د. يوسف نور عوض
استوقفني في الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس المصري حسني مبارك أمران، الأول مطالبته البرلمان باحداث تغييرات في أربع وثلاثين مادة من مواد الدستور والثاني قوله إن هذا التغيير سيكون منارة في طريق ديمقراطيتنا. وبالطبع فإن تغيير أربع وثلاثين مادة هو اعتراف بأن الدولة لم تكن تدار دستوريا بأسلوب سليم، أما قوله بأن التغيير سيكون منارة في طريق الديمقراطية المصرية فهو أمر يجب التوقف عنده والتساؤل إن كانت هناك ديمقراطية مصرية أصلا في ظل نظام شمولي يحكم بأسلوب فردي نخبوي منذ أكثر من نصف قرن؟ ولكن الرئيس كان يعلم أنه بمجرد أن يطلق هذا الشعار سينبري الأزلام للإشادة بإصلاحاته وبأنه الرجل الذي يريد وضع مصر في طريق التقدم والديمقراطية مع حجب الحقيقة المتعلقة بالأسباب الخفية التي تجعل الرئيس فجأة يغير مواقفه ويطالب بإصلاح يئس الناس في إمكان تحقيقه. والمسألة لا تتوقف عند هذا الحد بل تتجاوزه إلي التساؤل المهم وهو، هل تغيير الدستور وإصلاحه هي مهمة رئيس الجمهورية؟ والإجابة بكل تأكيد هي نعم في النظم الشمولية، لا في النظم الديمقراطية حيث يضع الدستور ممثلو الشعب ويغيره ممثلوه أيضا وهم غائبون في ظل النظام المصري لأن الحكم في مصر يقوم علي حزب واحد هو الحزب الوطني الذي هو حزب الدولة أما بقية الأحزاب فهي مجرد واجهات ديكورية.
ومن حقنا في ظل هذا الواقع أن نتساءل هل هذا الأمر يختص فقط بمصر وحدها، وهل نظامها نظام خاص أم هي ثقافة سائدة في المنطقة؟ الإجابة بكل بساطة هي أن صورة النظام المصري تتكرر في معظم البلدان العربية التي تخضع لحكم النخب والأحزاب الأيديولوجية كما هو الشأن في ليبيا وسورية ولبنان وغيرها من البلاد، وكما قال طلعت رميح ربما كان هذا هو واقع الدول العربية المختلف عن واقع الدول الغربية بحيث يصبح مجرد التعايش بين أركان الحكم هو الهدف الذي تسعي إليه الأطراف كما هو الشأن في لبنان. وهنا يجب أن نتوقف عند مفهوم النظام الديمقراطي ذاته وما إذا كان مفهوما في العالم العربي علي نحو صحيح، ذلك أن الديمقراطية في العالم العربي حددت بأنها عملية انتخابية يتم من خلالها إختيار من يختارهم الجمهور ولا شك أن تلك مرحلة مهمة في العمل الديمقراطي؟ ولكن هل هذه هي الديمقراطية؟ الإجابة بكل تأكيد لا لأنه يمكن بواسطة العملية الانتخابية أن يتخذ الناس القرارات غير الصحيحة بسبب النفوذ الطائفي والعرقي والمذهبي كما هو الشأن في لبنان والعراق وغيرها من البلدان العربية وبالتالي يصبح مفهوم الديمقراطية المحدد سلفا بالعملية الانتخابية هو مجرد تكريس وشرعنة للمذهبيات والعرقيات والأيديولوجيات، ويختلف هذا عن واقع الديمقراطية في العالم الغربي، وسأتخذ لذلك بريطانيا مثلا حيث لا يختار النواب فيها بسبب انتمائهم المذهبي أو الطائفي بل يختارون بسبب انتمائهم للحزب الذي يحدد سياسته وبالتالي فإن دور النائب في المنطقة هو فقط أن ينفذ السياسة المطلوبة منه وهناك رقابة عليه في داخل البرلمان حيث يمكن أن يعاقب إذا لم يلتزم بالمبادئ العامة للحزب.
ولكن الكثيرين في العالم العربي بسبب عدم رضاهم عن السياسات الغربية تجاوزوا حقيقة النظام إلي الديمقراطية الغربية نفسها كما قال الأستاذ طلعت رميح أخيرا حيث ذكر إن الديمقراطية الغربية فقدت صدقيتها بسبب القرارات المجحفة التي تتخذها في حق الشعوب وعدم قدرة المشرعين علي ضبط ما يقوم به الحكام، ويجب هنا ألا يكون الحكم علي السياسات الخارجية التي نختلف عليها بل علي الكيفية التي تتخذ بها تلك السياسات، ذلك أن الناس في العالم الغربي عندما ينتخبون حكامهم يتركون لهم المجال كي ينفذوا سياساتهم وإذا أخل الحكام بشروط الثقة فإن العقاب يكون في المناسبة القادمة للانتخاب كما حدث مع الرئيس بوش في انتخابات الكونغرس الأخيرة وقد رأينا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يعلن أنه سيتنحي عن منصبه قبل الانتخابات المقبلة وذلك حتي لا يعرض حزبه للمساءلة بسبب سياسات لا يتفق الناس حولها، وذلك فقط ما يتعلق بالسياسات الخارجية أما بالنسبة للسياسات الداخلية فمن المتفق عليه أنه لا يوجد حاكم غربي يستطيع أن يتخذ سياسات تتعارض مع المصالح الحقيقية لشعبه وذلك ما يجعل أفراد الشعب ينتظرون حتي المرحلة القادمة من الانتخاب لأن السياسات الخارجية لا تشكل أولوية عندهم كما أن كثيرا من المعلومات التي تتحكم في تلك السياسات تكون محجوبة عنهم ليس بسبب رغبة الحكام بل بسبب مجموعات الضغط والمتحكمين في وسائل الإعلام وذلك ما جعل الصحوة في ما يتعلق بأمر العراق تأتي متأخرة في العالم الغربي ولا يوقظها إلا ارتفاع عدد القتلي من الأمريكيين وارتفاع مستوي الخسائر المادية؟
ولكن هل ما قاله الأستاذ طلعت رميح بشأن الواقع العربي صحيح في مجمله؟ بمعني أن طبيعة الواقع العربي العشائري والقبلي والمذهبي هي التي تفرض نظم حكم من هذا القبيل السائد في العالم العربي؟
لا نشك في أن هذا الواقع هو الذي فرض أنظمة حكم تستمر في السيطرة دون أن يري الناس وسيلة لتغييرها، وفي الوقت الذي نري الحكام العرب يبشرون الناس بالحرية والتقدم والتنمية نجد أنهم يجلسون علي كراسي الحكم بصورة مستمرة دون أن يفكروا في أسلوب يتداولون به السلطة مع الآخرين وإذا أعياهم المرض فهم لا يفكرون بأسلوب آخر بل يفكرون في وسائل ينقلون بها السلطة إلي أقرب المقربين لهم سواء كان هؤلاء من أبنائهم أو أقاربهم أو الأزلام المقربين منهم وقد كنا في الماضي نري أن السلطة تنتقل من شخص إلي آخر في الحزب الحاكم ولكن الآن يفكر الحكام في نقل السلطة إلي أبنائهم وليس ذلك رغبة في الحكم بل لأن التجاوزات المالية التي حصلوا عليها لصالح أسرهم تحتم عليهم السير في هذا الطريق حتي لا تضيع الإمتيازات التي حصلوا عليها وهم يجدون من بين رجال الحكم الذين ترتبط مصالحهم بالحكام مباشرة من يساعدون في استمرار هذا الوضع. وللأسف فإن الدول ذات النفوذ تدرك هذا الوضع وتستغله من أجل تحقيق سياساتها في المنطقة وهي في معظمها سياسات تنطلق من عاملين أساسيين الأول هو نهب خيرات المنطقة لصالح أسر بعينها في العالم الغربي والثاني توظيف هذه الأنظمة من أجل تحقيق مصالح سياسية مثل المحافظة علي وجود إسرائيل وأمنها ويظهر هذا الواقع علي نحو خاص في الوضع العراقي حيث لا نجد أي مبرر لوجود الأمريكيين في العراق سوي أن بقاءهم أطول مدة ممكنة سوف يتيح لبعض الأسر الأمريكية المتنفذة أن تستغل ثروة الشعب العراقي النفطية لصالحها لآخر لحظة، ذلك أنه لا يعرف أحد حتي الآن كم ينتج من النفط العراقي ومن يبيعه ومن الذي يقبض ثمنه، بل من الأمور التي تدعو إلي العجب أن نعرف أن العراق يستورد نفطا خارجيا مكررا لسد احتياجاته ويعني ذلك باختصار شديد أنه يدفع أضعاف ما يجني من بيع نفطه من أجل الحصول علي النفط المكرر ونعرف تماما أن الذي يسيطر علي صناعة النفط المكرر الذي يباع للعراق اسر تسيطر علي الحكم في الولايات المتحدة. ولا نريد هنا أن نسترسل في سرد تفاصيل هذا الواقع المتردي لأنها حكاية طويلة ومتكررة وكل ما نرجوه أن يبدأ العالم العربي تفكيرا جديدا من أجل المحافظة علي ثروته وتحقيق العدالة والحرية في داخله ولا يتم ذلك إلا بحدوث تغييرات جوهرية في أساليب الحكم والمحاسبة وذلك مجال يطول الحديث فيه ويكفي عند هذه المرحلة الدعوة إلي مجرد التفكير فيه. وفي هذا السياق نقول إن ما تحتاجه مصر ليس تعديلا في الدستور بل تغيير شكل النظام بكامله ليتناسب مع دور مصر في المنطقة وطموح شعبها.
ہ كاتب من السودان9