بغداد ـ «القدس العربي»: رغم التصعيد الأخير الذي شهدته محافظة البصرة، غير إن النشطاء المدنيين وأهالي المدينة الغنيّة بالنفط، يصرون على مواصلة تظاهراتهم المطالبة بالخدمات، وتحسين الواقع المعيشي للبصريين، بشكل يومي.
ولا يرى سكان البصرة، أي استجابة من قبل الحكومتين الاتحادية في بغداد، والمحلية، رغم «كثرة الوعود» بالمشاريع وفرص العمل، التي لم تجد طريقها للتنفيذ حتى الآن.
الناشط المدني محمد الوائلي، قال لـ«القدس العربي»، إن «محافظة البصرة الأولى من بين المدن العراقية التي طالبت بالحقوق، خصوصاً إنها لاقت الكثير من المعاناة بسبب الوعود الكاذبة للحكومتين. وعدنا أكثر من مرة بإطلاق تخصيصات مالية للمحافظة لإكمال المشاريع لكن لم نر ذلك».
وأشار الناشط البصري إلى إن «الحكومة لم تلتزم بوعودها للمحافظة بتخصيص مبلغ 3 تريليونات دينار (2.5 مليون دولار)، إضافة إلى تخصيص 10 آلاف درجة وظيفية لأبناء البصرة، لكن للأسف الشديد كلها كانت وعود كاذبة».
وأضاف: «البصرة المحافظة الوحيدة التي أعطت للعراق أكثر من 400 مقاتل، منذ عام 2014. وتعدّ من أكثر مناطق العراق في عدد الشهداء الذين قضوا في الحرب ضد داعش».
كذلك، اعتبر الوائلي إن «البصرة تعدّ من أكثر المحافظات العراقية التي قدمت شهداء على طريق المطالبة بالحقوق. إذ قدمت أكثر من 9 شهداء وأكثر من 90 مصابا ممن سقطوا جراء مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، في مدينة تصدر أكثر من 4 ملايين برميل نفط يومياً، فيما تفتقر للخدمات والمياه الصالحة للشرب، إضافة إلى تجاوز نسبة العاطلين عن العمل 80 في المئة». وأكد أيضاً إن «الشعب البصري أدى ما عليه للمطالب بحقوقه، وخروجه منذ مطلع نسيان/أبريل الماضي في تظاهرات احتجاجية واسعة»، لافتاً إلى إن أهالي المدينة «أوصلوا صوتهم إلى الحكومة المركزية، التي كانت تنظر لأهالي البصرة على إنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ولم تلتفت لمعاناتهم إلا بعد انطلاق التظاهرات».
ورغم سخط أهالي المحافظة على تعاطي الحكومة مع ملف البصرة، غير إن الوائلي أكد إن «الحكومة استجابت إلى أقل من 10في المئة من مطالب المتظاهرين»، مبيناً إن تلك الاستجابة تأتي «بسبب التظاهرات المطالبة بالحقوق أمام الحقول النفطية، وهذا ما دفع الحكومة المركزية إلى الخوف على مشاريعها في المدينة».
وعن دور الحكومة الاتحادية في تلبية مطالب البصريين، أشار الناشط المدني إلى إن «الحكومة المحلية في البصرة، تتعذر بعدم وجود الأموال لإطلاق المشاريع والدرجات الوظيفية، بكون إن هذه الملفات حتى الآن اتحادية، نتيجة عدم تطبيق قانون رقم (21) الخاص بنقل الصلاحيات من الحكومة الاتحادية إلى الحكومات المحلية».
لا قادة للاحتجاجات
وبرر المصدر عدم وجود قيادة موحدة للحراك الاحتجاجي في البصرة، بـ«عدم ترحيب البصريين بوجود أي قادة لحراكهم الاحتجاجي الشعبي. الأهالي خرجوا من ذاتهم بعد تفاقم معاناتهم. الحال وصل لدى أغلب أهالي المحافظة الأغنى بالنفط من بين مدن العالم، بأن يختزلوا إحدى وجبات الطعام اليومية، وحالتهم المعيشية تحت مستوى خط الفقر، وهذا ما دفعهم للتظاهر وقطع الطرق».
وأضاف: «حتى وإن تصدر قائد أو جهة الحراك الاحتجاجي، فإن تظاهرات البصرة ستحسب لهم، بكون أغلب الشخصيات النافذة تنتمي لجهات سياسية»، منوهاً «لم نلحظ سوى حالة واحدة المتمثلة بالشيخ ضرغام المالكي، الذي يعد من أبرز وجهاء وشيوخ العشائر في البصرة، وأصبح اسمه لامعا في الحراك الاحتجاجي بسبب تحريك منطقته ودفع الأهالي للتظاهر. يمكن نعتبره أحد القادة».
ولم ينف الوائلي وجود خلافات بين ناشطي البصرة، لكنه لفت إلى إن تلك الخلافات تتعلق بـ«بعض المطالب وأماكن تواجد التظاهرات فقط. بعض التنسيقيات تدعو لخروج التظاهرات في وقت ومكان محدد، فيما ترفض التنسيقيات الأخرى التوقيت أو المكان المحدد على سبيل المثال».
ومضى قائلاً: «التنسيقيات كثيرة، وكل جهة لديها مطالب، لكن الجميع يتفق على مطلب أساسي وهو تشغيل أبناء البصرة بالشركات النفطية والدوائر الحكومية»، لافتاً في الوقت عيّنه إلى إن «هناك من يميل إلى بعض الجهات السياسية، خصوصاً إن أغلب أهالي البصرة ينتمون للأحزاب السياسية، لغرض المنافع الاجتماعية مثل التعيين وفرض النفوذ وغيرها من هذه الأمور».
وأقرّ الناشط البصري بأن «90 في المئة من المتظاهرين الذين خرجوا في التظاهرات لا يربطهم أي ولاء بالأحزاب السياسية، والدليل على ذلك هو حرق أغلب مكاتب تلك الأحزاب»، مؤكداً إن «أغلب أهالي البصرة الذين خرجوا ويخرجون في التظاهرات لا يأخذون توجيهاتهم من التنسيقيات، بل يخرجون من ذاتهم».
ويواصل أهالي البصرة الخروج لمدة نحو 6 ساعات يومياً، في تظاهرات تجوب وسط المدينة، تعبيراً عن سخطهم على الطبقة السياسية الحاكمة، وما آلت إليه المدينة من تردٍ كبير في الخدمات.
ويخرج البصريون مساء كل يوم (من الساعة 5 مساءً وحتى قبل منتصف الليل) في تظاهرات، من ساحة «العروس» إلى مركز المدينة، ليتجمعوا أمام مبنى الحكومة المحلية.
الإعلامي والناشط المدني البصري جمعة الحمداني، يقول لـ«القدس العربي»، إن «المتظاهرين يرددون شعارات تطالب بالخدمات، إضافة إلى المطالبة بإقالة قائد عمليات البصرة جميل الشمري»، كاشفاً عن معلومات تفيد بأن «تمسك الحكومة الاتحادية بالشمري يأتي بسبب ضغط القنصلية الأمريكية في البصرة». على حدّ قوله.
وتابع: «المتظاهرون ينددون أيضاً بالأحزاب السياسية ويطالبون بإخراجها من المحافظة»، لافتاً إلى «تواجد كثيف للقوات الأمنية في عموم مناطق وشوارع البصرة. أغلب القوات الأمنية تساند الحكومة».
وأكد الحمداني إن «قادة الحراك الاحتجاجي طالبوا بالتريث في التظاهرات، لا سيما بعد ما شهدته المحافظة أخيرا، ولإعطاء الحكومة فرصة لتنفيذ المطالب، لكن لا نعلم من الجهات التي تنظم التظاهرات المستمرة». وأضاف: «النشطاء المدنيون في البصرة كان لهم دور كبير في تنظيم الحراك الاحتجاجي، وضمان بقاء التظاهرات في إطارها السلمي، واسترجاع الحقوق المغتصبة لأنباء المدينة من الحكومتين الاتحادية والمحلية»، منوهاً: «نحن نطالب بالمياه والدرجات الوظيفية التي اعلنت عنها الحكومة».
وفيما نفى الناشط المدني «تعاون الحكومة المحلية مع ناشطي البصرة»، رأى إن «المسؤول يبحث على الحفاظ على منصبه، وليس خدمة أهالي البصرة».
وعن أبرز الأسباب التي أدت إلى حدوث صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وحرق مبانٍ حكومية وحزبية ودبلوماسية في المحافظة، لفت الحمداني إلى إن «كثرة أعداد المتظاهرين، إضافة إلى كثرة النشطاء المدنيين وقادة الحراك الاحتجاجي، أبرز العوامل التي لا تسمح بالسيطرة على التظاهرات».
وأضاف: «التظاهرات التي خرجت بعد أحداث الأسبوع الماضي، أكثر سلمية. المتظاهرون يرددون شعارات تندد بمظلومية البصرة والأحزاب التي حكمت العراق منذ عام 2003 وحتى الآن، واغتصاب بعض السياسيين الذين يدينون بالولاء لدول أخرى، لحقوق البصرة».
وكشف الناشط المدني عن «لجنة تنظيمية تضم أكثر من 20 ناشطا مدنيا في البصرة، تتولى مهمة تنسيق التظاهرات»، مبيناً إن «هذه اللجنة تعقد اجتماعات يومية في فلكة الزعيم وسط البصرة».
اعتقال 30 ناشطاً
وعقب أحداث 7 أيلول/ سبتمبر الجاري، استقدمت الحكومة قوات أمنية إضافية إلى محافظة البصرة للسيطرة على الوضع.
وطبقاً للمصدر فإن هذه القوات مكونة من «الحشد الشعبي، إضافة إلى قوات أمنية أخرى»، موضحاً: «لا نعلم ما هو الواجب الحقيقي لها. هل ستقمع التظاهرات، أم تعيد تأهيل المباني التي أحرقت وحماتها؟ الحشد الشعبي متمركز في منطقة القصور الرئاسية لإعادة هيكلتها وترميمها». كذلك، كشف الحمداني عن «اختطاف 30 ناشطاً مدنياً من أهالي البصرة يوم الخميس الماضي، بحجة مطلوبين قضائيا»، معتبراً إن تلك التهمة «غير صحيحة».
وفيما أكد إنه «لم تعلن أي جهة رسمية مسؤوليتها عن عملية الاختطاف»، أشار إلى إن «الجهات الخطافة حكومية. يجري حديث بأنها خلية الصقور الاستخبارية». ونوّه الإعلامي البصري إلى «تصريح لقائد شرطة المحافظة الجديد الفريق رشيد فليح، لإحدى وسائل الإعلام المحلية، يفيد بان إلقاء القبض جاء على خلفية تهم جنائية»، موضحاً: «يصعب تصديق ذلك في ظل وجود ترويج من جهات حكومية باتجاه المتظاهرين السلميين».
ورداً على سؤال بشأن عمل قائد الشرطة الجديد، أشار الحمداني إلى إن «أهالي البصرة لم يلمسوا شيئا من قائد الشرطة الجديد. لكن خلفياته غير جيدة، تجاه تعامله مع المجتمع، إضافة إلى كونه من ضمن النظام السابق، وكان له دور في قمع الانتفاضة الشعبانية (عام 1991)» على حدّ قوله.
ورجّح المصدر أن تشهد الأيام المقبلة «تصعيداً أكثر، في حال لم تتدخل الحكومتين الاتحادية والمحلية، لتلبية مطالب المتظاهرين»، مبيناً إنه «رغم ارتفاع موجة التظاهرات في الأيام المقبلة، غير إنها ستبقى في إطارها السلمي».