اعصار كاترينا كشف عن الوجه القبيح لامريكا ولبنان عرت سياسات اسرائيل في العقود الاخيرة
الدولة اختفت في الحرب.. الجيش دخل لبنان وقري الشمال هربتاعصار كاترينا كشف عن الوجه القبيح لامريكا ولبنان عرت سياسات اسرائيل في العقود الاخيرة كل لجان التحقيق التي ستتشكل لن تنجح في التكفير عن الجريمة الحقيقية التي جرت امام انظارنا في حرب لبنان الثانية. الدولة بكل بساطة اختفت وكأن الارض قد ابتلعتها هي لم تكن موجودة في التجمعات الشمالية في الساعات الاكثر صعوبة التي مرت علي السكان هناك الذين ظلوا في منازلهم. الدولة في جوهرها تقاس وفق ادائها في اللحظات العصيبة. واسرائيل قد فشلت في هذا الاختبار. الجثث التي بقيت عائمة فوق الماء في نيواورليانز طول ايام بعد اعصار كاترينا كشفت بصورة فظيعة عن الوجه الحقيقي للولايات المتحدة. هذه الدولة العظمي العملاقة وقفت عاجزة وكأنها دولة بحجم بنغلادش. الرئيس جورج بوش الذي يكون سريع القرار اذا ما تعلق الامر في الحرب تريث أربعة ايام الي أن اتخذ قرارا بالتوجه لزيارة تلك المنطقة المنكوبة.اعصار كاترينا كشف النقاب عن ضعف الايديولوجيا التي تنظر لاضعاف الدولة لصالح اجسام اقتصادية خاصة في السوق الحرة. طالما بقيت الوفرة التي يستمتع الجميع منها قائمة – اعتبر كل شيء علي ما يرام. ولكن من اللحظة التي تندلع فيها أزمة انسانية تظهر هذه النظرة بكامل قسوتها ووحشيتها. هذا ما حدث عندنا ايضا في المناطق الشمالية ابان الحرب. الدولة دخلت الي لبنان وفي المقابل فرت من التجمعات الشمالية متوقعة ان تقوم الجمعيات والجهات غير الحكومية بالمهمة بدلا عنها. هذا الفرار عبر بصورة دقيقة عن الوجه الجديد لدولة اسرائيل. باشراف حكومات اليمين واليسار تخلت الدولة في العقدين الاخيرين عن وظائفها الاساسية ونقلتها الي السوق الحرة. واجسام تطوعية وجمعيات خيرية. القلب تحطم من المشاهد التي تكشفت في المناطق الشمالية. الفرار بدأ منذ اليومين الثاني والثالث من الحرب. من كان قادرا أخذ ابناء اسرته وفر من المكان. شاهدت قوافل من الاف السيارات وهي تفر من حيفا في الايام الاولي من الحرب. كل واحد بحث عن ملاذ يفر اليه وكل حسب قدراته.عشرات الالاف الذين لم يكن بمقدورهم الفرار ظلوا هناك سواء بسبب وضعهم الاقتصادي الصعب او بسبب وضعهم الصحي. في الايام الاولي لم يقل احد ما الذي يتوجب عليهم عمله. بعد أن طُلب منهم التوجه الي الملاجيء اتضح أن هذه الملاجيء ليست ملائمة للمكوث فيها. الدولة ركزت اهتمامها علي الجبهة وتخلت عن عمقها الداخلي.مع الدولة اختفت ايضا السلطات المحلية. في غياب التعليمات الواضحة فر جزء من موظفي هذه السلطات من اماكنهم. كما أن السلطات التي نجحت في اداء وظائفها وجدت نفسها امام وضع محطم. حتي من قبل أن تبدأ الحرب كانت أغلبية هذه السلطات في أزمة مالية وبالكاد نجحت في دفع رواتب موظفيها. الان عندما طُلب منها أن تعالج وان تعتني بالالاف الذين تبقوا في الملاجيء تبين لها أنها لا تملك القدرة المالية والاقتصادية المطلوبة لذلك. رؤساء المدن توجهوا للحكومة طالبين العون ولكنهم لم يجدوا من يصغي لهم.وهكذا وجد عشرات الالاف انفسهم من دون ملاجيء ملائمة ومن دون طعام وشراب ومن دون رعاية طبية او عناية. خلال ايام الحرب كلها لم تكن هناك مرجعية حكومية واحدة تتولي معالجة الجبهة الداخلية. كل الاجهزة الاجتماعية للدولة انهارت.الي داخل هذا الفراغ دخلت الجمعيات والشركات الصناعية والهيئات التطوعية. امام اعين هذه الاطراف تكشف خراب اجتماعي لم يكن له نظير منذ قيام الدولة. غيل درمون مؤسس جمعية العطاء ارسل في كل يوم 70 متطوعا الي الشمال لتوزيع الطعام علي الناس. وجدنا أنفسنا ونحن نوزع اكياس الطعام علي المرضي والعجزة والكهول ، قال، الناس حدثونا ان اي طرف حكومي لم يتوجه اليهم من اجل المساعدة. كانت هناك ايام توجه بها رؤساء البلديات بانفسهم الينا حتي نوزع المياه للسكان. شاهدت مناظر فظيعة. في كل مرة كانت تصل فيها شاحنة الغذاء كان الناس يتجمهرون حولها ويتهجمون وكأننا في افريقيا .خلال الحرب قامت جمعية العطاء بتفعيل الاف المتطوعين ووزعت 25 الف رزمة و 250 طنا من الطعام. كان لدي شعور باننا علي شفا دولة منهارة يقول درمون، وكأن الدولة لم تكن موجودة بالمرة . هذا ما حدث في كريات شمونة وفي شلومي وفي نهاريا وفي معلوت وفي عكا وفي عشرات التجمعات الكبري والوسطي والصغري. يهودا وعربا ودروزا وشركسا. كل شيء انهار. المحامي عامي زينتي الذي بقي في كريان شمونة في ايام الحرب يقول ان الناس قد استطاعوا البقاء في المدينة بفضل الاجسام التطوعية العفوية أما الدولة فقد انهارت تماما.الجريمة الاجتماعية التي حدثت خلال الحرب جرت بسبب ايديولوجيا تتطلع الي تحويل اسرائيل الي امريكا اخري. في غضون ذلك اصبحت مثل رسم كاريكاتوري للولايات المتحدة. خلال العقدين الاخيرين تآكلت شبكة الضمان الاجتماعي والتزام الدولة نحو الشرائح الفقيرة واختل التوازن بين النفقات الامنية وبين النفقات الاجتماعية ضد مصلحة الاخيرة طبعا. الذروة كانت خلال سنوات حكم الليكود الخمسة برئاسة ارييل شارون.من الصعب الاعتقاد انه قبل اقل من ستة اشهر جرت انتخابات كان في مركزها التطلع لتقويم المجتمع الذي تشوه لدرجة لا توصف من خلال الفجوات الاجتماعية. ايهود اولمرت وخصوصا عمير بيرتس حظيا بثقة الجمهور علي اساس الوعد بالاصلاح والتقويم.الاخفاق الاجتماعي في الشمال هو جريمة اصابت بشرورها الشرائح الضعيفة في المجتمع الاسرائيلي. من الصعب ان نقدر عدد المواطنين الذين ماتوا بسبب العجز الذي اصابهم نتيجة لذلك. لذكراهم لن يقوم احد هنا بانشاء نصب. دانيال بن سيمون(هآرتس) 4/9/2004