اعتزال الحريري في ميزان المسؤولية السياسية والمصالح الاقتصادية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

قرار زعيم تيار المستقبل سعد الحريري تعليق نشاطه السياسي، وعدم خوض الانتخابات النيابية المقررة في ايار/مايو المقبل، وامتناعه عن تسمية مرشحين عن المستقبل للانتخابات أرسل إشارات قوية محليا وإقليميا تفيد أن لبنان أصبح على حافة هاوية سياسية جديدة، قد لا يتعافى منها لسنوات طويلة مقبلة. النظام السياسي اللبناني نظام طائفي، لا جدال في ذلك. كما أن اقتصاده يعكس صورة مؤسساته الطائفية الحاكمة، وليس مستقلا عنها. وبطبيعة تكوينه الجيوستراتيجي ظل لبنان منذ قامت دولته الحديثة ساحة للصراعات السياسية في المنطقة، سواء بين أطراف عربية وبعضها البعض في إطار استقطاب إقليمي كان يمثل امتدادا للحرب الباردة بين التيارين التقدمي القومي والرجعي الديني بعد الاستقلال، أو بين أطراف عربية وغير عربية بعد الحرب الأهلية، حيث انتقل محور الانقسام الإقليمي إلى خط طائفي بين السنة والشيعة. وقد وجدت هذه الصراعات امتداداتها داخل مكونات «الطبقة السياسية» الحاكمة في لبنان، خلال مرحلة المد القومي العربي، ثم في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.
وبدون «المثلث الطائفي-السياسي» لا يوجد نظام سياسي أو أي نظام بالمعنى العام في لبنان، وذلك حتى يتغير أساس النظام السياسي. وقد فشلت القوى المدنية في لبنان، كما فشلت قوى «الربيع العربي» في غير لبنان، في إفراز قيادة سياسية جديدة تدرك الحاجة إلى إعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة منقطعة الصلة بجذور النظام القديم، ولها القدرة على إنهاء ظاهرة انتشار الجماعات العسكرية المنظمة خارج إطار مؤسسات الدولة، وإنهاء ظاهرة «الدولة الفاشلة». وإذا كان سعد الحريري قد أعلن تعليق مشاركته في الحياة العامة، بينما لبنان يقترب من انتخابات عامة مقررة، معللا قراره بأنه «لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني، والتخبّط الدولي، والانقسام الوطني، واستعار الطائفية، واهتراء الدولة» فإنه بذلك قد حدد العوامل التي تمثل من وجهة نظره أسباب تلك الحالة من اللانظام والتدهور التي تقذف بالطموح في التغيير للسقوط إلى دوامة المستحيل. هذه الأسباب التي حددها الحريري في رسالته هي في الوقت نفسه عناوين التغيير المطلوب. ومع أن هذا التغيير لن يتحقق بين يوم وليلة، فإن تأخير البدء فيه يعني مزيدا من التعقيدات ويحول لبنان إلى مجرد «إقليم مختطف» من جانب جماعات تحمل السلاح وتمارس الفساد.
ويمكن النظر إلى مسألة الحريري ولبنان من زوايا كثيرة منها زاوية البيئة الاقتصادية المحيطة؛ الأسباب والتداعيات المحتملة. الحريري قد يعود عن قراره، وقد يشارك حزبه في الانتخابات، ربما تحت قيادة انتقالية مؤقتة حتى عودته. لكن التدهور الحالي ليس من المرجح أن يتوقف، ما لم تتغير ميول وتوجهات وبرامج مكونات الطبقة السياسية.
من الصعب جدا عزل الانهيار الاقتصادي في لبنان عن انهيار الدولة وطبيعة الأزمة السياسية في البلاد. كما أن من الخطأ اعتبار الأزمة السياسية بنيانا مستقلا منقطع الصلة بالوضع الإقليمي؛ ذلك أن لبنان في حقيقة الأمر يدفع ثمن موقعه الجيوسياسي وتكوينه الاجتماعي المتنوع، في وقت انتشرت فيه الطائفية السياسية في الشرق الأوسط، واشتعل فيه الصراع الخليجي-الإيراني إلى درجة الحرب الساخنة بالوكالة، في ظل حالة «اللانظام العربي» العاجز عن حل أي مشكلة، والخاضع لنفوذ قوى أجنبية من الشرق والغرب، وأيضا لنفوذ القوى الإقليمية غير العربية. ومن ثم فإن أي اعتقاد بأنه يمكن وقف التدهور في لبنان بحل الأزمة على أسس داخلية بحتة هو اعتقاد خاطئ، لأن محركات الصراع في لبنان ليست ولن تكون مجرد محركات داخلية بحتة.

حرب المخدرات

ويحمل استمرار تدهور الأوضاع في لبنان مخاطر كبيرة على المنطقة التي يتفكك فيها النسيج الاجتماعي بسرعة فائقة، وتتحلل خلالها العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن الظواهر الخطيرة التي تنمو بسرعة أن فشل الدولة حول لبنان إلى مركز إقليمي رئيسي للتهريب، وعلى الأخص تهريب المخدرات بكميات كبيرة إلى دول الخليج والعراق وليبيا والأردن والسودان وكذلك عن طريق سوريا. ويرتبط تهريب المخدرات عادة بنمو شبكات الجريمة المنظمة وتهريب وغسيل الأموال. وعلى الرغم من المكاسب التي تحققها حرب المخدرات لشبكات التهريب، فإن الاقتصاد اللبناني نفسه يدفع ثمنا فادحا لهذه الظاهرة، حيث يتم رفض الصادرات اللبنانية في أسواق الدول المجاورة، وتزيد إجراءات الرقابة عبر الحدود، ويتم فعلا تجنب الاستيراد من لبنان خشية تهريب المخدرات وسط الشحنات التجارية كما حدث في السعودية والكويت. وقد لاحظ البنك الدولي أن لبنان لم يستفد من هبوط قيمة الليرة في زيادة الصادرات، كما أنه فشل في استثمار فرص كبيرة لزيادة الصادرات بسبب اضطراب سلاسل الإنتاج والإمدادات على مستوى العالم في سياق التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا. وقد سجلت دول الخليج زيادة كبيرة في تهريب المخدرات معظمها من الحشيش وأقراص «كبتاغون» كانت مخبأة وسط شحنات زراعية وغذائية لبنانية جاءت عن طريق البحر أو في شاحنات عبر سوريا والأردن أو عن طريق دول أخرى مثل ليبيا والسودان، أو حتى عن طريق اليمن. ويتردد في دول الخليج والأردن أن حزب الله اللبناني، والميليشيات السورية المدعومة من إيران التي تسيطر على جزء كبير من جنوب سوريا تقف وراء تصاعد عمليات تهريب المخدرات إلى دول الخليج والعراق والدول الأوروبية.

ملامح الأزمة الاقتصادية

الانهيار الاقتصادي في لبنان ليس نتيجة عوامل اقتصادية، لكنه يمثل جزءا من الأعراض الجانبية الناتجة عن الانهيار السياسي واحتكار جماعات مسلحة إدارة أمور الحياة اليومية، وسط فشل الدولة وانهيار مؤسساتها، هكذا قال البنك الدولي. وقد خسر الناتج المحلي الإجمالي للبنان 58.1 في المئة من قيمته بين عامي 2019 و 2021 ليبلغ 21.8 مليار دولار في عام 2021 مقابل 52 مليار دولار في عام 2019 وهي أكبر نسبة انخفاض في الناتج المحلي في العالم حسب بيانات البنك الدولي عن الدول الـ 193 الأعضاء فيه. وجاء هذا الهبوط الحاد في قيمة الناتج على الرغم من تحويلات المغتربين التي بلغت حوالي 7 مليارات دولار في العام الماضي أو ما يزيد عن ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك المساعدات الخارجية الرسمية وغير الرسمية، والحصة الإضافية من التمويل التي حصل عليها البنك المركزي بقيمة 860 مليون دولار من صندوق النقد الدولي في إطار عملية تخصيص حصص إضافية من حقوق السحب الخاصة للدول الأعضاء، لمساعدتها على مواجهة التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا.
وطبقا لتقديرات البنك الدولي فإن الليرة خسرت أكثر من 430 في المئة من قيمتها خلال العامين الأخيرين، في الوقت الذي ازدهرت فيه ثروة العاملين في تجارة العملة، وارتفعت نسبة التضخم إلى 145 في المئة عام 2021 وهي ثالث أعلى نسبة للتضخم في العالم بعد فنزويلا والسودان. وعلى صعيد المالية الرسمية للحكومة فقد هبطت الإيرادات العامة للدولة إلى نصف ما كانت عليه، لتسجل حاليا حوالي 6.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثالث أقل نسبة للايرادات العامة في العالم بعد الصومال واليمن، حيث لا توجد دولة بالمعنى التقني والسياسي. كذلك فإن الحكومة اللبنانية تعاني من عجز عن سداد الديون الخارجية التي بلغت 183 في المئة من الناتج المحلي في العام الماضي، وهي رابع أعلى نسبة في العالم بعد اليابان والسودان واليونان. ووجه البنك اتهامات قاسية إلى الحكومة فيما يتعلق بتنفيذ مجموعة من سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تضمنت تطبيق نظام أكثر مرونة لأسعار الصرف، وتخفيض دعم السلع الغذائية الأساسية وعلى رأسها الخبز والأدوية. وقال البنك ان هذه الإجراءات أدت عمليا إلى اتساع نطاق الفقر، وزيادة معاناة الفقراء، واستنزاف موارد النقد الأجنبي لصالح جماعات المهربين وعصابات الإتجار في السوق السوداء.
ويقدر صندوق النقد الدولي أن إصلاح الأوضاع الاقتصادية في لبنان، لغرض تيسير ظروف الحياة اليومية للمواطنين يحتاج أولا إلى حكومة مسؤولة تتبنى برنامجا للإصلاح يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، بعيدا عن المصالح الضيقة لجماعات الإقطاع السياسي الحاكمة، التي تستخدم الدولة سلاحا لممارسة الفساد على أوسع نطاق ممكن. بدون ذلك ستظل المساعدات التي يقدمها العالم إلى لبنان بعيدة عن تحقيق الغرض المطلوب. وطبقا لتقديرات الصندوق فإن لبنان بعد ذلك يحتاج إلى مساعدات مالية وفنية كبيرة لتجاوز حالة الانهيار الاقتصادي والحد من تداعياتها الإنسانية والاجتماعية. ويتطلب نجاح المساعدات في تحقيق أهدافها الشروع في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الشاملة في القطاع المصرفي ونظام أسعار الصرف، وإعادة هيكلة الدين العام، وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي، وإصلاح كل المؤسسات المملوكة للدولة، لضمان الشفافية ومكافحة الفساد، وإعادة تنظيم قطاعات البنية الأساسية بما فيها قطاع الكهرباء والطاقة. وتجدر الإشارة إلى أن تنفيذ الاتفاق الأخير لإمداد لبنان بالكهرباء من الأردن يتوقف على إعادة تنظيم قطاع الطاقة في لبنان، وتوفير تمويل ملائم من البنك الدولي لتنفيذ عملية الإصلاح، وضمان سداد تكلفة إعادة تأهيل الشبكات ومحطات المحولات والتوزيع للمساعدة على وصول الكهرباء من الأردن عبر سوريا إلى داخل لبنان.

أهمية تحويلات المغتربين

تعتبر تحويلات المغتربين أهم محركات النمو، وأكبر من ثلث إجمالي الناتج المحلي، وأكبر مصادر التدفقات المالية الصافية التي تدخل إلى الاقتصاد سنويا. وفي هذا السياق، بلغ اجمالي التدفقات المالية لتحويلات المغتربين إلى لبنان 6.3 مليارات دولار خلال العام 2020 وهو ما يمثل 11.5 في المئة من مجمل التحويلات إلى المنطقة العربية بأكملها في ذلك العام. ونتيجة لارتفاع نسبة المغتربين إلى عدد السكان فقد احتل لبنان المرتبة الأولى بين الدول العربية من حيث نصيب الفرد من التحويلات التي بلغت 923 دولاراً للفرد. وشكلت التحويلات إلى لبنان نسبة 37 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي بحسب سعر الصرف في السوق الموازية. كما احتل لبنان المرتبة الأولى بين الدول العربية من حيث التنوع في مصادر تحويلات المغتربين بسبب انتشارهم حول العالم. ويساعد هذا الانتشار على تجنب أثر الصدمات الاقتصادية التي تتعرض لها بعض الأقاليم، مثل الدول المصدرة للنفط على سبيل المثال في حال هبوط إيرادات تصدير النفط كما حدث في العام 2020. ومن ثم فإن تحويلات المهاجرين تمثل حتى الآن طوق النجاة الاقتصادي الرئيسي سواء على مستوى الحكومة أو على مستوى الأفراد والاستهلاك العائلي. وإذا أخذنا في الاعتبار قيمة الهدايا والتحويلات العينية إضافة إلى النقود في صحبة المسافرين، فإن حصة تحويلات المغتربين ترتفع إلى ما يقرب من نصف الإنتاج المحلي الإجمالي.

التداعيات المحتملة

يتطلب اجراء الانتخابات المقبلة مشاركة كل الكتل السياسية التي تعتبر أساس النظام الطائفي القائم في لبنان. ومن ثم فإن مشاركة المسلمين السنة سواء بقيادة تيار المستقبل أو بدونه، تمثل شرطا أساسيا لنجاح الانتخابات. بل ان خطورة موقف سعد الحريري أنه يمكن أن يشجع أطرافا أخرى على تعليق مشاركتها وتعطيل إجراء الانتخابات. أما في حال إجراء الانتخابات بغير مشاركة قيادة سياسية تنظيمية للسنة، فانه يعني أنهم سيتحولون إلى طائفة من «المستضعفين» بلا قيادة، يتوزع تمثيلهم بين قيادات الطوائف الأخرى، وهو ما لم يحدث منذ تأسيس النظام السياسي الطائفي. وسينعكس ذلك على علاقات لبنان الإقليمية، في صورة تراجع لمستوى وكثافة التفاعلات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الدول العربية ذات الأغلبية السنية. وربما يفتح الباب على مصراعيه لزيادة حدة الاستقطاب غير المباشر بين معسكري إيران وإسرائيل داخل لبنان. وعلى الرغم من انه يمكن في إطار إدارة ذكية للأزمة اللبنانية تقليل حدة الخسائر في رأس المال البشري، والمعاملات الاقتصادية، وظروف المعيشة اليومية، إلا أن إخراج لبنان من حالة الانهيار يستلزم بالضرورة ظهور إرادة سياسية جديدة، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل توازنات القوى الراهنة على الصعيدين الداخلي والإقليمي. إن فشل الدولة في بلدان مثل لبنان واليمن وليبيا هو مجرد مظهر من مظاهر أزمة إقليمية أعمق، ولن تقوم دولة ناجحة في لبنان في غياب وفاق إقليمي يمهد لوفاق محلي، أو حدوث تغير شامل في موازين القوى في المنطقة يسمح بقيام سلام إقليمي على أسس مستدامة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية