لندن ـ ‘القدس العربي’: وصلت فضيحة التنصت الى ابواب الشرطة واطاحت في يومين باكبر مسؤولين فيها المفوض العام سير بول ستيفنسون ونائبه بول ييتس، لعلاقتهما بتعيين مدير تحرير نيوز اوف ذا وورلد السابق نيل واليس مسؤولا للعلاقات العامة وامور اخرى منها اقامة مفوض الشرطة لخمسة اسابيع في منتجع من خمسة نجوم للتعافي من مرض الم به، وهو ما ينكره المفوض المستقيل، فيما تلقى ييتس اللوم لانه لم يفتح تحقيقا جديدا في اتهامات التنصت عام 2009. وتلقى رئيس الوزراء نبأ استقالة الاول اثناء رحلته لجنوب افريقيا، فيما تلقى استقالة الثاني بعد وصوله الى جنوب افريقيا. وتزيد الاستقالات من الضغوط على رئيس الحكومة مع تفاعل القضية فيما يتوقع كثيرون ان تتم دعوة البرلمان للانعقاد حتى في العطلة الصيفية، وجاءت قبل يوم من جلسة البرلمان لمساءلة روبرت ميردوخ، ونجله جيمس ومديرة نيوز انترناشونال، ربيكا بروكس التي اعتقلت نفسها يوم الاحد ولم يطلق سراحها الا بكفالة في صباح يوم امس الاثنين. وفي يوم الاحد والاثنين الحافل بالاثارة لم ينس مدير الشرطة البريطانية المستقيل على خلفية فضيحة التنصت بول ستفينسون ان يلمح في بيان استقالته الى مسؤولية رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في الفضيحة التي تهز بريطانيا.
واستقال ستيفتسون اثر اتهامه باقامة علاقات تتعارض مع وظيفته مع مدير تحرير صحيفة ‘نيوز اوف ذا وورلد’ نيل واليس.
وكان كاميرون قد تلقى نبأ استقالة مدير شرطته وهو في الطريق الى جنوب افريقيا. ولا يعرف تداعيات استقالة اكبر مسؤول في الشرطة على كاميرون، وعلى المؤسسة الامنية حيث لا يوجد خليفة واضح له، كما ان بريطانيا تعد العدة لاستقبال الالعاب الاوليمبية العام المقبل. واستقال ستفيسون في يوم كان مشوبا بالدراما بعد اعتقال مديرة ‘نيوز انترناشونال’ ريبكا بروكس حتى صباح يوم امس حيث اطلق سراحها بكفالة وخرجت من مركز الشرطة الساعة الواحدة. ويطرح اعتقال بروكس اسئلة حول معرفة جيمس ميردوخ رئيس عمليات ‘نيوز كوربوريشين’ في اوروبا واسيا، بعمليات التنصت. وسيمثل كل من بروكس، وميردوخ وجيمس امام لجنة برلمانية مشتركة للاجابة عن اسئلة تتعلق بالتنصت. وتطرح الطريقة التي تتطور فيها احداث الفضيحة والرؤس التي اطاحت بها والتي ستطيح بها اسئلة حول اثرها على كاميرون وما ستنتج عنه الاحداث فيما بعد وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين ميردوخ وكاميرون ومستقبل مصالحه التجارية في بريطانيا. وكانت الشرطة منذ البداية في مركز الفضيحة حيث كشف عن علاقات بين مسؤولين فيها ومسؤولين في نيوز انترناشونال، حيث استخدموا محققين في الشرطة للتنصت على هواتف الضحايا، فيما يتهم ستفينسون بتقلي هدايا ومعاملة تفضيلية من نيوز انترناشونال، التي دفعت ثمن اقامته في منتجع صحي من خمسة نجوم اسمه تشامبنيز في هارتفورد شاير للتعافي من مرض. على الرغم من تأكيد مدير الشرطة المستقيل ان واليس لم يقم بترتيب الزيارة وبالاضافة للاخطاء هذه فقد عين واليس مستشارا للشرطة البريطانية على الرغم من التقارير الكثيرة حول عمليات جمع الاخبار بطريقة قانونية اثناء عمل واليس كرئيس لتحرير الصحيفة، وكان واليس قد اعتقل يوم الخميس الماضي. وفي بيان استقالته، اقترح ستفينسون عدم الكشف عن واليس الذي كان متهما ويتلقى راتبا من الشرطة كان من اجل حماية رئيس الوزراء الذي كان على علاقة مع قوية مع اندي كولسون، مدير مكتب اعلام كاميرون ورئيس تحرير نيوز اوف ذا ووردلد السابق، وتم اعتقال كولسون في بداية الشهر الحالي. ويتعرض كاميرون لضغوط من حزب العمال بسبب تعيينه كولسون على انه خطأ في التقدير، فيما يصر كاميرون على ان تعيينه لكولسون كان من اجل اعطائه فرصة ثانية، ولاعتقاده ان عمليات التنصت كانت محدودة ومعزولة. وعلى الرغم من هذه العلاقة الا ان كاميرون كان سريعا في مواجهة تداعيات الازمة، عندما طالب باستقالة ريبكا بروكس، والتي كانت على علاقة ‘اجتماعية’ معه، حيث كان يذهبان في جولات على ظهور الخيل في الريف، ودعا مع قادة الاحزاب الاخرين ميردوخ كي يتراجع عن محاولاته للسيطرة على شرطة بي سكاي بي. واعلن عن لجنة تحقيق في الفضيحة. وعلى الرغم من ابعاده الازمة ولو مؤقتا عن باب مقر الحكومة الا ان الازمة قد تطول لمدة عام، في وقت لم يعد فيه كاميرون على السيطرة على تطورات الاحداث، ومع ذلك يقول باحث من جامعة مانشتسر ان الازمة وضعت كاميرون في وضع غير مريح لكن من غير المتوقع ان تترك اثرا على موقعه كرئيس للحكومة.
ظروف الاستقالة وترتبط استقالة ستفينسون بتورط الشرطة في علاقات تأمرية مع ‘نيوز او ذا وورلد’ حيث جاء اعتقال بروكس فيما يعتقد انها علاقة تآمرية مع الشرطة للتنصت على اتصالات للحصول على معلومات خاصة واخبار من الشرطةـ اضافة الى عمليات رشوة. ويمثل اعتقالها حلقة من حلقات سقوطها من المجد، حيث كانت تعتبر من اقوى النساء في بريطانيا، ولم يستطع ميردوخ حمايتها بعد ان اكد انها اولوية من اهم اولوياته، فلا هو ولا هي استطاعا الصمود في وجه العاصفة، وعملت بروكس مديرة لتحرير الصحيفة المغلقة في الفترة ما بين 2000 -2003 وهي الفترة التي كشف فيها عن تورط الصحيفة في عمليات التنصت. وكانت قد اعترفت عام 2003 بدفع اموال للشرطة مقابل معلومات وهو اعتراف لم تعره الشرطة الاهتمام الكافي. وفي اتجاه اخر، يتوقع ان يترك اعتقالها ومواجهتها اتهامات جنائية اثره على مجموعة ‘نيوز كوربوريشين’خاصة جيمس ميردوخ وامكانية ان يتورط هو الاخر كما تورطت بروكس. وكان ديفيد ميليباند، زعيم العمال، قد تحدث يوم الاحد لصحيفة ‘اوبزيرفر’ مطالبا بتفكيك امبراطورية ميردوخ وانهاء تأثيره على السياسة في بريطانيا. ويعتقد محللون ان اعتقال بروكس جاء كخطوة وقائية ولمخاوف الشرطة من ان ظهورها امام اللجنة البرلمانية قد يكشف عن فشل الشرطة في التعامل مع الفضيحة، ومن هنا شعرت الشرطة انها بحاجة للتصرف سريعا قبل ان تواجه باسئلة غير مريحة.
الثقة بالشرطةومع وصول الفضيحة للشرطة البريطانية بعد ان طالت السياسيين فان تداعياتها ستكون كبيرة على طبيعة الثقة التي سيضعها الرأي العام في هاتين المؤسستين المهمتين، ولا تعرف الكيفية التي ستتعافى فيها مؤسسة الشرطة من هذه الفضيحة. خاصة ان رئيس الشرطة ستفينسون عبر عن جهله بوجود ملف من 11 الف صفحة يحتوي على ادلة جمعها محقق خاص استأجرته صحيفة ‘نيوز اوف ذا وورلد’. وتعليقا على استقالة مدير الشرطة قالت ‘اندبندنت’ ان البريطانيين يستحقون قوة شرطةغير فاسدة وشريفة. وقالت انه مع عدم ثبوت او اعتراف ستفينسون باي خطأ الا انه شعر ان الدعم من المؤسسة السياسية بدأ بالتراجع مما وضع مصداقيته وقوته على المحك، ومع رحيله سيزداد الضغط على بول ييتس، المفوض المساعد لرئيس شرطة لندن الذي قرر عدم فتح تحقيق جديد في التنصت عام 2009. ودعت الى التوقف عن المبالغة عن اثر صحافيي ميردوخ على الحياة في بريطانيا، لان البريطانيين ليسوا كلهم يقرأون صحف ميردوخ، ولكن هذا لا ينفي تغلغل مملكته في كل زاوية من زوايا المؤسسة البريطانية، وعندما يتعلق الامر بالشرطة فالمجتمع بحاجة الى قوة غير فاسدة التي تكون حصنا للديمقراطية، وتقول انه اذا اصاب الفساد جزءا من هذه المؤسسة ‘فعلينا ان نقلق’. وبنفس السياق تقول ‘الغارديان’ ان رحيل ستفينسون كان متوقعا لكن الطريقة السريعة التي تمت بها تشير الى عمق الازمة التي باتت تغلف الحياة السياسية والاعلامية وقوات الامن البريطانية، فيما اعادت الاستقالة كاميرون حسب الصحيفة الى دائرة الضوء حيث يواجه اسئلة حول اخطاء ارتكبها.
وكلما تعمقت الازمة التي بدأت قبل اسبوعين كلما وجد مردوخ نفسه في وضع حرج ومعه مملكته الاعلامية التي تجد نفسها في وضع لا يمكنها الفوز به، خاصة مملكته الاعلامية في امريكا، فوكس نيوز، وول ستريت جورنال، ونيويورك بوست، والتي وان تعاملت وغطت الفضيحة الا انها لم تخصص لها المساحة الواسعة كما لوحظ في حالة فوكس نيوز. على خلاف الصحف والقنوات التلفزيونية الامريكية من مثل نيويورك تايمز وسي ان ان وام اس ان بي سي، التي اعطت مساحة واسعة للفضيحة مما جعل محللين صحافيين امريكيين للقول ان هناك دوافع تجارية وراء حماس هذه المؤسسات. ولان صحيفة ‘الغارديان’ كانت اول من تابع قصة التنصت وفضحت ممارسات نيوز انترناشونال فان عدد من المؤسسات المحافظة الامريكية، اتهمت من اسمتهم ‘الراديكاليين’ فيها بمحاولة ‘تدمير مردوخ العجوز’ حسب مسؤول في مركز ابحاث الاعلام وهو معهد محافظ في امريكا واضاف ان الصحافة الامريكية انضمت للهجوم مضيفا ان الهجوم هو كله موجه لمردوخ بسبب ما ينظر اليه تأثيره على الاعلام والسياسة في امريكا. واشار المحلل تحديدا الى الاذاعة الوطنية العامة ‘ان بي ار’ التي قال انها تقود حملة كراهية لمردوخ وانها تلقت دعما من الملياردير جورج سوروس وان لديها مصلحة في ملاحقة مؤسسات ميردوخ، لكن مسؤولين في الاذاعة يقولون انها اخبارالفضيحة مهمة وعالمية وان الاذاعة تتخذ قرارات حول القصة التي تريد تغطيتها بناء على اهميتها وقيمتها. لكن المحلل المحافظ الذي نقلت عنه ‘واشنطن بوست’ قال ان هدف الاعلام التابع لغير مردوخ يهدف ‘لتخليص امريكا من فوكس نيوز’، والتي تعتبر منبرا للمحافظين، والتي لم تخصص وقتا كافيا للفضيحة، فحسب منظمة قضايا الاعلام لامريكا، وهي منظمة رصد ومراقبة للاخبار ليبرالية، فان فوكس نيوز لم تخصص سوى 37 قطعة للفضيحة على مدار عشرة ايام مقارنة مع 85 قطعة في ام اس ان بي سي و 124 قطعة في سي ان ان. وحتى في تغطيتها فقد اتسمت فوكس نيوز بالتحفظ مما اداها الى لحظات محرجة، ففي برنامج ‘نيوز ووتش’ قال مشارك فيه انه لن يتطرقوا الى الفضيحة. وفي الوقت الذي تخبطت فيه فوكس نيوز فقد كانت صحيفة ميردوخ ‘وول ستريت جورنال’ في افتتاحيتها باتهامها كل من الغارديان وبي بي سي بالجري وراء القصة لاغراض تجارية وايديولوجية بحتة. وجاء انتقادها في افتتاحية ‘غاضبة’. والمحت الصحيفة الى ان الغارديان ليست من حقها ان ‘تحاضر الناس حول معايير الصحافة’ لان الغارديان نشرت برقيات ووثائق السفارات الامريكية حول العالم والتي سربتها ويكيليكس. وجاءت النبرة الغاضبة والناقدة بعد اسبوع اعتذر فيه مردوخ عن تصرفات الصحافيين في نيوز انترناشونال، وينشر اعلانات في الصحف البريطانية منذ يوم السبت، عبر فيها عن اسفه واسف مؤسسته وشرح فيها ما الاخطاء التي حدثت. وقالت انه من المثير للسخرية ان مؤسسة اعلامية وحيدة، تقصد الغارديان- عبرت عن اخلاقية وغضب وهي تعرف ان صحف التابلويد تقوم بنبش وسخ المشاهير منذ عقود طويلة. واتهمت الصحيفة ‘الغارديان’ وصحيفة اخرى بانهما تحاولان تشويه سمعة صحافيي ‘نيوز كورب’. كما هاجمت الصحيفة نوابا امريكيين طالبوا بالتحقيق في ممارسات مجموعة ميردوخ في امريكا ووصفتهم بالرعاع.
دراما الثلاثاءوفي انتظار دراما اليوم يقول مسؤولوا علاقات عامة ان ميردوخ قد يبدأ حديثه امام اللجنة بتقديم اعتذار للرأي العام البريطاني، ويقولون انه كلما كان صريحا في حديثه كلما قلل من الاضرار التي سببتها الفضيحة عليه وجلبتها على المؤسسات البريطانية، وسينكر ميردوخ اية معرفة بالفضيحة، ولان صحف التابلويد تمثل جزءا صغيرا من مملكته الاعلامية فان انكاره سيكون متقبلا. مما يعني ان مهمة ابنه وبروكس ستكون صعبة لتبرير الفضيحة وعمليات التنصت، خاصة ان جيمس وقع شيكات لمسؤول علاقات عامة، ومدير منظمة رياضية لشراء صمتهما..