“اعتقلوه ليقتلوه”: هل يصبح قتل الأسرى الفلسطينيين أمرا مستساغا بعد إعدام الشيخ خضر عدنان؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله/ “القدس العربي”:

رحل الشيخ خضر عدنان وحيداً في زنزانته، بعد 87 يوما من الإضراب عن الطعام، وبعد 5 جولات مماثلة خاضها داخل سجون الاحتلال. رحل الشيخ لكنه كتب بجسده معركة الأمعاء الخاوية مجسدا تاريخا جديدا على مستوى بطولته الفردية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.

وإن كانت قصة استشهاد وإعدام الشيخ الشهيد عدنان قصة نضال فردي ترقى إلى درجة “الأسطورة” إلا أنه في المقابل أراد الاحتلال في قتل وإعدام هذه القصة إيصال مجموعة من الرسائل، وهي مسألة بدا أن الأسرى ومؤسساتها على وعي كبير بها، وهو أمر انعكس على بيان لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الوطنية الأسيرة.

وجاء في بيان لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الوطنية الأسيرة حول استشهاد الأسير عدنان إدراك خطورة ما حدث مع الشيخ، حيث أعلنت حالة الحداد العام والاستنفار الكامل داخل كافة السجون. وأكد البيان أن الحداد سيبقى مستمرًّا إلى أن يتم الرد على هذه الجريمة النكراء ردًّا يوازي حجم الجريمة، “جريمة القتل والتصفية الجبانة التي نفذتها إدارة السجون، والتي تتحمل كامل المسؤولية وكافة تبعاتها داخل وخارج السجون”.

وطالب البيان كافة الفصائل على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها أن تكون على مستوى الحدث وعلى قدر المسؤولية إزاء عملية الاغتيال، وألا تمر هذه الجريمة دون ردٍّ أو عقاب أو جزاء يكون من جنس العمل، وبمستوى الجريمة التي ارتكبتها إدارة السجون.

وذكر البيان أن استشهاد القائد خضر عدنان أسيرًا مكبَّلًا في زنزانته يأتي ليذكر أحرار العالم وكافة الأحزاب والفصائل الوطنية والإسلامية بواجبها الأخلاقي والديني تجاه الأسرى وقضيتهم ومعاناتهم المستمرة، وعلى الجميع أن يقف عند مسؤولياته، وأن تتكرس كل الجهود والطاقات على كافة الجبهات وفي كل الساحات من أجل إنهاء مأساة ومعاناة الأسرى وآلامهم التي تزدادُ يومًا بعد يوم.

جريمة لكسر فكرة الإضراب

وبحسب الأسير المحرر والكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور فإن اغتيال الشيخ هو جريمة موجهة ضد الاسرى لكسر فكرة الاضراب خاصة أن اضرابهم الأخير الذي تم تعليقه في بداية شهر رمضان كان عنوانه “الحرية”.

وقال: “هذا الاغتيال يجب أن يكون نقطة تحول في النضال من أجل حرية الاسرى ورفع السقف عاليًا وجعل وجود الاسرى وموتهم البطيء مكلفا”.

وطالب بضرورة أن يكون تحرير الأسير المريض بالسرطان وليد دقة والمرضى الآخرين بمثابة التحدي والامتحان الأول أمام الجميع.

وعلق على بيان الهيئة القيادية العليا لأسرى الجهاد الاسلامي في السجون بأنه يمكن تلخيصه “الحساب مفتوح”، معتبرا أن بيان الأسرى تضمن عدم المشاركة في أي مظهر احتجاجي تقليدي.

وختم قائلا إن رسالة الشهيد عدنان كانت رسالة حرية والتعامل مع الاغتيال يجب ان يكون بهذا الحجم وتحت هذا العنوان.

قتل مستساغ

وبحسب قدورة فارس، رئيس جمعية نادي الأسير الفلسطيني، فإن الشيخ تعرض لعملية قتل مع سبق الإصرار والترصد، نفذت بشكل متدرج وليس بشكل مباشر كما يفعل الاحتلال يوميا مع أبناء الشعب الفلسطيني.

وقال: “أيا كانت ظروف الساعات الأخيرة التي استشهد فيها الشيخ عدنان فإن حالته ووضعه الصحي في الشهر الأخير كانا يخبرانا أنه كان يعاني من سكرات الموت، وأنه سيستشهد، كما أنه قال لزوجته وللمحامي “أنا أموت”.

ويضيف: “هذه المرة كان واضحا أن الشهيد عدنان كان هدفا للاحتلال ومن اللحظة التي اعتقل فيها، حيث أخذوه ليقتلوه.. والنتيجة المؤلمة تنتمي لتلك المقدمات التي قدمها وهيأها الاحتلال الإسرائيلي، فكل دولة الاحتلال متورطة في إعدامه.

ويستبعد فارس وفاة الشيخ بفعل التغذية القسرية، ويقول: “كما يعلم الجميع فإن الأطباء في دولة الاحتلال وبسبب الموقف الذي أبلغت به نقابة الأطباء الإسرائيليين من الاتحاد العالمي للأطباء فإن التغذية القسرية تعتبر تعذيبا وتنكيلا بالأسرى، وبالتالي طلب من الأطباء عدم المشاركة بأي عملية تعذيب أو تنكيل، وهو أمر يعبر عما التزمت به النقابة حيث حذرت أعضاءها بالفصل من تنفيذ قانون التغذية القسرية وكل من ينفذه يفصل من النقابة”.

ويقصد بالتغذية القسرية هي إعطاء الغذاء عبر أنبوب بلاستيكي يدخل من خلال الأنف بعد أن يتم تكبيل المعتقل على كرسي لإجباره على عدم التحرك، حيث يصل الأنبوب إلى المعدة عبر المريء، أو يحقن الغذاء مباشرة إلى مجرى الدم، وهي بشكلها العنيف خطيرة لدرجة أنها يمكن أن تؤدي لقتل الشخص المعتقل، حيث بإمكان العملية العنيفة أن تتسبب في نزيف يؤدي إلى الموت.

ولم تستبعد رئيسة جمعية أطباء لحقوق الإنسان، د. لينا قاسم، أن يكون الأسير عدنان استشهد بعد لجوء إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى محاولة تغذيته قسريا.

ويضيف فارس مشددا على أن “إسرائيل حتى لو لم تقتله عبر التغذية القسرية فإنها قتلته لكونها لم تفعل نصا قانونيا في لجنة القيم التي كان يمكنها أن تتدخل بمد الأسير المضرب بأسباب الحياة، من خلال منحه عقاقير وأدوية تمنع انهيار الأجهزة الرئيسية في الجسم من دون أن يفك إضراب الأسير”.

وتابع: “هذه اللجنة القانونية لم تفعل، ولم ينقل الشيخ للمستشفى بحيث تتوفر فيه أقسام تستطيع أن تتعامل مع أي تدهور خطير على صحة الشيخ، فالحرص على إبقائه في عيادة سجن الرملة وعدم عرضه على لجنة القيم كلها كانت مؤشرات ودلائل على أن الاحتلال قتله”.

وجاء في شهادة الطبيبة القاسم أنها “زارت الشهيد وشرحت له وضعه الصعب للغاية وأنه في خطر محدق، فرد بأنه يتفهم خطورة حالته وأنه في حال فقد الوعي يريد إعطاءه العلاج اللازم ليستعيد وعيه فقط، لا يريد أكثر من ذلك، وهو لم يكن معنيا بالموت، هذا ما قاله، وأنه سيكمل الإضراب حتى نيل حريته لأن هذا هو مطلبه الأساسي”.

وشدد فارس أن الاحتلال تجاهل اضرابه ورفض إطلاق سراحه بكفالة، كل تلك الأسباب تقود للقول والجزم بانه قد تعرض لعملية اغتيال.

وتحدث فارس عن التهم التي وضعت له في لائحة الاتهام معتبرا أنها تهم حوكم عليها في الماضي السحيق. فعضويته في حركة الجهاد الإسلامي تهمة سجن عليها، وبالتالي لا يمكن النظر إلى لائحة الاتهام الأخيرة على أنها تهم حقيقية وإلا لعاد كل الأسرى المحررين إلى السجون الإسرائيلية.

وشدد فارس أن هناك غضبا شديدا وقلقا واسعا من أن يصبح قتل الأسرى أمرا مستساغا، “هذه جريمة لا يجب أن نمر عليها كحركة وطنية مرور الكرام، وإسرائيل تستخدم المجسات لقياس ردود الأفعال، حيث يريدون ممارسة القتل ضد أبناء الشعب وإذا وجدوا ردود الأفعال أقل مما هو مطلوب سيستمر وستتسع دائرة القتل بطريقة أو بأخرى”.

وختم: “سياسات الاحتلال إذا لم تُردع فإنها ستقود لقتل مزيد من الأسرى”.

بدوره توجه أمين شومان، رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين لكل الشعب الفلسطيني من أجل الالتفاف حول قضية الاسرى والمطالبة بحماية الاسرى من التغول الإسرائيلي.

وأكد على ضرورة الرد على جريمة الإعدام في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وفي ظل التغول الاسرائيلي في استباحة أبناء الشعب واستباحة الحقوق العادلة والمشروعة داخل السجون الإسرائيلية.

ورأى شومان أن جرائم الاحتلال متتالية، وأن هناك الأسيرين وليد دقة وعاصف الرفاعي حيث يقضيان أحكامهما في أوضاع صحية خطيرة للغاية داخل السجون.

وشدد أنه إذا لم يكن هناك وقفة جدية وحقيقية لإسناد الحركة الأسيرة ومنع الجرائم الاحتلالية المتراكمة بحق الأسرى فإنه سيكون هناك المزيد من شهداء الحركة الأسيرة في الأيام والأشهر القادمة.

جثمان يحرض على المواجهة

أما المحلل والكاتب السياسي زكريا محمد فيرى أنه سيكون من الخطأ الكبير دفن جثمان الشيخ خضر عدنان على عجل انطلاقا من فكرة (كرامة الميت دفنه) في حال تم تسليمه من قوات الاحتلال.

وأضاف: “الشيخ خضر ليس ميتا، بل شهيدا. وكرامة الشهيد أن يكون جثمانه محرضا على الوعي والمواجهة”.

وأقترح محمد أن يطوّف جثمان الشهيد على مدن الضفة واحدة بعد الأخرى، بدءا بجنين، ثم نابلس، ثم رام الله، وهكذا.

ورأى أنه “من الواجب تحويل جنازة الشيخ خضر إلى حرب وطنية ضد المحتلين، فقدان عدنان خسارة وطنية موجعة كبرى، والانتصار له يكون بتحويل غيابه عبر الكفاح إلى انتصار وطني رغم الفقدان ومرارته”.

ورأى محمد أن المطلوب فلسطينيا هو تحويل معركة جثمان الشيخ خضر إلى معركة طويلة متواصلة من حيث منع تشريحه، وإرغامهم على تسليم الجثمان سريعا، والطواف بجثمانه حين يرغم العدو على تسليمه على أكبر قدر من المدن في فلسطين. وإقامة صلاة الغائب على الشيخ في كل مدينة في فلسطين لم يصلها جثمانه.

يذكر أن الشيخ خضر عدنان (44 عامًا)، من سكان بلدة عرابة جنوب غرب مدينة جنين، وهو متزوجٌ وأب لتسعة أبناء. تعرّض للاعتقال لدى الاحتلال 12 مرّة، وأمضى نحو 8 سنوات في الاعتقال معظمها في الاعتقال الإداري، وأضرب خلالها عن الطعام 6 مرّات، وهو حاصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات الاقتصادية.

ويعتبر الشيخ من أبرز الأسرى الذين واجهوا الاعتقال، عبر النضال بأمعائه الخاوية، حيث نفّذ 5 إضرابات عن الطعام سابقًا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية