د. عبدالوهاب الافندي
(1)الرجوع إلي الحق فضيلة كما في القول المأثور، وعليه أنا مدين باعتذار للقائمين علي قناة الجزيرة لأنني قد كنت في السابق شككت في احتمال نجاح مشروع القناة الانكليزية الذي كانوا يخططون له. وكما أوضحت حينها فإنه كانت لي مبررات موضوعية لهذا التشكك. فالقناة العربية وإن كانت حققت نجاحاً لا بأس به فإن المنافسة مع القنوات العربية البائسة شيء، والمنافسة مع القمة في الإعلام العالمي شيء آخر. وبعض أسباب نجاح قناة الجزيرة العربية قد تحسب ضدها في نسختها الانكليزية. فالقناة نجحت لأنها حطمت حواجز الصمت وعبرت عن نبض الشارع العربي. ولكن ما يعجب العرب ويشدهم قد لا يعجب الآخرين، بل قد ينفرهم.(2)من هنا فإنها كانت مفاجأة سارة حين أطلقت القناة فإذا بها تفوق كل التوقعات وتحقق نجاحاً باهراً منذ أسبوعها الأول. وقد تحقق لهذا لأن القناة أحسنت الإعداد للإطلاقة، واختارت كفاءات عالمية متميزة، واتبعت حرفية عالية وابتكرت صيغاً مبتكرة للبرمجة. وقد استفادت القناة من سمعتها ولكن تجنبت الأخطاء والمحاذير التي شابت أداءها العربي. ولهذا لقيت استقبالاً حافلاً واعتبر إطلاقها حدثاً ذا أهمية دولية كبيرة، وأصبح خبراً يتصدر النشرات حول العالم.(3)هذا الاستقبال الحافل ليس بالضرورة ضماناً للنجاح الأكيد، لأنه يعتمد كثيراً علي الفضول الذي أثارته سمعة الجزيرة. أحد المتابعين الأمريكيين علق بأن تركيز القناة علي أخبار العالم الثالث والإعلام الرسالي لن يجذب إليها المشاهدين الغربيين. وقال هذا المعلق، إن هذه القناة هي القناة التي كان يمكن أن ينشئها الناشط في محاربة الفقر (والموسيقي الأيرلندي الشهير) بوب غيلدوف لو اتجه إلي هذا المسار. (ولعلها مفارقة أن كان غيلدوف من أوائل من حاورتهم القناة).(4)لي سابقة في مناقشة الإعلام من هذا النوع، تستند علي تجربة شخصية طويلة في هذا المجال. وخلاصة القول أن ما يسمي بالإعلام الهادف لا يكسب صاحبه خبزاً. أحد الكتاب علق علي انشغال الجزيرة بأخبار العالم الثالث ومشاكله بعبارة تعمد فيها الطرافة قائلاً: خبر عاجل: لأمر ما لا تنشغل القنوات التجارية الكبري بمثل هذه الأخبار! (5)مهما يكن فإن القناة حققت نجاحاً كبيراً علي المدي القصير، وقدمت صيغة جديدة وجذابة للمشاهد الغربي. وفيما يتعلق بي شخصياً (وبالعرب عموماً) فقد جنبتنا الفضيحة ذات الجلاجل التي كنا نتخوف منها. وهذا يكفينا علي المدي القصير.(6)فيما يتعلق بقناة الجزيرة، فرب نافعة ضارة. شخصياً أصبحت أقلل كثيراً من متابعة القناة العربية، لأن القناة الانكليزية أكثر جاذبية وأعمق في تناولها للخبر وأوقع في تصويرها. علي سبيل المثال نجد أن تناول القناة الانكليزية لأحداث دارفور تفوق خلال أسبوع علي كل ما صدر عن القناة العربية خلال سنوات. وحتي في الأحداث والقضايا المتزامنة (مثل يوم التوعية بمرض الأيدز) كانت تغطية القناة الانكليزية أوقع وأبلغ من تغطية شقيقتها العربية التي ظلت تغطيتها علي جانب كبير من التجريد والعمومية.(7)للنجاح، كما للفشل ثمنه. وإذا كان قادة التحالف الأنكلو ـ أمريكي ائتمروا علي قصف الجزيرة وإسكاتها ونفذوا بعضاً من ذلك بدعوي أنها تبث ما كانوا يودون إخفاءه، فإن نجاح القناة الانكليزية في كسر الاحتكار الدولي للهيمنة الإعلامية (كما تهدد بذلك) قد يعني أن رؤوساً نووية ستكون في طريقها إلي الدوحة.(8)قليلون هم الذين يتهمون الإعلام الأمريكي والبريطاني بالتمرد علي حكوماته ومناكفتها في حروبها اللانهائية ضد قطاع واسع من البشرية، بل التهمة غالباً هي العكس: هذا إعلام مدجن قابع في حجر الحكومات. ولكن هذا لم يمنع رامسفيلد وبلير وشيعتهما من صب جام غضبهم علي الإعلام الأمريكي والبريطاني واتهامه بالتمرد والخيانة وممالأة الأعداء. وعموماً فإنه حين يتهم سياسي الإعلام بأنه يقف ضده فهذه محاولة لتعليق فشله علي شماعة المرآة. ولكن إذا كانت هذه التهم للإعلام الموالي المدجن، فكيف يكون الأمر في إعلام أعلن منذ البداية هويته المتمردة؟(9)الجزيرة كثيراً ما تتهم من قبل البعض بأنها لسان التطرف ومن قبل آخرين بأنها أداة الصهيونية. ولكن البدعة هي ما سمعناه أخيراً من مسؤول فلسطيني بأنها توالي التطرف والصهيونية معاً، علي وزن هذا خارجي رافضي مرجئ أو هذا بلشفي تروتسكي عميل للامبريالية وموال للإقطاع والرأسمالية. ومن يعش رجباً يسمع عجباً!9