اعتقال الكلمة الحرة دعوة للتطرف والعنف

حجم الخط
0

اعتقال الكلمة الحرة دعوة للتطرف والعنف

علي كنعاناعتقال الكلمة الحرة دعوة للتطرف والعنففي غياب المشروع الفكري المستنير، علي مستوي الأمة، لا يملك المواطن العربي المقهور أي ملاذ أو عزاء غير الهروب إلي زوايا التراث الظليلة أملا في أن يحظي، ولو بدقائق معدودة من السكينة والسلام مع النفس ما دام الواقع العربي غارقا بالمظالم والظلمات. وربما كانت بعض الأنظمة العربية أمكر في هروبها وأشد حيرة وتخبطا من أي مواطن، وإن كان غرَّاف مكتبة. ولعل الابتعاد عن التعميم وتحديد اتجاه الكلمة يظل أجدي.إذا تركنا جانبا عقدة الخوف والارتياب من كل كلمة حرة ناقدة أو همسة متسائلة، فإن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء حملة الاعتقالات الأخيرة في سورية ستظل لغزا محيرا خارج المنطق وبعيدا عن كل مسوِّغ معقول أو مقبول. وهذه الحال تذكر بالمثل القائل: كاد المريب أن يقول خذوني ! فالطبقة الحاكمة والمتناسلة كطحالب المستنقعات منذ أربعين عاما تدرك، بالغريزة إن لم يكن بالوعي، أنها من القلاع الأخيرة في عالم تختلط فيه أجواء (1984) لجورج أورويل بفلسفة ماركوزة في (الإنسان ذو البعد الواحد). وهذه العقلية السياسية التي تقرر مصائر الناس في بلادنا تذكر بالكهنوت الوثني الصارم (في أثينا القديمة) والذي كان وحده يحمل صوت الوحي ويطلع علي أسرار الغيب ويتفرد بتأويل طوالع النجوم ورياح الأقدار. ولكن لا بأس أن نغامر ونتابع رصد الأفكار والتكهنات التي تثيرها في نفوسنا هذه الحملة الظالمة. ومن حقنا أن نتساءل: هل ستنتهي دائرة القمع عند هذه الحدود أم أنها مجرد مقدمة تمهيدية.. والآتي أعظم!يُخيَّل إليّ حينا أن الاعتقالات جزء من صراع خفي علي السلطة، وهي أشبه ما تكون بما يظهر من جبل الجليد.. لكن ما يخفي من ذلك الجبل يظل أكبر وأخطر، دون أن نتعب أنفسنا في تحديد الجهة التي يستهدفها الخطر: أهي الوطن والشعب وأحراره أم نظام الحكم والمؤسسة البوليسية التي تعيش خارج العصر وخارج التاريخ ولا تدري إلي أي مصير حالك تقود البلاد وتدفع بها إلي غابة من الاحتمالات الجهنمية المدمرة؟وثمة هاجس مختلف، يشبه الشعر، يقول إن سادة دمشق يكنون إعجابا خفيا جارفا بالرئيس الإيراني وبراعته في التصدي لإدارة بوش. وحملة الاعتقالات الأخيرة ترمي إلي إصابة عصفورين بحجر واحد: إخراس أي صوت معارض أو حتي متسائل في الداخل، والاستعداد لمواجهة العقوبات الأميركية القادمة من وراء المحيط.لكن، مهما تعددت الهواجس والظنون، لا أملك إلا أن أوجه عتابا شديدا للشقيقة الكبري، مصر. والداعي لهذا العتاب أن النظام في سورية اعتاد، خلال العقود الأربعة الأخيرة، أن يمشي وراء مصر، وإن كانت المسافة بينهما تتراوح بين خمس سنوات وعشر. وما دامت الأمور غير مستقرة في بيت الشقيقة الكبري، فإن سادة دمشق سيظلون في غاية الابتهاج والاطمئنان، لأن ذلك يشجعهم علي استعمال العصا الغليظة ضد أي تحرك شعبي أو تظاهرة ثقافية، دون أن يخافوا اللوم أو الاستنكار من أحد… فالأنظمة الشقيقة مشغولة بهمومها، والمنطقة كلها معرضة لسلسلة من الزلازل والبراكين السياسية والحربية، والشاطر هو القادر علي تحويش أقصي ما يستطيع من ذخائر احتياطية تدفع عنه ذل الحاجة مستقبلا! لكن أشد ما أخشاه أن هذه الحملة من الاعتقالات ستؤدي إلي توسيع مساحة التطرف وانتهاج العنف الدموي في المجتمع من جديد. فما دامت الكلمة الصريحة المتزنة محظورة وعاقبتها السجن والإهانة، فلن يبقي هناك من سبيل إلا أن تندفع الأمور أو يدفعها السخط إلي غاياتها الانفجارية القصوي: وعليّ.. وعلي أعدائي، يا رب ! وفي هذا السياق، سوف يأخذ الكاوبوي الأمريكي المنقذ دوره التاريخي الموعود، مستندا إلي أرضية مفروشة بالدم والدمار. لكن السؤال الذي يحرق بمرارته الأحاسيس والأعصاب: هل السادة المسؤولون غافلون عن هذه الصورة المخيفة أم أن هناك أشباحا من بينهم يحلمون بأن تنحط الحالة إلي ذلك الدرك؟! يقول أحد الشعراء الشباب، بعد أن سرقوا أربعة عشر عاما من زهوة شبابه وأودعوها في مضافاتهم الأسطورية ما بين سجون المزة وتدمر وعدرا، فضلا عن أقبية التحقيق: أعرف أني ما زلت محروماً من حقوقي المدنية والسياسية، ومن حق السفر أيضاً. بالطبع لست وحيداً في هذا، ذلك أن السوري تعريفاً: هو إما سجين سابق.. أو سجين راهن.. أو سجين مؤجل، مع كل ما يترتب علي هذا الوضع من ملحقات. ولكن إذا كان السجن واجباً، ألا ينبغي أن يكون السفر حقاً؟! من المشروع لكل سوري أن يطرح مثل هذا السؤال، بل من المشروع له حتي الاعتقاد بأن اسم (سورية) إنما هو مشتق من (سوريالية)! .ولا شك أن اعتقال عدد من المثقفين الذين ينادون بالإصلاح ومكافحة الفساد وتصحيح العلاقة اللامعقولة مع لبنان يوحي بأكثر من (السوريالية)، إنه نوع من العبث والاستهتار بكل القيم والمعايير الإنسانية والوطنية والقانونية وحتي الأخلاقية. إن محاربة الكلمة الصافية الحرة، الكلمة العزلاء المسالمة، وكم الأفواه التي تنادي بالحرية والعدالة في سبيل بناء حياة جديدة قائمة علي المساواة وسيادة القانون وإلغاء القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية، هذه الإجراءات التعسفية المتكررة بلا أي مسوغ منطقي أو قانوني، تجعل الحياة لا تطاق. وإذا استمرت الأمور علي هذه الحال، فإن زائرا من كوكب آخر لو هبط في بلادنا لما استطاع أن يحدد الفترة التاريخية التي نعيشها: أهي في مستهل القرن الحادي والعشرين فعلا أم أنها ما زالت في أوائل القرن العشرين.. أم أنها ترجع بنا القهقري إلي عهود ظلامية أبعد؟!كيف يجعل نظام سياسي من نفسه ومن مسؤوليه أساطير لاهوتية مقدسة؟ ومتي كان انتقاد السلطة وممارساتها من المحرمات المنزلة؟!أذكر جيدا أن البعث العربي الاشتراكي كان حزبا سياسيا في يوم من الأيام الغابرة. لكني لا أتذكر متي وكيف تحول إلي دين، لا يستوحي تعاليمه من السماء، إنما من مصدر سديمي فوق سماوي!، إن جازت التسمية. والقاعدة الذهبية لكهانة الحزب/السديم: من ليس معنا فهو، بكل حقد وإصرار، عميل مأجور يقف ويعمل ضدنا وضد وطنه وأمته! من أين جاءت هذه الوثوقية المطلقة؟ لن نجد جوابا لذلك إلا في أن نستعيد قراءة طبائع الاستبداد للكواكبي.. لأن الصورة الراهنة لا مثيل لها إلا في استنساخ جبروت السلطنة العثمانية الغابرة. ولعل أحزاب الجبهة الهامشية الملحقة بالحزب القائد هي التي تشكل الهالة المقدسة المحيطة بتلك البؤرة النورانية المتوهجة!الدين السماوي يدعو إلي الحق والعدل والإحسان والتعاون علي البر والتقوي، وهناك ميزان الأعمال الذي يترصد العباد ويزن أعمالهم بمثقال الذرة، ولا بد أن يؤدي بصاحبه إلي النعيم أو الجحيم، في المفهوم الروحاني المطلق الذي لا يمكن حصره أو تحديده في معاجم البشر. ومع ذلك، فإن الأحزاب السياسية التي ركبت أمواج المد الديني لا تبدو مقبولة إلا في أجواء حياة ديمقراطية شاملة. لكن الواقع اللامعقول يؤكد أن للأحزاب الكهنوتية المهيمنة موازينها الخاصة ولها فردوسها وجهنمها كذلك. وهذه الأحزاب لا تكتفي بمحاسبة الناس وفق أعمالهم، إنما تحاسب حتي علي الكلمات والأفكار والأحلام والنيات أيضا!من لا يصدق ذلك فليتابع سلسلة الاعتقالات اليومية التي تجري في سورية. ولعل من جميل الصبر ومرتجي العزاء أن المرارة تبيح لنا أن نصرخ: آه، يا مصر!شاعر من سورية يقيم في ابو ظبي0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية