الابراهيمي اكثر شخص مؤهل لحل الازمة السورية.. خبرة وحنكة وبعد نظر.. فقط امنحوه فرصةلندن ـ’القدس العربي’: في مخيم الزعتري للاجئين السوريين قصص عن العنف الطائفي الدائر في سورية، فمعركة الحرية تتلون الان بحكايات فظيعة عن القتل والقتل الطائفي ويحكيها الاطفال هذه المرة. وفي مخيم الزعتري يجد السوري الذي الف الارض الخضراء والسهول نفسه منفيا في صحراء قاحلة وحياة صعبة.وفي سورية اليوم اطفال يولدون في الجحيم وأول صوت يسمعونه هو صوت القصف والطائرات التي تقوم بطلعاتها الجوية وهناك من يولدون في جبال لبنان ومخيمات تركيا وصحراء الاردن ومنهم ابن نسيم ابو زيد الذي ينتظر مولوده الجديد بعد ثلاثة اشهر في مخيم الزعتري، اما الاخر فعمره من عمر الانتفاضة السورية سبعة عشر شهرا.فعلى الرغم من ان الابن الاول ولد في ظل الخوف، وبين الموت والحياة الا ان الابن الثاني سيولد في ظروف امن، لكن في ظل البؤس والتشرد والاختناق الذي تسببه العواصف الرملية لسكان المخيم، وكأن السوري يفر من حرب ليواجه حربا اخرى. فمعركة ابو زيد وزوجته وابنائه الاربعة هي قتال الريح الرملية وابعادها عن خيمتهم – بيتهم. ومع كل هذا فالخيمة توفر لهم نوعا من الامن النسبي بعد ان قرروا الانضمام لقوافل اللاجئين من درعا ومدنها، فابو زيد من بلدة داعل.وتقول مراسلة صحيفة ‘الغارديان’ هارييت شيرويد ان قوافل الراحلين تحولت الى نهر من الخائفين معظمهم من الاطفال والنساء الممسكين بايدي بعضهم البعض ولا يحملون معهم الا اكياسا بلاستيكية هي كل ما يملكونه بعد ان قرروا الرحيل تحت جنح الظلام. وفي كل يوم يكبر المخيم ويزيد عدد سكانه فعندما افتتحت الحكومة الاردنية المخيم في نهاية تموز (يوليو) الماضي كان عدد سكانه 500 والآن اصبح عدد سكانه 26 الفا غالبيتهم من الاطفال منهم خمسة الاف تحت سن الرابعة. وهناك خمسمائة منهم ممن لا اب او ام معهم حيث قطعوا الحدود مع الاردن وحدهم والان يعيشون لجوءين البعد عن الوطن والاهل. ويتوقع المسؤولون الاردنيون ان يتواصل ارتفاع عدد اللاجئين بمعدل عشرة الاف اسبوعيا فيما يتواجد اكثر من 150 الف لاجىء يتجمعون في القرى والبلدات الاردنية القريبة من الحدود وممن وجدوا اقارب او معارف او كانوا قادرين على استئجار بيوت لهم. رمل في العيون وتصف الصحافية الوضع في المخيم بالبائس على الرغم من المحاولات الدائمة من منظمات الاغاثة الدولية. وتقول الصحافية ان الخيم المنصوبة حديثا مغطاة بالرمال، فيما تترك العواصف الرملية اثرها على عيون السكان وصوتهم المبحوح للاجئين وشعورهم المعفرة. وبالنسبة للخدمات فالكهرباء لا تتوفر الكهرباء الا لنسبة 40 بالمئة من سكان المخيم. وفي الوقت الحالي يعاني السكان من حر الصيف الذي يضربهم 12 ساعة في اليوم وبعد شهر او شهرين سيهل عليهم ضيف جديد وهو البرد والصقيع.ويعيش السكان في وضع شبه حصار حيث يحرس الجيش الاردني المخيم من الخارج ويشرف عليه في الداخل ولا يسمح لاي لاجىء بالخروج منه الا باذن، وكان المخيم قد شهد تظاهرة احتجاجية على سوء الاوضاع واستخدم الامن الغازات المسيلة للدموع من اجل تفريقها. ويقضي السكان الوقت وهم يهيمون على وجوههم وسط اصوات الجرافات وشاحنات المياه.مشاكل نفسيةومع ان منظمة اللاجئين التابعة للامم المتحدة تعترف بحجم المشكلة الا انها تقول ان الاولوية الآن هي انشاء البنية التحتية للمخيم. وتنقل عن مسؤول في منظمة الطفولة العالمية التابعة للامم المتحدة بيب لايتون قوله ان الكثير من الاطفال يصلون للاردن وهم يعانون من جراح اصابتهم اثناء اجتيازهم الحدود جراء اطلاق الجيش السوري عليهم.وتقدم منظمات اخرى من مثل انقاذ الاطفال مساعدة نفسية للاطفال حيث تقول مسؤولة في المنظمة من ان الاطفال يحملون معهم قصصا تثير الرعب و’بعضهم يصحو في الليل ويركض في الشارع وهم يصرخون، فيما يشعر اخرون بالرعب عند سماع صوت الطائرات وهي تحلق في السماء’. ولان بعض الاباء قرروا البقاء في سورية لحماية ممتلكاتهم ومواشيهم فالاطفال يعانون من الم الفراق. ومن اجل مساعدة الاطفال انشأت المنظمة مكانا للعب وتعمل على انشاء مدرسة داخل المخيم. ومع كل المشاكل التي يواجهونها فالحياة تظل بالنسبة لابو زيد احسن من سورية ‘كنت خائفا من القصف وكل الوقت والاطفال خائفون ويرفضون الذهاب للنوم’.ويصف الحياة في المخيم بانها ليست كما تعودوا العيش في بلدهم ولكنهم يحاولون التكيف، وقد بدأ الاطفال يخرجون للعب مرة اخرى مع انهم كانوا طوال الوقت محصورين في البيت’ قبل اللجوء. وتقول مريم (11 عاما) والتي هربت مع اخوتها الخمسة وامها تاركين الاب في القرية لكي يحرس ابقارهم انها خائفة عليه. وعادة ما تهرب العائلات في الليل وبحماية من المقاتلين، وفي احيان اخرى يوصل الاب العائلة للاردن ثم يعود الى سورية.قصص الانتقامومع ان لكل طفل حكايته مع الخوف الا ان بعضهم يحمل معه قصصا عن الانتقام والانقسام الطائفي، فقد نقلت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ من المخيم ذاته شهادات اطفال يحلمون بالعودة لسورية ولكن بدون ان يكون فيها علويون.وتقول الصحيفة ان كان المقاتلون ضد الاسد يصورون معركتهم على انها كفاح من اجل الديمقراطية، فالاطفال في مخيم الزعتري لديهم حكايات عن العنف الطائفي، والكراهية فعندما تسألهم عما سيفعلون حالة عودتهم لسورية يجيبون انهم لن يلعبوا ابدا مع الاطفال العلويين بل اقسموا على قتلهم. وتقول الصحيفة ان الحقد الذي يحمله الاطفال وهو صورة عن حقد الاباء يفسر السبب الذي يدفع العلويين الوقوف الى جانب بشار الاسد الذي يرونه الحامي لهم. كما ان رفض الاطفال اللعب مع اقرانهم العلويين يشير الى تحديات التوصل لحل سياسي للازمة. فعندما يجد الاطفال والصبيان انفسهم وهم يتحدثون وبعفوية عن القتل والدم فهذا يعني ان الحرب تركت جراحها على نفسيات الاطفال بل وعلى جيل كامل.وينقل التقرير عن عاملة في منظمة انقاذ الطفولة قولها ان الاطفال ليسوا وحدهم من تغذوا بالحقد بل وكذلك الاباء. ويرى باحثون في الشأن السوري ان الاحقاد التاريخية بين العلويين والسنة والتي تراكمت منذ العهد العثماني وغذاها الاستعمار الفرنسي تجعل من العلويين يؤمنون ان السنة سيقتلونهم وهذا يفسر الطريقة الوحشية التي يقوم بها الجيش ـ العلوي في غالبية قيادة – قتل السنة. ويرى جوشوا لانديز الباحث في الشؤون السورية انه لا يرى مخرجا في الوقت الحالي، ‘فنحن امام طريق طويل ونصلي من اجل ان يتجاوز السوريون الوضع’. ولكن الاطفال في المخيم يتساءلون ايضا عن السبب الذي يدفع الجيش كي يقصفهم حيث يقولون ان مطالبهم بالحرية والديمقراطية هي السبب، حسبما يقول احمد من منطقة حوران، ويتدخل والده ليضيف ان اي جنرال علوي صغير يمكنه ان يدوس على رقبة اي جنرال كبير واي ضابط علوي يمكنه ان يهين اي ضابط اعلى منه رتبة.ويبدو ان الحزازات والاحقاد ضد العلويين نابعة من تصرفات الضباط ورجال الامن من ابناء الطائفة حيث يقوم هؤلاء باهانة السنة وتجريح كرامتهم، وهناك اعتقاد عام بين السنة انه لم يعد هناك مجال للتعايش معا وفي بلد واحد.ويحاول عمال الاغاثة العاملون مع اللاجئين تجنب الحديث عن العامل الطائفي، فهم يعتقدون ان من بينهم قد يكون عدد من العلويين والشيعة الهاربين من الحرب ويتظاهرون بانهم سنة خوفا على حياتهم. وتشير شهادات الاطفال الى ان بعضهم مستعد للانتقام من اي علوي حتى لو كان في مثل سنه، ويكرهون مع العلويين، حسن نصر الله زعيم حزب الله الذي لم يدعم حزبه الانتفاضة اضافة لروسيا والصين.مهمة شبه مستحيلةوهذه المشاعر التي عمقتها الحرب تطرح اسئلة حول اي جهد دبلوماسي للتوصل لحل سياسي للازمة. ومن هنا يفهم من صراخ الاخضر الابراهيمي – المبعوث الدولي الجديد لسورية والذي خلف كوفي عنان – الامين العام السابق للامم المتحدة والذي استقال الشهر الماضي. فقد قال الابراهيمي الخبير بحل النزاعات ان مهمته لن تكون سهلة واي حل للازمة السورية يبدو مستحيلا.ففي تحليل لمهمة الابراهيمي في سورية كتبه ايان بلاك في ‘الغارديان’ تحت عنوان ‘مبعوث الامم المتحدة الجديد لديه خبرة في حل النزاعات الصعبة’ اشارالى ان الابراهيمي مع هذه الخبرة يشعر ان حل الازمة يبدو مستحيلا. ولكنه يقول ان الابراهيمي الذي اعترف بثقل المهمة لم يطلب على خلاف سلفه عنان رحيل الاسد، ولكنه سيجد نفسه مضطرا للمناورة امام اعضاء مجلس الامن وامام شق يصعب رتقه بين الحكومة في دمشق والمعارضة والذي اتسع بعد 18 شهرا من الحرب وقتل فيها اكثر من 20 الفا. ويشير الكاتب الى عمل الابراهيمي في الدبلوماسية حيث بدأ عمله بتمثيل حركة التحرير الوطني الجزائرية في حرب الاستقلال ثم خدم عام 1962 كسفير في مصر وبريطانيا وعمل نائبا للامين العام للجامعة العربية حيث عين ممثلا خاصا لايقاف الحرب الاهلية وكان عليه ان يتعاون مع شخصيات ‘كريهة’ وهي تجربة يعتقد مراقبون انها ستلعب في صالحه في مهمته الجديدة، وعمل الابراهيمي وزيرا للخارجية في الفترة ما بين 1991-1993.وفي عام 2001 عينه كوفي عنان مبعوثا خاصا لافغانستان، حيث نظم مؤتمر بون الذي جمع فيه الاطراف الافغانية واجبرها على السهر طوال الليل حتى توصلت الى اتفاق. وينقل بلاك ما قاله جيرمي غرينستوك، سفير بريطانيا في الامم المتحدة من ان ‘الابراهيمي يحظى باحترام كبير داخل اروقة الامم المتحدة لتجربته وحنكته السياسية والدبلوماسية وقدرته على التعامل مع القضايا العسيرة’.ويضيف الى ان عنان ارسله الى العراق من اجل الاشراف على عملية التحول السياسي واثناء وجوده هاجم الامريكيون مدينة الفلوجة وحاصروها حيث انتقد الابراهيمي العملية مما ادى الى حملة عدائية ضده من الشيعة والامريكيين، ثم عمل مبعوثا في هاييتي وجنوب افريقيا مما حوله الى ‘كنز وطني’، وهو عضو في لجنة الحكماء التي تضم عنان ومانديلا. ويرى الكاتب ان قدرة الابراهيمي للتوسط في الازمات نابعة من كونه من بلد يعتبر من الدول المؤسسة لحركة دول عدم الانحياز ولعبت دورا في التوسط لاطلاق سراح الرهائن الامريكيين في ايران عام 1980. وينقل بلاك عن صحافي مصري قوله ان الابراهيمي كون صورة عن نفسه بانه يستطيع رؤية امل حتى في الاوضاع الحالكة وانه لم يكن ليقبل بالقيام بالمهمة في سورية لو لم يكن يعرف ان هناك املا.ومن المتوقع ان يصل الابراهيمي قريبا لدمشق لكن الحكومة السورية كانت واضحة وربطت نجاح الابراهيمي بتوقف تركيا وقطر والسعودية عن دعم المعارضة عسكريا واغلاق الحدود اي الالتزام بنقاط عنان الست.لنعطه فرصةوفي رؤية اخرى كتب اوليفر مايلز السفير البريطاني السابق في ليبيا من ان الابراهيمي شخصية قادرة على ايجاد حل، فقد ساعد على انهاء الحرب الاهلية في لبنان والآن قد يكون قادرا على تحقيق الحل في سورية.وقال مايلز ان الابراهيمي اكثر شخص مؤهل للقيام بالمهمة باستثناء عمره 78 عاما. ويضيف انه عندما قابل الابراهيمي قبل 30 عاما كان الدبلوماسي الجزائري قد عمل 16 سفيرا منها 8 اعوام ناجحة في لندن. ويقول مايلز ان اختيار عنان للمهمة في سورية جاء لموقعه الدولي كأمين عام سابق للامم المتحدة ولخبرته، وفي المقابل فالابراهيمي غير معروف وخبرته غير معروفة لكن ما يميزه عن عنان انه عربي من الجزائر مما لن يعرضه لاتهام انه يدعم طرفا ضد اخر. كل هذا لا ينفي ان الابراهيمي سيواجه جدارا صلبا، فطالما صمم السوريون على مواصلة القتال فلن يكون هناك حل، ولكنهما في مرحلة ما من الحرب الاهلية قد يشعران بالتعب ويشعران ان الدم لن يحقق اي شيء وان الحل السياسي هو المخرج.