عادل الحامدي
سيداتي سادتي، لقد قبضنا عليه، بهذه الصيغة المثيرة، والمتحدث بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي الأول للعراق المهزوم، والمقبوض عليه أحد أكبر القيادات العربية ورئيس منتخب يتمتع دستوريا بالحصانة أثناء ممارسته الحكم. لكن هذا الرئيس ارتكب أخطاء جسيمة في حق الشعب العراقي.
المحكمة العراقية توصلت الي الحكم علي صدام شنقا حتي الموت باعتباره مجرم حق عام، ولا شك أن طابورا من الرؤساء والزعماء العرب، لا سمح الله، مطلوب منها ديمقراطيا أن تستعد نفسيا وماديا لمواجهة هذا السيناريو، اذ لا يوجد رؤساء ولا ملوك بلا تجاوزات حتي وان لم تصل سقف ممارسات صدام المخلوع. في تاريخ العراق ما هو أسوا من الاعدام بحبل، فقد أقيمت عمليات الاعدام الجماعية علي أيدي فرق الاعدام ودفن الأشخاص أحياء، واغراقهم في الأنهر، وترك السجناء ينـزفون حتي الموت، وعمليات الاغتيال التي تستهدف أشخاصاً معينين، وسملت أعين كثيرة. اذا كان شرف المهنة يملي علي الحياد ليس في نقل الخبر فحسب بل في عرض الحقيقة وتعرية ما خفي منها. لكن ذلك كله لا يعفي الصحفي من أن يكون له موقف أخلاقي تفرضه علي وجدانه ملابسات الواقع وتعقيداته، وهذا ما دفعني الي الحديث عن الحكم الذي صدر بحق الرئيس المخلوع. بعد القاء القبض علي صدام حسين سارع وزير الخارجية البريطاني أنذاك جاك سترو، أحد الشخصيات السياسية المهمة في المملكة المتحدة الي التعبير عن رفضه لمبدأ اعدام الرئيس العراقي، وهو موقف عبر عنه أيضا الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني المعروف بتاريخه النضالي الذي يرفض هذا النوع من الأحكام أصلا.
عند هذا الحد تثار في ذهني كثير من الأسئلة المحيرة: من حيث المبدأ علي الأقل يتنافي اعدام رجل في السبعين لجرائم سياسية اشترك معه في اقترافها كثير من الأطراف العربية والغربية التي خاض صدام بالنيابة عنها حربا بالوكالة للاجهاز علي الثورة الاسلامية العدو السافر يومها؟
يوم أن قامت الثورة الاسلامية في ايران وأطاحت بنظام الشاه الموالي للغرب عام 1979، أدرك صدام حسين بنظرته التاريخية والأمنية، وأدرك معه جيرانه من الخليجيين علي وجه الدقة والتحديد، أن التاريخ السياسي للمنطقة بدأ يعيد نفسه، وأن خطاب الثورة الايرانية يعيد للأذهان، صفحات مظلمة من تاريخ الصراع العربي ـ الفارسي، فأعلن الحرب نيابة عن العرب في حرب كان يظنها جولة لن تستمر أكثر من أسابيع، لأنه يجابه نظاما وليدا ناشئا للتو في أعقاب ثورة للفقراء، ولا تمتلك من الخبرة القتالية والحنكة السياسية ما قد يؤهلها لكسب المعركة ضد العراق غير تلك الصدور العارية التي أطاحت بالشاه.
دامت الجولة العراقية في ايران ثمانية أعوام، اضطر خلالها مرشد الثورة وزعيمها الروحي الامام الراحل الخميني الي تناول جرعة غيض كان يفضل عليها السم، ووقع اتفاقية لوقف اطلاق النار. ولقن صدام حسين في هذه الأعوام الثمانية الايرانيين الثائرين دروسا في ترويض الثورة والانتقال بها الي الدولة وتأجيل التصدير حتي هوي صنمه صاغرا في ساحة الفردوس وسط عاصمة الرشيد ذات صباح من نيسان (ابريل) 2003. ماذا يقدم للعراقيين اليوم خنق رجل في السبعين حتي الموت، وهو مصير لا يليق بمن انتخب رئيسا لدولة عربية علي مدار ثلاثة عقود، فاقامة الحد ليس خطيئة، وانما الخطيئة الكبري في روح التشفي التي أظهرتها المحكمة وذلك التنصيص علي أن يكون الاعدام شنقا، كما لو أن بين المحكمة وسيدها ثأرا قديما، أو لكأنما يطلب من العراقيين أن يكونوا أنذالا حتي في انزال حكم شرعي. ان العراق المهدد بالفناء والمهدد لجميع جيرانه بالفوضي والدمار والخراب يجب أن ينأي فيه كل من بقي لديه ذرة من حب لهذا الوطن عن عقلية الثأر والتشفي والهدم واستحضار مآسي التاريخ، واحياء ما خلناه تولي من صراعات مذهبية شعوبية قد تذهب بما بقي من أوصال العراق.
ولم أكد أصدق أن سمعت وزيرة الخارجية البريطانية تدعو الحليف الأمريكي الي البقاء في العراق، وعدم التسرع في مغادرة هذا البلد الجريح لأن العراق اليوم أحوج ما يكون الي العراقيين وغلي البريطانيين والأمريكيين من أي وقت مضي، فقد بلغت الأوضاع في العراق سوءا لم يتوقعه أي طرف والأمل كل الأمل أن تصدق الادارة الأمريكية ومعها القوي المشفقة علي عراق الحضارات بالمساعدة في اعادة الأمن حتي تطمئن قلوب العراقيين وذويهم في كل أصقاع العالم، بأن هذا البلد العريق لم يتشرذم ولن يضيع ولن تستفرد به طائفة عراقية دون أخري، فأسوأ ما يمكن أن تلطم به وجوه كل الشركاء الذين ساهموا في صنع العراق المتفجر أن يفشل العراقيون أولا والتحالف ثانيا في دفن العراق أو لبننته أو صوملته أو طلبنته أو قوعدته.
واذا كان التاريخ قد عودنا علي أن الجندي البريطاني هو آخر من يفر لا من مواجهة الموت فحسب ولكن من تحمل مسؤولياته، فان المطلوب من الجندي الأمريكي والادارة الأمريكية أن تثبت وحليفتها ما وعد به كل من بوش وبلير زمن حقوق العراقيين عليهما أن لا تتردد ادارة البلدين في الاستعانة بكل الأطراف الاقليمية المعنية بهذه الكارثة، ولا نظن أن ذلك ينقص من قدر البلدين، بل ان الذي قد يدفع شعوب المنطقة لمزيد من الاحساس بالضيم والظلم والمهانة، عدم اشراك كل من ايران وسورية وأبناء عمومة العراق في مصر والسعودية أن يضع كل هؤلاء جهودهم في صنع مستقبل العراق الذي يجب أن يكون ديمقراطيا حرا موحدا.
لقد نبه الرئيس المصري محمد حسني مبارك، وأظنه تكلم بصدق، من أن اقدام حكومة المالكي ومعها قوات التحالف علي اعدام صدام حسين سوف يدخل العراق ومعه منطقة الشرق الأوسط في غليان لن يعرف أحد متي ولا كيف ينتهي.
وهنا أتساءل ببراءة الأطفال: أين سيتم تنزيل اعدام رئيس عربي علي حبل المشنقة؟ واذا كان الوزير الأول العراق يدعي ـ وقد يكون محقا ـ بأن ذلك يشفي صدور كثير من الأطفال والأرامل، فانني بدوري أسائله: من الذي سيلي صدام حسين علي الحبل الجديد بعد أن قتل تحت حكم الوزير الأول نفسه وسلفه أكثر من نصف مليون عراقي؟ تري كم عدد الديمقراطيات الحديثة التي أنجزت مستهلة عهدها الجديد بنصب المشانق بحجة أن ذلك يضمد جراحات الثكالي: أهي ديمقراطية جديدة، أم طائفية نتنة أم أن اخواننا الشيعة في العراق الذين حرموا كثيرا من المشاركة السياسية في ادارة حكم بلادهم، هي التي دفعت بالمحكمة الي عدم تشخيص دقيق لمطالب العراق ووضع مصالحه العليا فوق كل اعتبار؟ أم أن خسة بعض الشخصيات في الاحتلال هي التي أملت هذا الحكم؟
ورغم أنني بريطاني من أصول عربية فان العرق دساس، وأراني أتناسي جذوري لكنها تتأبي فأجدني أحبر من غير ارادة وأقول: في الزمن العربي الخارج عن التاريخ لا يستحق العزيز العربي عندما يهوي أن يمر بمحاكم هيج Hague مثل سلفه ميلوسيفتش. في الزمن العربي الذي تتحول فيه شعوب بأكملها الي أرقام ميتة لا يصل الدكتاتور العربي المخلوع الي ما ناله تشاوسيسكو من شرف علي أيدي أبنائه أنفسهم الذين لم يبخلوا عليه برصاصة الرحمة والشرف، اذ خلع يومها بالبندقية الرومانية وقتل يومها بالرصاصة الرومانية، فلم يجرح ذلك شعور رومانيا التي قالت لا للديكتاتورية ولكنها كانت لاما وطنية انطلقت بعدها رومانيا لتصبح اليوم من أكبر الدول الأروبية الفاعلة علي الساحة الأروبية، وهذا ما يجعلنا نحلم بأن عراق الغد لا بد أن يحيي ولا بد أن يعود الي سالف كبريائه ليعانق مجد الآباء والأجداد في حكم ديمقراطي عصري تتعايش فيه كل العائلات السياسية العراقية في تناغم وتعاون وطمأنينة حتي وان رفض من يريدون استخدام العراق وأهله لتصفية ثارات قديمة لا علاقة لها بالدين ولا بالولاء لأهله من الأتقياء الصابرين.
ہ كاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8