مازال ابو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة السابق في بلاد الرافدين يثير المشاكل في مسقط رأسه الاردن حتي بعد انتقاله الي الرفيق الاعلي اغتيالاً في غارة شنتها طائرات امريكية علي منزل كان يقيم فيه واسرته في منطقة بعقوبة العراقية. فقد اقدمت قوات الامن الاردنية علي اعتقال اربعة نواب من جبهة العمل الاسلامي بسبب ذهابهم الي الزرقاء، وتقديم العزاء في وفاته الي اسرته التي اقامت السرادق لاستقبال المعزين.
الحكومة الاردنية وجهت تهمة التحريض علي اثارة النعرات المذهبية والعنصرية والحض علي النزاع بين مختلف عناصر الامة الي النواب الاربعة، واحالتهم الي محكمة امن الدولة التي امرت باعتقالهم لمدة 15 يوماً علي ذمة التحقيق.
النواب المنتخبون في البرلمانات، سواء كانوا في دول تنتمي الي العالم الثالث او العالم الاول، يتمتعون بحصانة نيابية تحميهم من الاعتقال والملاحقة القانونية، الا في حال اقدام البرلمان علي رفع هذه الحصانة، وفق شروط خاصة منصوص عليها في القانون الاساسي للدولة. ولكن الحكومة تفسر القوانين وفق نظرتها هي، وبما يخدم بعض سياساتها، وهذا هو الحال، فيما يبدو، بالنسبة الي النواب الاربعة.
صحيح ان تنظيم ابو مصعب الزرقاوي ارتكب مجزرة في الاردن عندما هاجمت عناصر تابعة له فنادق في عمان مما ادي الي مقتل اكثر من ستين شخصاً، معظمهم كانوا يحضرون احد الافراح، ولكن اقدام البعض علي تقديم واجبات التعزية في وفاته، لا يعني انهم يقرون هذه المجازر، ويؤيدون من يقف خلفها.
الاردن، مثل كل البلدان العربية الاخري، يتكون من نسيج اجتماعي وقبلي يحتم بعض التقاليد الراسخة علي مدي قرون، ابرزها تقديم واجب التعزية والمشاركة في الجنازات، ولم يخرج النواب الاربعة عن هذه التقاليد علي الاطلاق.
فاذا كان تقديم واجب العزاء يقود اصحابه الي السجن، فان من الجائز القول ان فتح عائلة ابو مصعب سرادق العزاء جريمة ايضاً تستحق العقاب نفسه. الامر الذي يطرح اكثر من علامة استفهام حول عدم اقدام الحكومة الاردنية وقواتها الامنية علي منع هذه المسألة من اساسها.
الحقيقة التي ربما يكون من المفيد التذكير بها ان ابو مصعب الزرقاوي لم يعد موجوداً وزال خطره بالكامل، واختلاف الناس حوله بين مؤيد ومعارض امر طبيعي، فالرجل كان ظاهرة فريدة من نوعها، وحظي بشعبية كبيرة داخل الاردن ومعظم الدول العربية، لانه كان يقاتل الاحتلال الامريكي في العراق، ولولا ارتكاب مجموعته مجزرة الفنادق في عمان لخرج الآلاف من الاردنيين من مختلف الاعراق والمنابت والمذاهب تأييداً له.
ابو مصعب الزرقاوي يظل اردنياً، مثلما يظل ابناً لعشيرته ومدينته، ومقتله بالطريقة التي تم فيها، تجعل البعض ينظر اليه باعجاب خاصة في اوساط بعض المحبطين من الجرائم والمجازر الامريكية التي ترتكب في العراق يومياً. ولهذا فان اقدام البعض علي تقديم واجب العزاء فيه ليس جريمة تستحق السجن، والا لامتلأت سجون الاردن بالمعزين فيه وعددهم فاق الآلاف.
الحكومة الاردنية اخطأت بالاقدام علي هذه الاعتقالات، وربما لا نبالغ اذا قلنا انها بهذه الخطوة مارست التحريض العشائري والمذهبي والعرقي ايضاً. والحكمة كانت تقتضي تجاهل هذه التعزية، وعدم اثارة هذه الضجة، ولو فعلت الحكومة الاردنية ذلك لوفرت علي نفسها الكثير من المتاعب.