اصطخاب الموج

ترسم الشمس الآفلة دائرة حمراء، فتختفي شيئا فشيئا ،تبتلعها زرقة الأقيانوس الهادئة، ألأقيانوس هذا الشيخ المهيب . تتعتم الرؤية رغم أضواء المقهى البحري الخافتة، يرتسم الجبل المحاذي للبحر ،في عشوة العتمة، مثل رأس تمساح ضخم يطل على بحيرته الزرقاء .
في هذا الوقت من اليوم، يخلو المقهى إلاّ من رواده الأجانب الذين يعج بهم مخيم ‘تاغازوت’، وجلهم من الشيوخ الذين يقضون، هنا ،خريفا وشتاء دافئين، بعيدا عن صقيع بلدانهم الشمالية، في كرفاناتهم المجهزة بكل شيء من الطاقة الشمسية حتى البارابول.
نغادرالمقهى صوب منزل ‘أوفا’ ب ‘الفيلاج’ المحاذي للبحر .. اليوم الحادي والعشرون من شهر ديسنبر، سنحتفل بعيد ميلاده . في الطريق بين المقهى و’الفيلاج’، كنا نمشي، نحن الأربعة، بمحاذاة الشاطىء الرملي، في ذلك المساء كان الموج ينكسر على الشاطىء هادئا وديعا، والنوارس الرمادية تصئي .
قال يورغن :
إنها غضبى على حلول الليل وأفول النهار.
وحين دنت منها ‘ ناتاليا’ لتلتقط لها صورة مع ما تبقى من حمرة الشفق في أقصى الأفق ،فزعت فطارت إلى الساحل الصخري الذي يطل عليه مطعم الرمال الذهبية من عل، وكانت أضواؤه تنير الليل الذي طفق يرخي سجوفه، فيما يستعد نادلوه لتقديم خدماتهم لمسؤولين يتركون صخب المدينة وراءهم، ليحتسوا كؤوسا في هذا المطعم الحميم، وهم يعقدون صفقاتهم بمنأى من كل عين.
ونحن نسري بليل، لست أدري كيف انبجس من ذاكرتي المقطع الأول من قصيدة ‘مساء شتائي’ ل’جورج تراكل’: (حين يهطل الثلج على النافذة/ وحين،طويلا،يقرع جرس المساء/ لكثرة من البشر تكون المائدة جاهزة/ والبيت مهيأ وملآن) .
الأن المساء أزف، فانصرفنا بعد جلسة بهذا البار القذر الذي يصرّ صاحبه الجشع على تقديم الطلبات خالية من ‘الطابا’ ؟، أم لأن ‘أوفا’ يجهز،في هذه الأثناء ،مائدة لقلة من البشر، وسيكون بيته، هذه الليلة، صاخبا حتى مطلع الفجر؟ أم لأنه نمساوي مثل صاحب هذه القصيدة الرائعة ؟ .
سألت ‘ناتاليا’ الطالبة، سابقا، بجامعة فرانكفورت، والقارئة العاشقة للشعر الألماني، عن رأيها في قصيدة ‘مساء شتائي’ ؛ ولما سمع ‘يورغن’ و’حسن’ سؤالي، غذّا السير، إذ لم يكن الشعر يستهويهما ،فتخلفت، أنا وناتاليا، عنهما قليلا، ومشينا وراء شبحيهما في الظلام، تحدثني عن شعر ‘جورج تراكل’، وعن حياته العنيفة والمدمرة، وعن علاقة صوره الشعرية بجماعة التعبيريين الألمان، واحتفاء ‘هايدغر’ بشعره . وفيما كنا ندنو من بيوت ‘الفيلاج’ الواطئة التي تحاذي البحر،عرجت، على ‘باول تسيلان’ قائلة :
أتعرف أنه شاعر ‘أوفا’ الأثير؟
– لا، لقد تحدثت مع ‘أوفا’ خلال لقاءاتنا في المقهى البحري أو البار القذر، عن كل شيء، إلا عن الشعر.
– قالت : إنه يحفظ قصائد عديدة له عن ظهر قلب.. يرددها كلما استبد به حزنه الدائم، أو كلما تذكّر أمه ..
أدركت ،حينها، أن ثمة جانبا خفيا في حياة ‘ أوفا’، وتساءلت في قرار نفسي : ‘ما العلاقة بين ‘أوفا’ والشاعر ‘باول تسيلان’ ؟ .. ‘ .
وصلنا منزل ‘أوفا’ سريا على الشاطىء الرملي، إذ كان البحر يتراجع هادئا في تلك الليلة القمراء من شهر دجنبر، باعثا، عبر تعاقب مويجاته، لحنا خافتا أو همسا شبيها بحديث عاشقين وحيدين منزويين . كانت الريح رخاء، ومن بعيد، من رأس ‘كير’، كان ضوء الفنار يلمع منعكسا على صفحة الماء . وحين دلفنا إلى داخل المنزل، وجدنا ‘يورغن’ و’حسن’ قد تحلقا حول المائدة في الغرفة التي تزينها رسوم ‘أوفا’، رسوم تصدم متأملها، بغرابتها ووحشيتها وغموضها وباحتلال اللون الأحمر القاني حيزا هاما فيها. ‘أوفا’ الذي تغيب عن جلستنا المعتادة هذا العشي، كان استقل الحافلة رقم 12، متجها إلى المدينة للتسوق من المركز التجاري ما يحتاجه لهذه الليلة .
على المائدة وضع زجاجتي ‘مارتيني-أبيض’ وكعكعة تضيء شموعها الغرفة التي أطفأ نورها . رفع الجميع كؤوسهم ليشربوا نخب ‘أوفا’ في عيد ميلاده..
أطفأ ‘أوفا’ الشموع، وقال الجميع : (بروست). أشعل نور الغرفة ثانية، حينها تناول ‘حسن’ قيثاره وبدأ يعزف لحنا لإحدى أغنيات ‘الداير ستريت’، صدحت ‘ناتاليا’ بصوت عذب وهي تردد كلمات الأغنية التي يعزف لحنها الآن. وعلى نار هادئة، وقودها الفحم الخشبي، كان طجين من سمك ‘السنبير’ بزيت الأركان يطهى .
أفرغنا في جوفنا الكأس الأخيرة من ‘المارتيني’، ثم ملأ ‘ أوفا’ الطاولة بقناني النوعين الأثيرين لديه من البيرة: ‘الهولستين والكروننبورغ’.
صاح فينا جميعا :
– لنشرب ،هذه الليلة، نخب الصداقة.
– نخبك، يا سيد ‘أوفا’، رسام الكارفانات الشهير.. قلناها دفعة واحدة.
يعزف، الآن، ‘حسن’ لحن الأغنية الشهيرة (أيام سيلي)، ‘حسن’ عازف قيثار ماهر، ومجاز في الأدب الانجليزي من بلد أجنبي ،كان صديقا لكثير من الهيبيين الذين أقاموا ،زمن السبعينيات أو السنوات المجنونة، بتاغازوت، والشواطىء المحاذية.. كان أصدقاؤه منهم يحفون به في الهواء الطلق بين خيامهم، يشاركونه العزف على القيثار، أو يستمعون إليه مشدودين إلى مهارة عزفه، مأخوذين بدبيب المخدر في جسومهم .
هذا اللحن الحزين يبعث، الآن، شجى في نفس ‘أوفا’. والشجى يبعث الشجى ،فيتناول الكأس تلو الأخرى.. ‘أوفا’ بقامته الفارهة وجسمه النحيل ويديه المعروقتين ذواتي الأصابع الممدودة والدقيقة وبعينيه ذواتي النظرات الزائغة كأنها تبحث عن شيء ضائع، وبحذائه الشبيه بجزمة عسكرية لا يفارق رجليه، كأنه متأهب على الدوام . ‘أوفا’ رسام اشتهر بين الأجانب المقيمين في المخيم برسوماته على ‘كرفاناتهم’، وبجدارياته في بيوتات المقيمين بـ ‘الفيلاج’ أو ‘تمراغت’، وفي المقاهي التي من قصب، المبثوتة في الطريق المؤدي إلى الشاطىء، رسومات مرعبة، صادمة، غامضة، ومنها كان ‘أوفا’ يعتاش ..
انتصف الليل، ووضع طجين السمك على المائدة، بعد أن أفرغتها ‘ناتاليا’ ونظفتها من آثار بقع الكؤوس المترعة التي كانت تفيض، أحيانا، راسمة دوائر على الطاولة، ومن آثار أرمدة السجائر . رفع غطاؤه فعمّت أرجاء المكان رائحة لذيذة، هي مزيج من هذا السمك الطازج الأبيض المعدّ بزيت الأركان الخالص والمسوّر بورقة موسى ذات المذاق المشهي ..
قام ‘أوفا’ إلى الغرفة المجاورة يتمايل، وقد بدت عليه آثار الشرب ..
قال: – ليس من شراب أنسب لهذا الطجين وأنبل من زجاجة نبيذ أحمر، فأحضر واحدة من بنات ‘تولال’*، صفّت ‘ ناتاليا’ كؤوسا ذوات حجم صغير، ووضع ‘حسن’ قيثاره جانبا، ثم تحلقنا حول المائدة .
قال ‘يورغن’ مخاطبا ‘أوفا’: ‘إن طبيخك جيد ،لا شك أنك تعلمت كثيرا من ‘دّا سعيد’ ..’، ونحن نتعشى في هذا الوقت المتأخر من الليل، كان ‘أوفا’ يحكي لنا عن صداقته مع ‘دّا سعيد’، البحار الأمازيغي العجوز الذي جاب مرافىء عالمية عديدة وقصية، لمّا كان شابا يبحر في مراكب يملكها إسبان وبرتغاليون ..
قال ‘أوفا’ : ‘لقد علمني كيف أطهو أنواعا كثيرة من السمك، وأنا ممتن له . لنشرب، هذه الليلة، نخب ‘دّا سعيد’ .
رفعنا جميعا كؤوسنا، وسمع رنين التقائها ..
انتهينا، وعاد حسن إلى قيثاره يعزف لحنا لأحدى أغنيات ‘البيتلز’، تصاحب ‘ناتاليا’ اللحن بصوتها الساحر الذي وشحته بحّة شجية في هذا الهزيع الأخير من هذه الليلة الشتائية. إنها تردد كلمات أغنية (ليت ايت بي)، تصدح حين تبلغ هذا السطر: ‘وحين يدلهمّ الليل، دوما ثمة ضوء ينيرني، ينيرني حتى الغد’. أما ‘يورغن’ فكان منشغلا، في زاوية الغرفة، بتلفيف المخدر.
كانت ‘ناتاليا’، في تلك الليلة الشتائية من شهر دجنبر، بعينيها الزرقاوين وشعرها الأشقر الرجراج وجيدها الأرشق وقدها الخيزراني، كانت جميلة وبهية وشهية، كانت الأنثى الوحيدة بين أربعة ذكور: ‘أوفا’ الغارق ،الآن، في أوجاله وهمومه، وخدنها ‘يورغن’ الهادىء الصموت الذي بدأ يمجّ نفسا عميقا من المخدر، و’حسن’ الذي يحنو على أوتار قيثاره، كأنها نبض قلبه، يعزف كأنما ينحت من قلبه، وأنا الراوي المشدوه،أرنو إلى هذه ‘اللورالاي’ التي تغرق الملاحين ..
هيّج اللحن الذكرى، فضاق عن تحملها صدر ‘أوفا’ ثم راح صوته يعلو رويدا رويدا، فيما يتراجع شدو ‘ناتاليا’. كانت كلماته تخرج قوية، ترافقها حركات عنيفة وعصبية من يديه، شرقت عيناه كجمرتين متوهجتين، وطفق، وقد تعاظم حجم صوته، يحكي عن مأساته .. عن الألم الذي يحجّره، لايوهن من صوته الاّ انحدار الدمع من عينيه . أما ‘ناتاليا’ و’يورغن’ فكانا يعرفان مصدر الألم الذي يعتصر، الآن، ‘أوفا’، اللعنة التي تطارده، وتثوي وراء عنفه اليومي الذي يفصح عنه شكله وملبسه وكلامه، بل حتى رسوماته..
يتذكر ‘أوفا’، في هذه الليلة الشتائية، واقعة أسرته التي أودت في حادث سير مروع.. قضت أمه وأبوه وأخته الوحيدة .. وبقي ‘أوفا’ وحيدا، غريبا، فردا.. يتذكر، وهو حدث، حياته بأحد ملاجىء الأيتام بمدينة (سالتسبورغ)، وما كابد من قسوة هذا اليتم المبكر، هذا البعاد الأبدي لأمّ كانت تتعلق به .. تعتبره تميمتها الوحيدة..
هو الآن في بيت واطىء، يطل على زوارق الصيد الراسية تحت نافذته، ينبعث ألم هذه الذكرى من أحشائه، إذ لطالما أخفاه، لكنه كان يطفو بين الفينة والأخرى، في نظراته الشاردة، أو في مشيته الغريبة، أو في نزقه المعهود، أو في صراخاته الكثيرة، وهو يحتسي شرابه في ذاك البار الرمادي..
أسندت ‘ناتاليا’ رأس ‘أوفا’ على ركبتيها تواسيه بحنان أمومي وهي تعبث بأناملها الملداء في شعره. خيّم صمت ثقيل على الغرفة، فيما كانت تسمع أصوات موسيقى ‘الريكي’ من إحدى الدور المجاورة .
أشرع ‘يورغن’ باب المنزل، لما أحس بسحابة من دخان السجائر تملأ جنبات الغرفة، إذ لم تكن النافذة الصغيرة ذات اللون الأزرق، التي تطل على الأطلسي، لتخفف من جثومها. هبّت نسائم رطبة من هواء بحري بارد منعش، بددت السحابة، وأنعشت ‘أوفا’ الذي أفاق هذه اللحظة، رأيناه يحدق، مليا، في إطار الصورة المثبت على الجدار المقابل للنافذة، صورة أمه يفترّ ثغرها عن ابتسامة، تحمله وهو رضيع .. قصد دورة المياه، فرشق وجهه بماء بارد عدة مرات، ونشف وجهه بفوطة .
غادرنا الغرفة نحو الخارج، واقتعدنا صخورا ملساء ناعمة. بدأ الليل يتدهور، الوقت غبش، والبحر يمتد صوبنا يعزف لحنه الأبدي .. في هذه الأثناء سمعنا وقع خطى الصيادين يحملون على ظهورهم محركات فلوكاتهم، ولوازم صيدهم، يتهيؤون للنزول إلى البحر. كان صوت المِؤذن يسمع من مئذنة ‘الفيلاج’ القريبة، وفجأة لاح شبح عجوز من بينهم .
صاح ‘أوفا’ بجملة أمازيغية ذات لكنة ألمانية : (دّا سعيد، مانزكين ؟)، حيّا صديقه الذي أضحى، الآن، في خريف عمره، صياد زورق، وتمنى له صيدا وفيرا .
قالت ‘ناتاليا’ التي تقف قبالة الموج المنساب كمنارة سامقة: ‘يا لك من ليل، لو تتطاول .. لو أني أستطيع إيقاف الزمن .. ليل ‘تاغازوت’ ليل جميل لا مثيل له .. ‘ .
مع انبلاج الصبح، طار كناري يحلق قريبا من الماء، حينئذ خلدنا للنوم، وأنا أهفو لأسأل ‘أوفا’، بعد الصحو، ما الذي يجتذبه إلى ‘باول تسيلان’ ؟ .
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية