اعتقال كعك القدس!

حجم الخط
0

كعكٌ يعتقلُ، كتيبةُ من الجندِ مدججينَ بالأسلحةِ الأوتوماتيكيةِ والعتادِ العسكريِّ، يدبونَ أزقةَ القدسِ لاعتقالِ « بسطاتِ الكعكِ بسمسمْ «.
آخرُ الاحتلالاتِ الآنيةِ وواقعٌ مضطربٌ، بعدَ أربع وعشرينَ مرةٍ قبعت فيها القُدسُ على مرّ التاريخِ أسفلَ أرتالِ السلبِ والنهبِ والتدمير.
وردماً لوجهِ القدسِ التاريخيةِ بكافةِ أبعادها وأطرها العربيةِ، الثقافيةِ، الاجتماعيةِ، الدينيةِ، السياسيةِ، الاقتصاديةِ والحضاريةِ، باتت المدينةُ مُشوّهةً.
حملاتٌ مستمرة للمساس بهويةِ المدينةِ! الهويةُ بنتُ الثقافةِ.
وتتأتى أصول الهويةِ من تنوعها المتغايرِ، الذي يسهم في اثراءِ ثقافةِ المدينةِ. أما عن تذويبها ضمن ثقافة مُحتلٍ ما، فإنما نسفٌ لتعددية ثقافتها.
إنّ القدس لا تقاسُ بوحدويةِ الهويةِ الثقافيةِ « الواحدة «، لكنّ تنوع الهوياتِ الثقافيةِ، يخلقُ لها نوعاً من التحليقِ بعيداً عن تعريفٍ ما أو مسمى معين.
كعكُ القدسِ يُعتقل !
ها هيّ أيادي التزييفِ، تمتدُ نحو المأكولاتِ الشعبيةِ « المقدسيةِ « الفلسطينيةِ. فالمأكولاتُ الشعبيةُ جزءٌ من وحدويةِ ثقافةِ المدينةِ.
وليسَ غريباً أن يقولَ غوبلز، كلما سمعتُ كلمة ثقافةٍ « وضعتُ يدي على مسدسي».
إنّه من العبثِ والتشويهِ، أن يتمَ تحديدُ هويةِ مدينةٍ أو بلدٍ كالقدسِ من قِبَلِ فئةٍ ما. فئةٌ معاديةٌ للأرضِ والإنسانِ والشجرِ والحجرِ، ذاتُ أجندةٍ إقصائيةٍ للآخرِ على حسابِ فردانيةِ ذاتها، لثقافة المدينة.
« كعكُ القدسِ بسمسم «. سلاحٌ تتمثلُ قوتهُ الوجوديةُ، من فجرِ الماضي حتى أزلِ المستقبلِ، في اعادةِ ركيزةِ الهيبةِ والقوةِ إلى المطبخِ الشعبي المقدسيّ.
حيثُ الكعكُ المقدسيُّ، يعبرُ عن حكايةٍ منوطةٍ بشعبٍ عَمّرَ القدسَ، اذ ترسَّخَ فيها وجودهُ عبرَ التاريخِ ولم يزلِ.
« عايشة يا قدس بكعكك».
مئاتٌ من العائلاتِ المقدسيةِ، ما زالت تحيا وتعتاشُ من بيعَ الكعكِ. كعكٌ انتفضَ من كونهِ لقمةَ عيشٍ، إلى وسيلةٍ من وسائلِ النضالِ والصمودِ لتثبيتِ بقاءِ المدينةِ عربيةً ، مناهضةً للتهويد.
لا يَعدو الكعكَ كونهُ دقيقاً من طحين، بل تجاوزَ فيزيائيتهُ وصارَ تراثاُ يدعمَ صقلَ الهويةِ الجماعيةِ « للمقدسيين/ات «، عبرَ تأصيلهِ جذورَ الانتماءِ إلى الأرض الفلسطينية.
فمن وسطِ مشهدِ الصراعِ على الهويةِ والوجود، وغيابِ الحياةِ الثقافيةِ عن محيا القدسِ، عقبَ عديدِ الانتفاضاتِ الشعبيةِ. ساهمَ الاحتلالُ الاسرائيلي في منعِ كافةِ الممارساتِ الثقافيةِ داخل المدينة. وذلك عبر التضييق على أهل القدس بالنارِ والحديد. ولا زالَ الكعكُ المقدسيُّ لقمةً للعيشِ، ونوراً يذكرنا بأحقيتنا الوجوديةِ ضمنَ رحمِ القدسِ.
يحملُ الكعكُ في صدرهِ ارثاً ثقافياً وكنزاً تراثياً، يرمزُ إلى الهويةِ المقدسيةِ الفلسطينيةِ، التي تتحدى مخططات التهويد والتلفيق والتشويه.
« عايشة يا قدس بكعكك «، إنّهُ كعكٌ يضيءُ ذاكرةَ القدسِ. يَنسّلُ بعبقهِ إلى دواخلِ الإنسانِ المقدسي ، يُوجدُ لهُ نافذةً كي يتسرّب إليهِ منها فرحاً مسروقاً، يُنسيهِ أطنانَ حرمانهِ من أبسطِ حقوقهِ الإنسانيةِ، وتجريده من أطرِ هويتهِ.
دائماً ما يرحلُ الغزاةُ وتبقى القدسُ عبر التاريخِ لأهلها.
« جا عبالي كعك بسمسم .»

اعلامية فلسطينية

فاطمة عبيدات

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية