اعترافات مثيرة لجمال مبارك قد تغلق ملف التوريث نهائيا!

حجم الخط
0

محمد عبدالحكم دياب

أبدينا الأسبوع الماضي الرأي حول الملاحظة الأولي علي ما جاء في حديث الرئيس الموازي، جمال مبارك، الذي نشرته صحيفة روز اليوسف علي أجزاء، وكانت حول تفسيره الخاص للنتائج المتدنية للانتخابات التشريعية الأخيرة، وتجاهله ما جري فيها من انتهاكات قانونية وسياسية وأخلاقية بالغة. وبقيت الملاحظة الثانية عن التوريث، من نصيب هذا الاسبوع. بداية نشير إلي أن عائلة مبارك ومواليها وأجهزتها تعودوا علي إطلاق التصريحات الكاذبة، وصارت مفرداتهم في الحديث تعني عكس منطوقها تماما، وأكذب ما في هذه التصريحات هو أسخفها، وتتكرر بلا ملل عن محدودي الدخل، وادعاءات الحرص علي البعد الاجتماعي فيما يجري باسم الإصلاح والاستثمار والخصخصة، وكل هذا هدفه التغطية علي الدعم الذي يقدم للأثرياء، والنهب الذي يقوم به اللصوص وأبناء المسؤولين وورثة الثروات والمناصب، ومكافأتهم علي دورهم في تصفية الاقتصاد المصري، ونقل ملكيته من ملاكه الحقيقيين إلي العائلة الحاكمة ومواليها، ومن ثم تنقله بدورها إلي المؤسسات والشركات والاحتكارات الأجنبية، والهدف النهائي هو تصفية الكيان السياسي والاجتماعي المصري ذاته، بعد أن أصبح وجوده واستمراره، ومواجهته اليومية للاستبداد والفساد والتبعية في الداخل، عقبة أمام المد الإمبراطوري الصهيوني القادم من الخارج.

فمثلا تعودنا عندما يتحدث حسني مبارك أو زوجته أو ابنه عن استراتيجية السلام، فهم يعنون تأكيد دورهم في تنفيذ الاستراتيجية الصهيو أمريكية، وهي التي قطعت، بفضلهم، شوطا كبيرا علي هذا الصعيد، ومن المشاهد الأخيرة التي تكشف النوايا وراء هذه التصرفات هو ذلك الحائط البشري، الذي أقيم من حرس الحدود المصري علي الحدود مع رفح، تنفيذا لمخطط شارون، قبل احتضاره، لإحكام الحصار علي قطاع غزة وتأمين الحماية للدولة الصهيونية، والضغط علي الفلسطينيين للتسليم بمطالبه، ومع نجاح حماس الكاسح، في الانتخابات التشريعية، كان حسني مبارك هو الأسرع في حمل الشروط الصهيونية إليها.. أرسل مبعوثه الخاص عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة، يحمل تهديدا سافرا، بضرورة اعتراف حماس بالدولة الصهيونية والتخلي عن سلاح المقاومة.

وضمن هذا النوع من التصريحات يأتي النجل لينفي نيته للترشيح لانتخابات الرئاسة القادمة، ويشير، في نفس الحديث، إلي مسؤولية الأحزاب عن مثل هذا الترشيح.. ووفق نص المادة 76 المعدلة من الدستور، فالحزب الحاكم هو الوحيد القادر علي ترشيحه، في نفس الوقت فإن النص لا يسمح للمستقلين بترشيح أنفسهم، وبالتبعية لا يعطي كتلة الـ88، المكونة من نواب الإخوان المسلمين الحق في تقديم مرشح، لأن أعضاءها تقدموا ونجحوا بصفتهم مستقلين، وهذا ما جعله يستفيض في حديثه عن عدم شرعية الجماعة، بمعني أن هذه الكتلة البرلمانية، التي تحتل 20% من مقاعد مجلس الشعب غير مؤهلة لتقديم مرشح للمنصب، أما باقي الأحزاب لم يحصل أي منها علي نسبة الـ5% المنصوص عليها في صلب المادة 76، كشرط من شروط الترشيح.

ويأتي تشكيل الأمانة العامة للحزب الحاكم ليؤكد التوريث ولا ينفيه، والسيناريو المرجح، مرتبط بتدهور الحالة الصحية لحسني مبارك، هدفه التعجيل بإعداد المسرح لـ التوريث، وهو سيناريو يأخذ في حسبانه الرعب المسيطر علي النجل من دخول المنافسة في معركة انتخابية حقيقية. فهو يتصور أن المنافسة تفجر كل طاقات الحقد وكوامن الكراهية ضده، كممثل لـ العائلة، ويري في دخول الانتخابات مذبحة سياسية وجسدية بكل ما تحمل الكلمة من معني. لهذا رفض كل نصيحة لدخول الانتخابات التشريعية السابقة، وتبدو حالته النفسية وخوفه المرضي من الشعب وراء عدم ثقته في أجهزة الأمن وسطوة المال والبلطجة في اجبار الناخب علي اختياره، وما زال يري أنه حيتمسخر، بالتعبير المصري الدارج، أي يتم التنكيل به، إذا ما كان له منافس. ولهذا استقر رأي العائلة علي أن يكون هو المرشح شبه الوحيد، مع بعض التجميل الذي يخفف من وطأة ما سيجري فيما يشبه الاستفتاء.

ولأنه لا يأمن مكر الحرس القديم فقد حرص علي ألا يعرض نفسه لهذا الامتحان داخل حزبه وبين مواليه، وعليه لم يتلق حسني مبارك طلبا واحدا من دعاة الإصلاح بأن يكون الانتخاب أساس اختيار القيادات الحزبية، وأعيدت كَرّة التعيين، وصدر قرار تشكيل الأمانة العامة للحزب الحاكم واحتل فيها النجل منصب الأمين العام المساعد، ولم تبق أمامه غير درجة واحدة في سلم الصعود إلي منصب الأمين العام، أو نائب رئيس الحزب، ومتوقع أن يصل إلي أي منهما عقب انعقاد الدورة الاستثنائية لمؤتمر الحزب. في نيسان (بريل) القادم، وقتها يكون هذا النجل قد ورث الرئاسة، عمليا، وعلي المتضرر أن يخبط رأسه في أقرب حيط!

وحرص تشكيل الأمانة العامة الجديد، علي ألا يكون به ما يهدد مستقبل الوريث، فالموالي الذين عينوا فيها يتحكمون في مفاتيح القرارات الحزبية والتشريعية والتنفيذية، وحرص كذلك علي رد الاعتبار للفاشلين منهم، فحسام بدراوي، الذي حول مهنة الطب إلي جزارة، بإرساء قاعدة العلاج الاستثماري في مستشفاه. والذي فشل في الانتخابات أمام هشام مصطفي خليل، ثم تعيينه فيها، ورد الاعتبار له بعزل والد غريمه (مصطفي خليل) من منصبه كنائب لرئيس الحزب، بسبب وقوفه مؤيدا لإبنه في دائرة قصر النيل، ضد بدراوي، وأعيد الاعتبار، كذلك، إلي أشهر الوزراء فشلا.. وهو علي الدين هلال، الذي حصلت مصر في عهده علي الصفر الضخم، عندما تقدمت لاستضافة مونديال الكرة، ونفس الشيء حدث مع محمد كمال، الذي فشل في إدارة الحملة الإعلامية في الانتخابات. ولم يبق في الأمانة العامة، من الحرس القديم، إلا صفوت الشريف يتجرع الوحدة والعزلة.

دفع حسني مبارك، بهذا التشكيل، الوضع نحو التوريث بقوة، ومهما قال النجل وصرح الأب، ومهما أنكرت العائلة، فالاتجاه واضح وترتيبات التوريث لا تخطئها العين.. ويبقي سؤال، هل من الممكن إفشال سيناريو التوريث؟ والرد هو أن ذلك ممكن، بل واجب، ويتوقف علي إنضاج موقف شعبي وسياسي، قادر علي التصدي لهذا السيناريو، إلا أن المشكلة في أن الحركة السياسية القادرة علي هذا التصدي، ما زالت وليدة، لا تقدر وحدها علي أن تكون العامل الحاسم، في هذه المهمة الصعبة، إلا أن هناك عوامل أخري قد تنضج عملية الإفشال. منها وطأة المرض علي حسني مبارك. وشعور العائلة بالقلق البالغ من احتمال اختفائه، قبل مرور السنتين المطلوبتين لاستكمال ترتيبات التوريث، هذا الشعور دفعها إلي تسريع إجراءات التوريث، ومن بين عمليات التسريع تلك الإجراءات الاقتصادية لـ التكويش علي ما تبقي، وتقديمه قربانا للقوي الخارجية الضاغطة. كعربون من أجل نقل السلطة من الأب إلي الإبن، وبدأت عمليات القبول الصهيوني والأمريكي والأوروبي تفصح عن نفسها فيما يسند إلي حسني مبارك من مهام علي الساحات العراقية والسورية واللبنانية والفلسطينية.

لكن ما جاء في الجزء الرابع من حديث النجل لصحيفة روز اليوسف في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، قد يقطع الطريق علي هذا السيناريو، ويدفع بعض العناصر والقوي إلي طلب محاسبة النجل. لوضعه الدستوري، كوزير بالرئاسة، ومع أن هذا الوضع ما زال سرا لكثيرين، لأن حسني مبارك عندما أصدر قراره بتعيين ابنه وزيرا ومستشارا اقتصاديا له، نشر القرار في عدد محدود للغاية من الصحيفة الرسمية، فلم يتسرب إلي الرأي العام أو الصحف وأجهزة الإعلام. وهذا هو الذي سمح له بحضور جلسات مجلس الوزراء، ومع ذلك يكذب، ويدعي أن الأمين العام هو الذي يطلب أن أكون موجودا! وكان ذلك ردا علي سؤال عبد الله كمال، الذي أجري الحديث حول حضور الاجتماعات الرسمية، غير الحزبية، مثل الاجتماعات الوزارية، ووضعه الدستوري هذا ومناصبه تضعه تحت طائلة القانون، فالمادة 158 من الدستور تنص علي أنه لا يجوز للوزير أثناء تولي منصبه أن يزاول مهنة حرة وعملا تجاريا أو ماليا أو صناعيا أو أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يقايضها عليه، وفي غيرها من المواد الشبيهة ما يمنع الجمع بين المنصب الرسمي وممارسة أعمال تحمل شبهة التربح واستغلال النفوذ الإداري أو السياسي، وها هو يقدم اعترافا واضحا ومثيرا، يقر فيه بالجمع بين مناصبه الرسمية والسياسية والتجارة والأعمال الخاصة، بما فيها من تعارض مع المسؤوليات الموكولة إليه.

وهذه نصوص الاعترافات كما وردت في الحديث المشار إليه، حيث يقول في الاعتراف الأول: في الوقت الحالي، ومع انشغالي الكبير، وتحديدا في العامين الماضيين، فإنني أباشر عملي المهني من خلال عضويتي في مجلس إدارة شركة خاصة بإدارة صناديق الاستثمار المباشر، وهي شركة المجموعة المالية هيرمس للاستثمار المباشر.. وفي الاعتراف الثاني يذكر: كذلك عضويتي في مجلس إدارة أحد البنوك المصرية منذ عام 1996 وهو البنك العربي الإفريقي الدولي.. أما الاعتراف الثالث فقد ورد في رده علي ما يثار عن الشركة التي يملكها، التي يزيد رأسمالها، كما ذكر عبد الله كمال، علي 600 مليون جنيه.. يقول فيه.. أولا أنا لست رئيس مجلس إدارة هذه الشركة، وإذا كنت بالفعل فهذا لا يعيبني بل يشرفني أن أكون رئيسا لمجلس إدارتها. ولكني فقط عضو في مجلس إدارة هذه الشركة منذ عدة سنوات. ثانيا.. هي شركة لإدارة صناديق الاستثمار المباشر (يقصد شركته لمضاربات والأوراق المالية واسمها ميدانفست).. وهذه الاعترافات تمثل وجها من وجوه تعامل النجل مع الدولة.. وهو متناقض ومنتهك للنصوص القانونية والدستورية، المحددة لسلوك شاغلي الوظائف العامة.. إنه يتكسب ويتربح ولا يتجمل، وكل ذلك بطرق غير مشروعة، من وجهة نظر القانون والدستور.

وأن تتبني القوي االسياسية، الرافضة لحكم العائلة، هذه الاتهامات وغيرها، لمحاسبة النجل وللطعن في أهليته للوراثة، فإن هذا كفيل باجهاض سيناريو التوريث، وقد يكون ذلك أكثر حسما إذا ما تلازم مع مطلب آخر، تنامي في الفترة الأخيرة، وورد علي ألسنة عناصر وقوي وطنية وقومية وإسلامية عديدة، يطالب بعزل حسني مبارك.. وعند ذلك فسوف تنقلب الموازين الداخلية، فتخفف من قبضة أجهزة الدولة والشرطة والأمن والحزب الحاكم، لتصبح أقل قدرة علي توفير الحماية لـ عائلة مبارك ومواليها في مواجهتهم لمصيرهم المحتوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية