د. سعيد الشهابيثمة ما يشبه الاجماع في منطقة الشرق الاوسط على الترحيب الحذر بفوز باراك اوباما لفترة رئاسة ثانية للولايات المتحدة، والحذر في الترحيب ناشىء عن قناعة راسخة لدى الرأي العام العربي بان الولايات المتحدة الامريكية منحازة بشكل واضح في قضايا ثلاث: اولاها الصراع العربي ـ الاسرائيلي والتزامها بالحفاظ على التفوق العسكري الاستراتيجي الاسرائيلي في مقابل الدول العربية، وثانيتها: دعمها الاستبداد المطلق كسياسة عامة لم تتغير خلال ثورات الربيع العربي، بل ربما اصبحت أسوأ لانها حاولت الالتفاف على تطلعات الجماهير وقادت، وما تزال تقود، الثورة المضادة التي تسعى لاحتواء الثورة وآثارها في البلدان التي سقطت فيها الانظمة السابقة، او افشالها في البلدان التي ما تزال شعوبها تبحث عن الحرية والديمقراطية. ثالثتها: ان الولايات المتحدة لم تتخل عن عقلية الحرب والعدوان كسياسة ثابتة ازاء الشرق الاوسط، وان كانت قد تراجعت قليلا في السنوات الاربع الماضية. والواضح من الترحيب الحذر بفوز اوباما عمق شعور الشعوب العربية بالظلامة الناجمة عن السياسات الامريكية التي ما برحت منحازة ضد مصالحهم، خصوصا الهيمنة الامريكية المطلقة في المجال العسكري بمنطقة الشرق الاوسط. فقواعدها منتشرة في اغلب البلدان العربية، وجنودها وممثلوها يتمتعون بحصانة خاصة من القضاء في كافة البلدان العربية ما عدا العراق. ولذلك يلاحظ ان البلدان التي تعرضت لتدخلات عسكرية امريكية محدودة في عهد اوباما لم يتحمس مواطنوها لفوز اوباما. ففي اليمن حيث ساهمت ادارته في تنحية الرئيس علي عبد الله صالح من السلطة مع الاحتفاظ بنظامه، يذكر الناس له حملته الضارية التي تشنها الطائرات بدون طيار ضد متشددي القاعدة. وقالت الصحفية والمدونة اليمنية عفرة ناصر ‘نيابة عن اليمنيين ادعو اوباما إلى ترك سمائنا في حالها خلال السنوات الاربع القادمة’. كما ان باكستان هي الاخرى تعاني من هذه الحملات التي تقوم بها طائرات ‘درون’ ضد رموز القاعدة، وهي حملات قتلت من المدنيين الابرياء اعدادا اكبر ممن اصابتهم من المتشددين. وخرج الرئيس الامريكي السابق، جيمي كارتر، عن المألوف عندما اعتبر ان تلك الحملات تعتبر انتهاكا لحقوق الانسان، لانها تنفذ القتل في المتهمين قبل محاكمتهم، وبالتالي فما تقوم به لا يخرج عن نطاق ‘القتل خارج القانون’ المحرم دوليا.بعد انتهاء انتخابات الرئاسة الامريكية اصبح على العالم ان يتعايش مع سنوات اربع من حكم باراك اوباما، على أمل ان لا يشن حربا ضد احد، كما فعل اغلب الرؤساء الذين سبقوه وآخرهم جورج بوش الذي شن الحرب ضد العراق واحدث دمارا هائلا فيها. ومن الصعب التنبؤ بنمط هذا التعايش بلحاظ امور ثلاثة: اولها استمرار قضية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وغياب ارادة الحل لدى الجانب الامريكي الداعم للصهاينة بدون تحفظ. اوباما، كغيره من الزعماء الامريكيين، متعهد بحماية الكيان الاسرائيلي، فهي سياسة امريكية صاغها الصهاينة منذ عقود وما تزال سارية المفعول. وفي ما عدا بعض المواقف الرافضة لاستمرار بناء المستوطنات، لم يتخذ اوباما موقفا قويا لوقف ذلك، وما يزال بناء المستوطنات متواصلا، وآخرها قرار قوات الاحتلال المضي قدما في بناء 1213 منزلا في الضفة الغربية. ودعت المقاولين لتقديم عروض بناء على قطع اراض في راموت وبسغات زئيف وهما مستوطنتان في الحضر اعلنتهما إسرائيل جزءا من القدس. وتعلم واشنطن ان بناء المستوطنات مخالف للموقف الدولي وتكريس لاحتلال يرفضه العالم، مع ذلك فهي تلوذ بالصمت وتفضل ان لا تحدث شرخا في علاقاتها مع الاحتلال. كما تعلم ان الاستمرار في بناء المستوطنات يتناقض مع روح السلام الذي تتحدث عنه واشنطن وحلفاؤها، وان تلك المستوطنات تحول دون تحققه. وبالاضافة للصمت الامريكي على بناء المستوطنات، فانها تعارض محاولات انشاء الدولة الفلسطينية. كما انها تقف ضد مشروع طرحه الفلسطينيون برفع تمثيل فلسطين في الامم المتحدة الى دولة غير عضو، ويطالبون بالتصويت عليه هذا الشهر. وتصر تل أبيب على ادارة اوباما لافشال التصويت. ويرى الصهاينة أن سعي الفلسطينيين للحصول على الاعتراف من الأمم المتحدة، يمنحهم القدرة على مقاضاة إسرائيل دُوليا في المحكمة الجنائية الدولية. ومن الصعب تصور حدوث تغيير كبير في السياسة الامريكية تجاه الكيان الاسرائيلي، او دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة، حسب ما تطرحه السلطة الفلسطينية، على كامل الاراضي التي احتلت في 1967، لاسباب عديدة اهمها غياب الارادة الامريكية لاتخاذ موقف يغضب الاسرائيليين، نظرا لتأثير اللوبي الاسرائيلي في واشنطن. ولكن ذلك لا يعفي الرئيس الامريكي، خصوصا انه في فترة رئاسته الثانية والاخيرة، ولن يحتاج لاصوات داعمي ‘اسرائيل’ مستقبلا. وما لم يتم انهاء الاحتلال الاسرئيلي لفلسطين فلن تستقر العلاقات الامريكية مع العالم العربي، بل سيظل التوتر والتشكيك في النوايا والاستعداء المتبادل سمات اساسية لتلك العلاقات.ثانيها: الموقف ازاء ايران، وهي قضية لا تقل تعقيدا عن القضية الفلسطينية. ويسجل للرئيس الامريكي انه استطاع قضاء فترة رئاسته الاولى بدون ان يتورط في حرب ضد الآخرين، كما فعل من سبقه من الرؤساء. وبرغم ضغوط رئيس الوزراء الاسرائيلي على واشنطن لشن عدوان ضد الجمهورية الاسلامية فقد أصر اوباما على الاستمرار في نظام العقوبات. وهنا لا بد من الاشارة الى ان العقوبات التي يتم تنفيذها حاليا تعيد الى الاذهان تلك الحقبة السوداء من تاريخ الانسانية المعاصر عندما فرض الحصار على الشعب العراقي اثني عشر عاما بدون رحمة. وربطت دراسة جديدة بين الزيادة في تشوه الأجنة والغزو والعمليات العسكرية التي تعرض لها العراق. وأشارت الدراسة الى ارتفاع حاد في عدد المواليد المشوهين في أعقاب الحرب التي عصفت بالبلاد، وبات العراق يشهد معدلات عالية من عمليات الإجهاض، نتيجة ارتفاع معدلات التلوث بالرصاص وأبخرة الزئبق السامة، وقال اختصاصي السموم البيئية في مركز الصحة العامة في جامعة ميتشغان ‘موزغان سافابيسفهاني’، وهو أحد أعضاء فريق الدراسة: إن هناك أدلة دامغة تربط بين تزايد العيوب الخلقية عند أطفال العراق وتزايد حالات الإجهاض بالهجمات العسكرية التي تعرض لها ذلك البلد. وتعاني ايران في الوقت الحاضر من آثار الحصار الذي سيتجاوز في حدته ووحشيته حصار العراق، حيث بلغ ذروته في القطاع المصرفي الذي اصبح مقطوعا عن العالم بشكل شبه كامل. وقد فرضت ثلاث مراحل من الحصار، ويتوقع توسيع دائرته لتصبح اكثر تدميرا من حصار العراق. وسبب هذا الاستهداف ليس قيام ايران بعدوان ضد أحد او تجاوزها القوانين الدولية، بل لانها تصر على الاحتفاظ بحقها بما يسمح لها به القانون الدولي، بينما تريد القوى الغربية فرض اجندتها السياسية الهادفة لحرمان الامتين العربية والاسلامية من التمتع بقدرات علمية وتكنولوجية تتيح لشعوبهما القدرة على التطور والانتاج والابداع. المشروع النووي الايراني ذريعة لوقف التطور العلمي الذي حققته ايران في ميادين العلم والصناعة والتكنولوجيا العسكرية. وفي مطلع العام أعلن مركز ‘اسوبس’ العلمي الوثائقي، ان إيران احرزت المرتبة الاولى اقليميا و الـ 17 عالميا في مجال انتاج العلم خلال العام الميلادي المنصرم. وتحتل ايران المرتبة الاولى اقليميا في مجال صناعة السفن العملاقة. والمرتبة الـ 12 عالميا على صعيد انتاج العلوم في مجال النانو، والمرتبة السادسة في مجال الصناعات الصاروخية. هذا التطور يمثل، في نظر الغرب، تحديا للحضارة الغربية التي تصر على الهيمنة بالقوة والغلبة، وتستعمل ذلك لابتزاز الدول الاخرى واستغلال خيراتها ومصادرة قرارها السياسي. ومن الصعب التنبؤ بما سيفعله اوباما في فترة رئاسته الثانية، ولكن الكثيرين يؤكدون انه أقل ميلا لشن عدوان عسكري ضد الجمهورية الاسلامية. وثمة اجماع على ان بنيامين نتنياهو خسر خيار الموافقة الامريكية على شن حرب ضد ايران. وقبيل الانتخابات الرئاسية الامريكية انتشرت انباء باحتمال عقد مفاوضات امريكية ايرانية قريبا، وان الطرفين يواجهان فرصة مناسبة للتعاطي مع ملف العلاقات الذي تجمد منذ 33 عاما. وسيكون التقارب الامريكي الايراني، اذا ما تحقق، الحدث الابرز في فترة رئاسة اوباما الثانية. كما انه سيحدث تحولات كبيرة في التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح الاحتلال الاسرائيلي او الدول المحسوبة على الفلك الامريكي حاليا. مع ذلك لا بد من التحذير بعدم الافراط في التفاؤل لاسباب عديدة: اولها ان هناك شرخا نفسيا عميقا بين الطرفين، ثانيها: ان الخلاف بينهما يتخذ ابعادا ايديولوجية واستراتيجية تعمقت بسنوات القطيعة، ولن يكون تجاوزها امرا يسيرا، ثالثها: وجود اطراف تعمل ضد اي تقارب بين الطرفين لان ذلك سيؤثر على مصالحها وعلاقاتها وتحالفاتها الاقليمية وخياراتها السياسية. برغم ذلك يعلم الايرانيون ان وجود اوباما في الرئاسة يوفر لهم فرصة قد لا تتكرر كثيرا في بلد يتحكم اللوبي الصهيوني في سياساته الخارجية بشكل خارج عن التصور. وفيما يصر اوباما على تكثيف الحصار الاقتصادي ضد ايران، ويعتبر ذلك بديلا للحرب، فسيشعر الايرانيون في زمن غير بعيد باضرار ذلك الحصار الذي قد يتجاوز في شدته حصار العراق.العالم العربي هو الآخر يتدبر امره وهو يمر بواحدة من اصعب فتراته السياسية، انها المرحلة التي يسعى فيها للتحول من عهد الاستبداد والديكتاتورية والفساد السياسي غير المسبوق، الى عالم الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وادارة شؤونها بدون وصاية حكام الجور والطغيان. محاولات التحول هذه تصطدم بواقع تحالفت فيه القوة العسكرية والامنية الغربية مع المال النفطي الهائل الذي تسيطر عليه قوى الثورة المضادة. وبرغم محاولات الرئيس اوباما في فترة رئاسته الاولى اتخاذ موقف يضع امريكا على الجانب الصحيح من التاريخ، الا انه سرعان ما غير موقفه واعاد تحالفه مع قوى الاستبداد، ويمكن اعتبار ذلك من أبشع الانقلابات ضد مشاريع الحرية والديمقراطية، لانها تنكرت لتضحيات شباب الثورة واضعفت نتائجها، واصابت الكثيرين بالاحباط، خصوصا في بلدان مثل اليمن والبحرين وسوريا. لقد كان موقف ادارة اوباما من الربيع العربي مخيبا لآمال الكثيرين ممن كانوا يعولون على الموقف الغربي الذي يفترض ان يروج قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. ولكن ادارة اوباما ادارت ظهرها للثوار باساليب مختلفة وتنكرت لحقوق الانسان بشكل مخجل، واتخذت قرارا بالعودة الى سياساتها القديمة. وكان للرئيس اوباما دور في تحديد هذا الموقف، حيث خضع لابتزاز المال النفطي الهائل وتخلى عن طلاب الحرية ودعاة الديمقراطية. وتأمل واشنطن ان تنطفىء شعلة الثورة لكي لا تحاصر الغربيين الذين فشلوا في الوفاء للقيم التي يروجونها، وبدلا من ان تشاطر ادارة اوباما ثوار الربيع العربي نضالهم على طريق الحرية والديمقراطية، كررت تصريحاتها بدعم الانظمة، وتميز موقفها ازاء ثورة شعب البحرين التي ما تزال مشتعلة بالجفاء التام، فلم تدع يوما لتغيير سياسي يوفر للشعب حق المشاركة السياسية او انتخاب نظام الحكم الذي يرئتيه. وصمتت كذلك امام اعتقال نشطاء حقوق الانسان، ولم تطلق كلمة واحدة ضد قرار سحب الجنسيات عن 31 من نشطاء الثورة، فيما اعيد اعتقال الاطباء، وصدرت قرارات رسمية بمنع التظاهر والاحتجاج، وتكرست سياسة تكميم الافواه بتجريم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد العائلة الحاكمة. وفي الوقت الذي يعتبر فيه اعادة انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية ‘أهون الشرين’ او ‘أقل الضررين’ فان الوقت قد حان للشعوب العربية لتصميم توجهاتها ومواقفها بعيدا عن منحى السياسة الامريكية التي فشلت بجدارة في دعم اقامة مشروع ديمقراطي فاعل في المنطقة العربية. واذا كان لا بد من التشبث بشيء من الامل، فان قلوب العرب والمسلمين تخفق متمنية وقف الحروب العدوانية على المنطقة، لتسترد انفاسها وعافيتها وتنتظم امور شعوبها في ظل الحرية من الاحتلال والاستبداد والديكتاتورية. فان التزم اوباما بالامتناع عن الحرب والتصدي لدعاتها فسيكون ذلك موضع تقدير كبير، خصوصا اذا شفع ذلك بدعم التحول نحو الديمقراطية والتخلص من انظمة القمع والاستبداد. ربما يكون التفاؤل في غير مكانه، وهذا ما سيتضح في الشهور المقبلة عندما يبدأ الرئيس اوباما طرح خططه السياسية لفترة رئاسته الثانية والاخيرة. مشكلة الرئيس الامريكي انه محاصر بوضع اقتصادي متداع لم يسبق له مثيل منذ كارثة الكساد العام في ثلاثينات القرن الماضي، وان هناك اكثر من 24 مليون عاطل عن العمل، اي ما يقارب عشرة بالمائة من مجموع السكان. ولذلك ستكون صفقات السلاح مع الدول العربية النفطية خيارا جذابا، خصوصا اذا انسلخ الامريكيون عما يسمونه ‘قيم الآباء المؤسسين’. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن