نستاذن ابن زيدون في قلب معنى صدر البّيت الاوّل، وعجزه من نونيته الذائعة الصّيت التي يخاطب فيها خليلته ولادة بنت المستكفي، ونقول :( اضحى التداني بديلا عن تنائينا * * * وناب عن مضض التجافي تلاقينا )، لنسقطه على العلاقات الاسبانية المغربية، وذلك تيمّنا واستبشارا بما نامله، ونرجوه لهذه العلاقات من تقارب، وتفاهم، وتعايش، وتدان، وزيادة تعميق وتوثيق عرى الصداقة، واواصرالم1ودّة، وذلك بمناسبة الزّيارة الرّسمية التي يقوم بها العاهل الاسباني خوان كارلوس الاوّل للمغرب مرفوقا بوفد رفيع المستوى (ابتداء من يوم الاثنين 15 تموز/يوليو)2013 .
التفاهم والتعايش والتداني
لقد اصبح التعاون والتفاهم والتعايش والتداني بين البلدين الجارين المغرب واسبانيا امرا محتوما لا مندوحة لهما عنه، كما اصبح التغلّب على المشاكل، وتسوية الخلافات، وتجاوزالازمات، وتذليل العراقيل والصّعاب امرا لا مناص لهما منه كذلك.انّ المغرب واسبانيا بحكم الموقع الذي فرضته عليهما الجغرافيا، والمصير الذي هيّاه لهما التاريخ، والماضي الذي تقاسماه، واقاما دعائمه ورونقه معا، والثقافةالمشتركة التي نسجا خيوطها سويّا، وانصهرا في بوتقة حضارة واحدة متالقة، كلّ ذلك يجعل منهما بلدين محكوم عليهما بالتفاهم والتقارب وزيادة تمتين عرى الصّداقة واواصر المودّة، في هذه المرحلة الجديدة من علاقاتهما الثنائية، ينبغي لهما النظر الى ماضيهما القريب بنظرة واقعية براغماتية، بل يجب عليهما طيّ صفحة المواجهات، ونبذ العقد والاحقاد، واقصاء الضغائن والمنابذات، ومحو الرواسب السلبية التي ما زالت عالقة على جدران ذاكرتيهما الجماعية وتاريخيهما القريب والبعيد، واستخراج ونشر العناصر الصّالحة والايجابية لموروثهما الحضاري والتاريخي، والثقافي واللغوي، وبداية عهد جديد تذوب فيه ومعه الخلافات، وتقلّص فيه المسافات، في عصر اصبحت تنشا فيه التكتّلات والتجمّعات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والانسانية بين الدّول، وتتبلور بشكل لم يسبق له مثيل وذلك بهدف خلق مفهوم ‘عولمي’ جديد في مختلف ميادين الحياة ومرافقها المعاصرة .
عاهلا البلدين يدركان هذا جيّدا، كما انّ هذا الاقتناع، وهذه البداهة لا يغيبان ولا ريب عن مختلف المحللين، والسياسيّين، والكتّاب، والمتتبّعين لمسار العلاقات بين البلدين وتطوّرها، وتذبذبها بين اخذ وردّ ، ومدّ وجزر، وصعود وركود، ورتق وفتق.
التطوّر والتحوّل الهائلان، اللذان اصبح يعرفهما المغرب في الوقت الرّاهن في مختلف المجالات بعد استكمال مؤسّساته الديموقراطية باقرار دستور جديد، واقامة اصلاحات واسعة وجذرية في مختلف الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية وفي مجال حقوق الانسان وصون كرامته (مع التعثّرات وبعض العراقيل التي ما فتئ يشهدها في هذه المجالات جميعها)، كلّ ذلك كفيل بان يجعله يسير بخطى حثيثة وثابتة رويدا رويدا ليتبوّا مكانه الحقيقي بين مصافّ الامم كبلد عصري حديث متطوّر، مع تشبّثه بقيمه، ومبادئه، وثوابته االاصيلة، وماضيه العتيد.
زمن الزّهو الاستعماري قد ولىّ
انّ وضع التجافي والتباعد الذي يطبع العلاقات المغربية الاسبانية منذ اعقاد خلت، بين الفينة والاخرى، يرجع في الاساس الي موروثات تاريخية، وعوامل عدّة لا تخفي على احد في الضفتين المتجاورتين المطلتين الواحدة على الاخرى ، لقد ان لجيراننا ان يعرفوا ويتيقنوا انّ زمن ‘السّاحل خال من المغاربة’ (No hay moros en la costa ) كناية على مثل دارج عندهم كثيرا ما تلوكه السنة الاسبان يفيد بعدم وجود الخطر على السّواحل قد ولّى، فالعقليات قد تبدّلت، والاجيال الحاضرة قد ارتقت سلاليم الوعي والانفتاح والتعايش، وقبول الاخر واستيعاب التنوّع الثقافي والهويّاتي، والتعدّد العرقي والاثني اصبح امرا واقعا في مختلف اصقاع وبقاع المعمور.
ينبغي علي جيراننا التحلّي بروح العصر، والنظر الى الامور بواقعية وتبصّر وحكمة، فزمن الزّهو الاستعماري قد انصرم بلا رجعة، ينبغي لهم قبول النزاعات ومعالجتها بجراة، هذه النزاعات التي فرضت على البلدين قهرا وقسرا في زمن لم تكن مفاهيم السيادة و الحرية والانعتاق قد تبلورت، والنظرة الشوفينية الضيّقة لم تعد تجرّ على البلدين سوى التعنّت والعناد، وجيراننا الاسبان مشهورون بالعناد، ولهم فيه اليد الطولى، والباع الطويل، وهو ما يطلق عليه سكّان الرّيف (الذين يعرفون الاسبان جيّدا.. !) ‘تاغنّنت’، فحتّى ‘هتلر’ شهد لهم بذلك، فقد ابى وامتنع ذات مرّة في ان يلتقي من جديد ب ‘الجنرال فرانكو’ بعد لقائه الاوّل به خلال الحرب الكونية الثانية، حيث قال قولته الشهيرة في هذا القبيل:’افضّل ان ينزع لي ضرس بدون بنج على ان التقي ثانية بهذا الرجل.. !.’
انّ وضعية العلاقات المغربية الاسبانية في الوقت الرّاهن تدعونا وتحذونا الى معاودة القاء نظرة تاملية متانية، واعمال النظر في بعض القضايا الهامة في المرحلة الحسّاسة من تاريخ هذه العلاقات، وما واكبها من احداث وطنية ودولية وجهوية لابدّ ان يكون لها ولا شك تاثير على رسم مسارها، وتحديد معالمها حتّى تصل الى ما هي عليه الان. طموح وتطلّع البلدين في تطوير هذه العلاقات والرقيّ بها الى اعلى المستويات لا يتوقّف باعتبارهما بلدين جارين متعانقين جغرافيا، اخى بينهما التاريخ، وانصهرا في بوتقة اشعاع حضاريّ فريد في بابه في تاريخ الشعوب، يرسم مصيرهما التعاون الوثيق الذي لا محيد لهما عنه، ومن ثمّ تلك القولة المشهورة والماثورة: انّ المغرب واسبانيا .. بلدان محكوم عليهما بالتفاهم.. !.
انّ عامّة الناس، وصفوة المثقفين في كلا جانبي المضيق لا يلبثان من تكرار هذا التعبير المتداول، فعلى الرّغم من انّ هذه الصّيغة مضبوطة وصادقة الا انّها مع ذلك لا ينبغي ان تشطّ بنا بعيدا فالصداقة بين البلدين لا يمكنها ان تترعرع في ظلّ او شكل حكم مفروض بواسطة قدرية جغرافية، بل لابدّ لنا ان نخطو خطوات اخرى الى الامام بعزم وارادة، انّ كلا من القطاعات الاقتصادية والسياحية، والمبادلات التجارية، ومخططات التعاون والمشاريع الصناعية المشتركة الخ، لابد ان يواكبها تبادل ثقافي خصب ومكثف يزيد بلداننا تعارفا وتقاربا اكثرمن ذي قبل ، لابد ّمن اقامة مزيد من المودّة بيننا، ومن توفير الاحترام المتبادل بين البلدين.
دور المثقّفين المغاربة والاسبان
اضطلعت ثلّة من المثقفين المغاربة والاسبان في الاعقاد الاخيرة بدور طلائعي في تطوير وتفعيل وتقوية العلاقات الاسبانية المغربية، فمنذ اوائل الثمانينيات من القرن المنصرم نشرت مجموعة من المثقفين، والكتّاب، والادباء، والمفكّرين المغاربة والاسبان- بمبادرة خاصّة منهم- بيانا صحافيا جريئا في احدى الصّحف الاسبانية الكبرى الواسعة الانتشار، وفي بعض وسائل الاعلام الاخرى حيث طالبوا بضرورة تحريك وتفعيل العلاقات الاسبانية المغربية على مختلف المستويات، وقد وقّع على هذا البيان 40 مثقفا من المغرب، و46 مثقفا من اسبانيا.من الموقّعين المغاربة : المهدي بنونة، محّمّد شقور، محمّد شبعة، لسان الدين داود، عبد الكريم غلاب، محمد بن عيسى، مصطفي اليزناسني، محمّد العربي الخطّابي، محمّد محمّد الخطّابي ، عبد الكبير الخطيبي، عبد الله العروي، محمّد اليازغي، محمّد المليحي، محمّد العربي المساري، سيمون ليفي، محمّد الصبّاغ، علي يعته..الخ.
ونذكر من الاسبان: خوان غويتيسولو ، فرناندو ارّابل، بيدرو مونطافيث، خورخي سينبرون، فاثكيث مونطالبان، فيكتور موراليس، واخرين.
وقد طالب هذا البيان بضرورة اعطاء نفس جديد للعلاقات الثنائية بين البلدين، واذكاء روح التعاون والتفاهم والحوار بينهما في مختلف المجالات السياسية، واالاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والانسانية..الخ.
وقد افضت هذه البادرة المبكّرة في ذلك الابّان الى تاسيس ‘جمعية المثقفين الاسبان والمغاربة’ التي نظمت في البلدين ندوات وطاولات مستديرة دورية هامة حول مختلف اوجه التعاون الثقافي، والادبي، والعلمي، والتاريخي وسواه بين البلدين.
كما اسّست بعد ذلك ‘لجنة ابن رشد’ التي تضمّ هي الاخرى نخبة من كبار المثقفين والادباء والمفكرين، والشخصيات السياسية والاعلامية في كلّ من اسبانيا والمغرب، والتي عقدت غير قليل من الاجتماعات والندوات في البلدين لتسليط الاضواء على العديد من المواضيع والقضايا الحيوية التي تحظى باهتمام الطرفين سواء فيما يخصّ تاريخهما الحافل، وحاضرهما الواعد، ومستقبلهما المشترك.
هذا فضلا عن تاسيس العديد من الجمعيات الاسبانية المغربية سواء في المغرب او اسبانيا ذات الصّبغة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفنية التي اصبح عددها يتنامى يوما بعد يوم، والتي تعمل هي الاخرى على تقريب الهوّة بين البلدين والتعريف بطاقاتهما الخلاقة لتاكيد مزيد من التفاهم والتعايش بينهما في مختلف الميادين، وفي مقدّمة هذه الجمعيات النشيطة ‘جمعية الصّحافيين، المغاربة الناطقين باللغة الاسبانية’ التي تضمّ نخبة هامة من مثقفينا اللامعين الذين لهم باع طويل، ودراية واسعة بلغة سيرفانطيس وادابها وثقافتها، الا انّ هذه الجمعية وسواها تصطدم دائما بعثرة قلّة ذات اليد، وندرة الامكانيات المادية وضالتها ان لم نقل انعدامها.
وفي نفس الاتجاه ودعما وترسيخا لهذه الجهود كان قٌد اعلن في المغرب منذ بضع سنوات كذلك عن تاسيس ‘مندى الحوار المغربي الاسباني’ بمبادرة من جماعة من المثقفين ورجال الاعمال والسياسة المغاربة، وكانت هذه البادرة قد جاءت لتؤكّد في بلاغها: ‘تعبيرا عن اقتناعها الرّاسخ باهمية العلاقات بين بلدين جارين، وضرورة تطويرها وتنويعها، يربطهما التاريخ والجغرافية، بما يساهم في اعداد هذه العلاقات لولوج عهد جديد، موسوم بطابع التعاون الشامل في مختلف المجالات، وذلك باقامة وارساء قواعد ثابتة ودائمة للحوار والتفاهم والتعايش بين الطرفين، ولكن ّوا أسفاه.. بعض هذه الجمعيات اندثرت، وامّحت، وتلاشت، وشلّت، وذهبت ادراج الريّاح.. !
الصّراع ضدّ الجّهل
العاهل الاسباني خوان كارلوس الاوّل خلال احدى زياراته السّابقة الرّسمية للمغرب كان قد قال:’ انه من الضروري ان نتعارف اكثر فيما بيننا، فما افدح الجهل المتفشّي فينا، ينبغي ان نمحي من رؤانا المشتركة جميع الصّور المشوّهة، والافكار المسبقة الخاطئة، كما ينبغي ان نقصي عنّا جميع الرواسب، وان نقضي على بعض التاويلات التي تحول دون تعرفنا ونطردها من اذهاننا، اظن انّ اسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرهما معرفة عامة كجارين عاشا على امتداد التاريخ واحدا بجانب الاخر، ولقد فرّقهما الجهل احيانا بشكل يجاوز كل حدّ ‘ .
‘انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا لهي مهمة واسعة ومتشعبة، اذ ينبغي على اسبانيا ان تعمل على اعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال افرقيا، ففي الوقت الذي تفتح فيه للثقافة واللغة الفرنسية في البوتقة المغربية مجالات واسعة، فانه ينبغي على اسبانيا ان تسير في نفس التيار، وتعمل على نشركتبها هناك، وايفاد الاساتذة والمحاضرين، واقامة جولات مسرحية، وتنظيم عروض سينمائية، وعلى المغرب من جانب اخر ان يقوّي حضوره الثقافي باسبانيا، وتبيان الصورة الحقيقية للثقافة المغربية الغنية للرّاي العام الاسباني بنشر اعمال كتّابه وفنّانيه وفولكلوره الثريّ، كما ان على الاوساط الثقافية الاسبانية ان تجري حوارا مستمرا ودائما مع النخبة المثقفة المغربية ودعم كفاحها من اجل مغرب قويّ وعادل وديموقراطي’، على حد ّ تعبير الكاتب الاسباني المعروف المقيم بمراكش خوان غويتيسولو . **
حضور دبلوماسي مغربي على امتداد التاريخ
انّه لمن الواضح انّ الارث التاريخي والثقافي والحضاري المشترك لكلّ من المغرب واسبانيا يعتبر ارضية صلبة، وحقلا خصبا جعلا هذين البلدين ينفردان بخصوصيّات قلّما نجدها لدى سواهما من البلدان الاخرى، ممّا افضى الى خلق نوع من الاستمرارية الدائمة والمتواصلة في علاقات البلدين منذ الوجود الاسلامي بشبه الجزيرة الايبيرية، وباسبانيا على وجه الخصوص، ونزوح الموريسكييّن عنها، ثم منذ القرن السابع عشر عندما بدا التبادل الدبلوماسي الفعلي بين البلدين بشكل انفرد به المغرب، وكان له قصب السّبق بالنسبة لباقي البلدان العربية والاسلامية، بل وبالنسبة حتى لكثير من بلدان العالم الاخرى حيث كانت البعثات الدبلوماسية، والرّحلات المغربية هي البعثات الوحيدة التي زارت، واستقرّت باسبانيا منذ وقت مبكّر بدءا او انطلاقا من بعثة ابن عبد الوهّاب الغسّاني سفير السلطان المولى اسماعيل خلال حكم العاهل الاسباني كارلوس الثاني (1691-1690)، ومرور ابالزياني (1758)، واحمد المهدي الغزال(1766)، وابن عثمان المكناسي (1779)، والكردودي (1885) الخ.
هذه الاتصالات المبكّرة والمتواصلة الحلقات بين المغرب واسبانيا خلقت نوعا من الاستمرارية زادها العنصر الجغرافي القائم متانة وقوّة وتواصلا ، هذا فضلا عن العنصر الحضاري والثقافي الذي يعدّ عنصرا فريدا في بابه كذلك في تاريخ الامم، كلّ هذه العوامل، والخاصّيات ميّزت علاقات البلدين على امتداد الحقب والعهود باعتبارهما جارين متقاربين، ولعمري انّ هذا التقارب والتواصل والحوار الدائم القائم الذي لم ينقطع، ولم يفتر قطّ عبر القرون، لهو خير رصيد وضمان لبناء مستقبل واعد حافل بالامال والتطلعات والعطاءات.
عناق الجغرافيا والتاريخ
انّ اسبانيا تمرّ اليوم بظروف صعبة ومعقّدة وبقدر ما يكون المغرب في حاجة اليها، فهي محتاجة اليه كذلك اكثر من ايّ وقت مضى، انّ الازمات الخانقة المالية، والاقتصادية، والاجتماعية، والانتكاسات الداخلية، والحراك الجماهيري، والغضب الطلابي ، والخناق الشعبي على الحكومة الاسبانية بعد الاجراءات التقشفية المقتّرة، والمبالغ فيها التي اتخذتها مؤخرا في مختلف القطاعات الحيوية في البلاد (تربية، تعليم، صحّة، ونظام المعاشات ..الخ) ممّا اثّر على مستوى العيش في اسبانيا، وخلّف استياء واسعا وتذمّرا كبيرا لدى مختلف الشرائح الاجتماعية الاسبانية على اختلافها، فضلا عن معضلة تفاقم البطالة وتفشّيها التي ضربت رقما قياسيّا (فاقت الستّة ملايين عاطل) خاصّة بين الشباب الاسباني الذي اصبح يقال في حقه مؤخّراعلى سبيل الدعابة والمزاح: انّه لم يعد امامه في اسبانيا من حّلّ او منفذ لمعضلته في خضمّ افة البطالة التي اضحى يتخبّط فيها – سوى ثلاثة مخارج لا غير وهي : البحر، والبر، والجوّ ( ايّ الهجرة بحثا عن الرّزق والقوت اليومي في ارض الله الواسعة بحرا وبرّا وجوّا.. !) ، وانعكاس كلّ ذلك سلبا على الجاليات العربية، والاسلامية، والاجنبية الاخرى المقيمة في هذا البلد، فضلا عن حاجة اسبانيا الى زيادة تقوية وتعزيز وتوسيع استثماراتها في المغرب خاصّة بعد ان اصبحت تحتل اليوم المرتبة الثانية فيها بعد فرنسا في هذا المجال، والاولى في المبادلات التجارية على صعيد الواردات والصّادرات بين البلدين. . يضاف الى المشاكل والقلاقل التي تعاني منها اسبانيا اليوم، مطالب الانفصالية لجهة كاتالونيا، ناهيك عن معضلة ‘بلد الباسك’، وتلويح مناطق وجهات اسبانية اخرى برغبتها وتطلعها للسّير في نفس هذا الاتّجاه كذلك، فضلا عن اهتزاز شعبية العاهل الاسباني داخل بلده اسبانيا التي اصبحت تبعث على الحيرة والقلق والارتياب، ومطالبة بعض الفئات الاسبانية المتطرّفة له بالتنازل عن العرش لنجله وليّ العهد الامير فيليبّي، ووصولا الى تجاوزات وفضائح الفساد التي طالت الحزب اليميني الحاكم (الحزب الشعبي) والتي مسّت مباشرة مؤخّرا جهازه المالي والاداري، وبعض اعضائه، وزعيم الحزب رئيس الحكومة ماريانو راخوي نفسه. فضلاعن اتّهامات بفضائح مالية، وانتهاكات اختلاسية وضريبية خطيرة لحقت ببعض افراد الاسرة المالكة الاسبانية، سواء تلك التي لها صلة بصهرالعاهل الاسباني ‘انياكي اوردانغارين’ اوزوجة هذا الاخير الاميرة ‘كريستينا’حتى وان اخلي سبيلها من بعض التّهم التي وجّهت اليها من قبل من باب الخطا. كلّ ذلك وسواه يزيد من وجع دماغ (اسبانيا والاسبان) الشّيء الذي يجعل هذا البلد الجار في موقف لا يحسد عليه.
زيارة العاهل الاسباني للمغرب مناسبة لتحقيق الامال، وبلوغ الغايات التي يتوق اليها البلدان، ممّا يجعل من البيت الاوّل من نونية ابن زيدون، ينقلب معناه وياخذ مجراه الصّحيح في سياق الزّمن، ليس بين هذا الشاعر العاشق الولهان وخليلته الشاعرة ولادة، بل بين هذين البلدين الجارين المتعانقين جغرافيا، واللذين اخى بينهما التاريخ، فيغدو التداني بالتالي، بديلا عن تنائيهما، وينوب عن مرارة تباعدهما وتجافيهما، طيب تفاهمهما وتلاقيهما…
*كاتب، وسفير مغربي سابق
**النصوص الاسبانية المدرجة في هذا المقال من ترجمة كاتب هذه السطور.