اطمئنوا نحن لم نقم بعد بالثورة

صار الان بوسع السلطات في الخليج العربي ان تنام هانئة قريرة العين بعد ان اختار رئيس حكومة التكنوقراط التونسية مهدي جمعة، قبيل زيارته المكوكية الاولى لخمس من دولها الست التي بدأت السبت الماضي، ويفترض ان تختتم (اليوم) الاربعاء. ازالة كل الهواجس والشكوك الثقيلة التي نمت في الاعوام الاخيرة بشأن التحولات الحاصلة في بلده، التي انتقلت مثل عدوى سرطانية سريعة الفتك والانتشار الى الخارج لتقف على حدودها وتشكل مصدر ازعاج جاد وحقيقي لسلطانها، وذلك بكلمات بسيطة وقصيرة لكن بالغة الدقة والعناية، تونس كما قال ‘لا تصدر ارهابا ولا ثورة’، وليس هناك من هدف من وراء زيارة الاشقاء الخليجيين سوى البحث عن ‘سبل تعزيز التعاون التونسي العربي’، مثلما اكده بالحرف لمجموعة من الصحافيين المعتمدين في العاصمة تونس سبق ان التقاهم صباح الخميس الماضي، وذلك قبل ان يضيف ساعات قليلة بعد ذلك في قاعة تشريفات مطار تونس قرطاج الدولي، بأن مسألة المطالبة بجلب الرئيس المخلوع بن علي واسترجاع الاموال المنهوبة والمودعة في بعض البنوك الخليجية ليست على قائمة اولويات زيارته الحالية.
تطمينات جمعة ليست الاولى، ولا يبدو انها ستكون الاخيرة، فالتصريحات العلنية والتلميحات والاشارات الجانبية تكررت هذه الايام على اكثر من صعيد ومن اكثر من جهة، وجميعها التقت على فكرة واحدة دون سواها وهي، ان ما شهدته تونس قبل ثلاث سنوات من الان لم يكن سوى حادث سير عابر حصل في تاريخها الحديث بشكل عنيف ومفاجئ وألحق اضرارا جسيمة بالغة الخطورة بعربة القيادة فيها، لكن لم يصل الامر حد التخلص المطلق منها واستبدالها باخرى، بل ان كل ما جرى هو السعي فقط لادخال بعض الاصلاحات العاجلة والضرورية، ثم مواصلة الرحلة. بمعنى اخر فلن يكون هناك اي اثر مباشر وجوهري لا على وجهة العربة ولا ايضا على خارطة الطريق والمسلك الاصلي الذي رسم لها في السابق قصد اتباعه.
اما ما يتردد من حين الى اخر حول عودة فلول النظام السابق الى صدارة المشهد السياسي والاعلامي، فهو ليس سوى انعكاس لكل تلك الاشارات التي تبعثها الحكومة الجديدة للداخل والخارج في نفس الوقت. مثلما ان تحصين الثورة الذي تحول بمرور الايام من شعار مبهر يجلب الانظار، الى نكتة سخيفة لا تصلح للتندر، قد استبدل على الفور بتحصين اخر للحكومة التكنوقراطية التي لا تسأل عما تفعل ولا كيف وأين تسير، وذلك فقط لمجرد انها سليلة الوفاق النادر العظيم الذي جعل تونس تنفرد في محيطها المتلاطم بصفة الاستثناء العربي.
في الداخل تثبت مجريات الامور بعد الهزات التي لحقت بجبهة الانقاذ المعارضة، ان شهر العسل القصير والاستثنائي بين الراعيين الاكبر للحوار الوطني، وهما اتحاد الشغل ومنظمة الاعراف او رجال الاعمال يوشك على الانتهاء قريبا، مع تصاعد حدة الاضرابات بشكل اصبحت فيه صدقية اكبر النقابات العمالية على المحك، خصوصا مع فشلها الاخير في وقف اضراب اعوان الجباية، رغم قبول الطرف الحكومي لطلباتها المجحفة وحصول بعض التصدعات في علاقة المركز بالقواعد داخل الجهات. ومن المثير للسخرية ان دعوة رئيس الحكومة في لقائه التلفزيوني الاول بعد شهر من تشكيل حكومته الى الكد والعمل، قابله تجدد سريع وغير مبرر لموجة الاضرابات، دفع بعض الصحف المحلية الى وصف الامر بمؤامرة تقودها رابطات حماية الثورة وحركة النهضة لاسقاط الحكومة الجديدة وافشالها.
استقرار الوضع الاقتصادي للبلد من خلال جلب القوتين الاجتماعيتين الاكثر تأثيرا، اي النقابات ورجال الاعمال الى تفاهمات تؤمن الاستقرار المطلوب هو الاختبار الاصعب لحكومة جمعة قبل تحصيل الوعود بالدعم المالي الموعود، سواء من الخليج او من فرنسا وامريكا، اللتين يفترض ان يزورهما الشهر المقبل، لكن نفس تلك الحكومة تواجه معضلة حقيقية في تطبيق القانون حينما يتعلق الامر بتعطيل العمل في مرافق حساسة ومؤثرة في عصب الاقتصاد، ومعضلة اكبر في تطبيق العدالة وصيانة الحقوق عند اطلاق يد قوات الامن لردع المخالفين.
خارجيا هناك جس نبض متبادل فردود الفعل التي اعقبت رفض السماح لعدد من الاسرائيليين الذين كانوا على متن سفينة رحلات بحرية بالنزول في مرفأ حلق الوادي في ضواحي العاصمة، يثبت ان هناك تحولا في الشكل قد يتطور في مراحل لاحقة ليمس المضمون، ولعل الارباك الذي صاحب العملية ثم البيان المتأخر لوزارة الداخلية، والاهم من ذلك تصريح وزيرة السياحة من ان المبرر الوحيد لمثل ذلك الرفض هو ان تونس دولة قانون، وانه كان عليهم، اي الاسرائيليين، ان يذهبوا الى اقرب قنصلية تونسية لاخذ تصريح بالدخول، كلها دلالات لا تُخطئها العين على ذلك الاتجاه. وما بقي غير معروف حتى الان هو ما سيحصل في المستقبل في حال استجابة الاسرائيليين في المرات القادمة لنصائح الوزيرة، وهل سيتم السماح لهم بزيارة تونس والتمتع بمناظرها الطبيعية وشمسها وفنادقها، اسهاما منهم في انتشال اقتصاد عليل من غرق وشيك؟
بدء الزيارة الخليجية من دولة الامارات بالذات بعد الجفاء والبرود الذي لازم العلاقات بين البلدين، هو ايضا محاولة اخرى لجس النبض في الاتجاه الاخر، ومعرفة ما اذا كان المعسكر العربي المناهض للاخوان مستعدا بدوره لفتح قنوات اتصال مع دولة تصنف حتى الان ضمن المحور المقابل، والاهمية التي يكتسيها مثل ذلك الامر تتجاوز تونس نحو اعادة صياغة جديدة للتوازنات في المنطقة.
المدى الذي سيأخذه كل ذلك في الداخل والخارج هو ما سيؤكد واحدا من احتمالين اثنين، إما الاقتراب مجددا من الثورة او الابتعاد بخطى حثيثة عنها وادارة الظهر لها بالكامل. وفي الحالتين هناك رسالة واضحة لا لبس فيها تبعث بها تونس لاصدقائها الحقيقيين، وحتى اعدائها، وهي ان يطمئن الجميع من ان الثورة الحقيقية لم تنطلق بعد ومن يدري ما الذي سيحدث متى انطلقت فقد يتغير الكثير لا داخل البلد فحسب، بل حتى خارجه ايضا.

‘ كاتب صحافي من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية