‘يا مال الشام’ الفلكلورية أججت اصالة مشاعر الجمهور، كما ستفعل طوال الحفل، على الحدود العذبة – الى درجة الألم – بين العاطفي والسياسي والتاريخي وسحبت الجمهور الى موجة عالية من التذكر والفرح والشوق والرغبة في العودة الى ‘دمر والهامة’، فطلبنا جميعا ‘جيبيلي من حبّي علامة’، الحبيب الذي تخايل للحاضرين على شكل غياث مطر وابراهيم القاشوش وباسل شحادة شهداء الحبّ الأكبر، او على شكل مازن درويش وحسين غرير واحمد عيسو، وعشرات الآلاف من المعتقلين، او على شكل طل الملوحي ومروة الغميان وكل بنات سورية البطلات اللواتي اشتقن الى ‘الاسمر ابو الخال’. ما لبثت المعادلة الجميلة لاصالة ان تكشفت اغنية بعد اغنية، وظفت اغلبها العاطفي في السياسي بحيث بدت الجمل العاطفية البحتة وقد اكتست معاني سياسية واضحة ‘انا ما اقدر اكون الا انا/ ما أخضع لقانون كيفك’ و’يلّي بيته من بلور ما بيرمي بحجارة الناس’، و’اسكت بقا’، و’عمري اللي راح انت اللي ضيعته بايديك’، و’روّح وابعد بدنياك’ الأمر الذي التقطه وانفعل مع التأويل الواضح للاغنيات.

بعد هذا الاستعراض في العشق العامّ (اذا جاز القول) والذي تملّكت فيه اصالة، بسطوة المحبّ، الحاضرين، وجعلت تشركهم في اغانيها وتطلب منهم ترديد المقاطع الحاسمة منها، في مظاهرة موسيقية تشبه الانجذاب الصوفي الى القطب، لكنه يوحّد المشاعر باتجاه غرض عام تعاقدنا عليه مع بدء الثورة السورية.

بعد هذه الجرعة المثملة من الغناء، وبعد ان تأكدت اصالة من تجديد عقدها العاطفي مع جمهورها، خاطبت الحاضرين بكلام بسيط اعتذرت فيه عن اي اخطاء قامت بها ‘بعتذر حبايبي اذا شي مرة غلطت’، وفي عودة ذكية الى جذورها تذكرت كيف كانت تستدين المال من اصحابها لتشتري ملابس او حذاء ‘الكفاح انا بفتخر فيه’. في حديثها العفوي الذكي الى الجمهور تحدثت اصالة عن 18 عاما من مسيرتها الفنية اكتسبت منها الكثير من المال والمحبة والثقة بالنفس، و’اليوم’، قالت اصالة، ‘صرت بامتحان قديش فيني اعطي الناس اللي كانوا السبب في نجاحي’. وكما تحدثت بلسان الفنانة، وبلسان الانسان البسيط، تحدثت اصالة بلسان الثوري ‘ثوريتنا نابعة من جذورنا. من كرامتنا وكفاحنا ومحبتنا واخلاقياتنا. بقدر قول كلمة الحق وانا مرتاحة لاني عارفة انكن راح تصدقوني’، تابعت، ثم دعت الجمهور الى التبرع لاخوتهم في سورية الذين يعانون شظف العيش بسبب الأحداث هناك، وبدأت بنفسها فتبرعت بقرطيها في مشهد لطيف شاركها فيه الاخوان محمد واحمد ملص، اللذين تحوّلا الى رمزين من الرموز الكثيرة للثورة السورية، وهو ما اشارا اليه في ذكرهما لريما فليحان، الكاتبة السورية التي كتبت ‘بيان الحليب’ في بداية الثورة السورية، ولفارس الحلو وعلي فرزات وغيرهم.

الاخوان ملص شاركا اصالة قراءة قصيدة محمود درويش الشهيرة ‘ايها المارون بين الكلمات العابرة’، والتي قامت اصالة بانهاء الحفل بغنائها في استعارة هائلة لحالة الظلم والاحتلال التي يعانيها الفلسطينيون تحت الحكم الاسرائيلي، وشبهها بحالة الاستبداد الوطني الذي يمارسه الطغيان في سورية.

بعد تهنئة اصالة على انجازها الرائع سألتها:- خيار الثورة على النظام ومنذ بدء الأحداث كان قرارا جريئا سيكتبه التاريخ للمجموعة الاولى التي تجرأت وقررت هذا القرار. اين وفي اي لحظة قلت لنفسك: انا مع الثورة؟- خياري كان من اليوم الرابع للثورة عندما شاهدت ما حصل للاطفال في درعا. الاطفال هم المحرك للثورات وللاشياء، والطفل لما بيشارك بمظاهرة فهذا يعني انه في اقصى درجات القهر. صور الاطفال على القنوات الفضائية تقهرني وتبكيني، تؤثر في كثيرا صورة ‘الطفلة اللي بتطلع عالجزيرة وبتبكي وبتقول كلمة بشار’. الاطفال هم الذين حسموا خياري بالوقوف مع الناس.- شاهدنا امس صورة مذهلة لأصالة بدت فيها بكامل تألق الصوت والموسيقى والسيطرة على المسرح، ولمن يتذكر بدايات اصالة الصغيرة يفاجأ بهذا النضج والعمق والتمكن، ما هو السرّ؟- السر هو الثقة الكبيرة التي منحني الجمهور اياها. لدي ثقة بالناس وبنظرتهم نحوي. ما عاد عندي مشكلة في حدودي. ‘الناس صارت فاهمتني وعارفة ما هو موقعي ضمن افراد عوائلهم وبضمائرهم وكراماتهم لم اعد مضطرة ان اثبت صوتي على المسرح ما عاد عندي هذه المشكلة لاثبت موهبتي او شكل اخلاقياتي او حدودي. كل هذا انتهى لانه صار معروفا. – اسمحي لي ان اصف ما حصل امس بالانجاز الكبير الذي تشاركت فيه خبرة العمر والموسيقى الممتازة بالمزج الانساني المبدع بين العاطفي والسياسي. انت عمليا كشفت ان لا ضرورة لهذا الفصل بين العاطفة والسياسة؟- السبب هو كوني امرأة حرة. منذ سبع سنين قررت ان اكون حرة من كل شيء. انا مهنتي استعبدتني، ومكانتي في عائلتي استعبدتني لانني كنت الاخت الكبيرة وكانت عندي مسؤوليات كبيرة. تغيرت عندما قررت ان اصبح حرة بكل ما يمليه عليه ضميري واهتم باصالة الفنانة. صرت اغني بحرية اكثر بكثير من الأول.

اغانيّ التي غنيتها وجدتها انسب للتعبير عني وعن مشاعري. انا اعيش الآن واستمتع بكل لحظة. اعيش كل لحظة واستمتع بمسؤولياتي. كنت سابقة نصف زوجة ونصف اخت ونصف اي شيء. الآن انا اعطي كل تفصيلة حقها الكامل كزوجة وكفنانة وكانسانة. الحرية هي الكلمة السحرية التي غيرتني.- ماذا ستفعلين بعد سقوط النظام؟- هذا الموضوع صار لي سنة أفكر فيه. تفكيري له علاقة بالخيال. انا أحبالاطفال كثيرا جدا واينما التقيت اطفالا ومهما كانت ظروفي النفسية أحب أن أترك شيئا ما مني بحياتهم. أحب ان يتعلقوا بي في الدقائق القليلة التي اراهم بها. اتمنى ان اجتمع باكبر قدر ممكن من الاطفال الذين عاشوا بدون امان. لا أعلم كم استطيع ان اعوضهم الامان الذي عاشوا لفترة طويلة من دونه لأنهم اكثر من دفع الثمن والذين لم يموتوا تعذبوا اكثر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية