في المؤتمر الصحافي الاستثنائي الذي أجراه أمس مع الرئيس دونالد ترامب، بدا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو معتدا بنفسه. للمرة الاولى في حياته يتم استقباله مثل الملوك في البيت الابيض. ولو كان باراك اوباما اعتاد على تقديم الحد الأدنى من الاحترام لنتنياهو، فان ترامب قدم الحد الأقصى الممكن. وزوجته سارة حظيت بالشكر والتقدير، الأمر الذي سيضمن بقاء ترامب صديقا للعائلة والأمة لبضعة اشهر على الأقل.
إلا أن اعتداد رئيس الحكومة بنفسه لا يبشر بالخير بالضرورة. فمنذ ايام «صخرة وجودنا» في نفق حائط المبكى ومرورا بالسيطرة على سفينة «مرمرة» وفقدان تركيا وانتهاء بالعلاج المتعجرف والمدمر لموضوع الاتفاق النووي مع ايران، عندما يكون نتنياهو يشعر بالنشوة، يجب فحص الملاجىء بشكل جيد، كما كتبت في كتابي «قبل التحطم وقبل الفشل يجب فحص سرعة الرياح». حين يصل نتنياهو إلى هذا الارتفاع يكون هذا مقدمة في العادة للنزول إلى العمق.
يجب علينا مع ذلك الاعتراف أنه كان له سبب للاحتفال أمس. فبدل رئيس مثل اوباما الذي وجد صعوبة في اخفاء تحفظه، حظي برئيس مثل ترامب الذي شكر الله على حرف الانتباه عن العاصفة السياسية التي حدثت في اعقاب استقالة مستشار الامن القومي مايكل فلين، والأنباء المتزايدة عن العلاقات المحظورة بين هيئة الانتخابات التابعة له وبين المخابرات في الكرملين. بدل اوباما الذي كان ملما بتفاصيل المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين، حصل نتنياهو على ترامب الذي لا يعرف شيئا وهو بمثابة أداة فارغة يمكن ملأها بالأحابيل التي يتقنها نتنياهو. أخيرا يحظى رئيس الحكومة بفرصة التحدث عن اليهود الأخيار والعرب الأشرار دون التصادم مع وجه الرئيس السابق الحامض. في اوساط مساعدي ومستشاري ترامب تمر هذه الرسائل بالأسود والأبيض بشكل جيد، رغم أنه ليس مؤكدا إلى أي درجة ترامب نفسه مع قدرته المحدودة على الاستماع، يمكنه أن يتحملها فترة طويلة من الزمن.
من يؤيدون الاتفاق مع الفلسطينيين قد يجدون عزاء في تحذير ترامب لنتنياهو حول ضرورة وقف البناء في المستوطنات، وحول ضرورة ايجاد حل للصراع مع الفلسطينيين. وهذا بالطبع لا يقلل من حجم الضربة الشديدة التي نزلت أمس على رأس حل الدولتين لشعبين، بعد امتناع نتنياهو عن ذكره، سواء نتيجة ضغط اليمين، كما يقول المحللون، أو لأنه بحث عن فرصة اولى لوضع خطاب بار ايلان في المخزن، الذي ألقاه كما هو معروف نتيجة ضغط اوباما فقط. ترامب في المقابل، لم يلغ التأييد الامريكي لحل الدولتين فقط، بل هو تملص من ضرورة اتخاذ الامريكيين موقفا حول ضرورة حل الدولتين، أو الدولة الواحدة، كما تريدون. شعر المسيحانيون ومن يؤيدون الضم وحماس ودولة جميع مواطنيها بالراحة أمس. والقيادة الفلسطينية في المقابل، ستشعر بأنها معزولة ويتيمة.
يمكن القول إن تأبين حل الدولتين ما زال سابقا لأوانه، حتى لو لم يكن لاسرائيل والولايات المتحدة سبب للتظاهر بالسعي إلى اقامة دولة فلسيطينية، فإن الدول العربية الراعية شكليا للسلام الاقليمي، ستهتم بالتذكير بذلك. صحيح أن ترامب بدا متفاجئا بسبب طرح المفهوم من قبل نتنياهو، بل وتحدث عن السلام الاقليمي كفكرة جديدة، لكن ذلك كان بسبب عدم وجود المعلومات لديه، وهذا الأمر جديد بالنسبة له: بالتأكيد هو يعتقد أن اتفاق اوسلو يرتبط بالتنقيب عن النفط من قبل النرويج في البحر الشمالي. صحيح أن الدول العربية ترغب في التقرب من اسرائيل، والحصول على اعجاب ترامب بسبب مواقفه المتشددة من ايران، لكنها لن تنضم إلى مبادرة سلام جديدة دون ورقة التين الفلسطينية، الأمر الذي سيعيد حل الدولتين إلى الحياة.
لكن إذا قام ترامب ونتنياهو بإلقاء بعض الفتات لمن يؤيدون الاتفاق مع الفلسطينيين ولليساريين من اجل الحفاظ على الأمل، فالأمر مختلف بالنسبة لليهود في الولايات المتحدة الذين طعنهم نتنياهو بالظهر وقام بالقائهم تحت اطارات الحافلة. وبدل استغلال الفرصة التي أعطاه إياها موآف فاردي الشجاع من القناة العاشرة، والتلميح ولو بشكل بسيط إلى الانتقادات تجاه اللاسامية التي تتسع تحت جناحي ترامب، أو قول ولو كلمة واحدة حول التضامن مع مخاوف يهود امريكا، فضل نتنياهو تملق مضيفه وطواقمه وعنصرييه البيض، ومنحهم شهادة صلاحية وعفو كامل.
هذا ما قام بفعله من ادعى أنه زعيم الشعب اليهودي بالنسبة للاسامية في الدول التي تبدي تسامحا أقل في موضوع المستوطنات.
رد ترامب كان أكثر غرابة. فقد تحدث عن ابنته وزوجها وأحفاده اليهود الذين يمنحونه العفو على كل اشتباه بالتعرض لليهود. وبعد ذلك قام بترديد جمل قد يكون تذكرها من أيام الصبا حول انتصار الحب. وبهذا أعاد ترامب مستمعيه إلى الواقع وذكّر الجميع بأن الرئيس جاهل لا يميز بين الفانتازيا والواقع وأن نظريته هي «الأنا». وعندما قال إن المشكلة المركزية حول الاشتباه بأن مستشار الامن القومي مشبوه بعلاقة محظورة مع روسيا، وقامت جهات بتسريبها ووسائل الإعلام الكاذبة نشرتها، وقف نتنياهو وابتسم متضامنا. ولكن الأمور الغريبة يجب أن تشعل الضوء الأحمر لأن العجلة تدور. وطالما أن نتنياهو يقوم بمدح ترامب، خصوصا أنه يحتاج ذلك، فسيحظى نتنياهو بالعناق. وفي اللحظة التي يُمرر فيها فمه ـ هذه اللحظة ستأتي ـ سيتم تذكر الشعور المتسامي عشية زيارته في واشنطن وكيف أنه بدأ من هناك طريق النزول إلى أسفل.
هآرتس 16/2/2017
حامي شيلو