اعلام العمل القومي العربي: الشهيد فؤاد الركابي (2من2)
غرفة الركابي في سجن بعقوبة كانت برلمانا.. يجتمع فيها المعتقلون السياسيون قوميين ويساريين واكراداصدام كان قلقا من نشاط الركابي وبعث اليه اكثر من وسيط.. والبكر الضعيف رفض وساطة بومدين وناصراعلام العمل القومي العربي: الشهيد فؤاد الركابي (2من2)هارون محمد رفض وساطة عبد الناصر وبومدينشعر صدام حسين ورجاله بالخوف من النشاط المتزايد لسجين بعقوبة، وتملكهم الرعب من اتصالاته وتحركاته وهو في السجن، فبدأوا بارسال الوسطاء والموفدين إليه يناشدونه اعتزال العمل السياسي أو مغادرة العراق، ورفض الركابي، بصلابة واصرار هذه الدعوات، وأعلن علي رؤوس الأشهاد، أنه لن يستكين ولن يهدأ إلا باسقاط الطغمة الفاسدة، وكان أحمد حسن البكر، المعروف بضعف شخصيته، وسذاجته السياسية، قد رفض تحت تأثير صدام حسين، مساعي بذلها الرئيسان المصري جمال عبد الناصر، والجزائري هواري بومدين لإطلاق سراحه.رسائل من خلف القضبانوفي سجن بعقوبة، بدأ الركابي، العمل من جديد، وتمكن خلال فترة وجيزة من تأهيل الحركة الاشتراكية العربية، بعد الضربات الموجعة التي وجهت إليها، ونجح وهو في السجن من إعادة رص الصف القومي الوحدوي، الذي عملت السلطة البعثية علي اضعافه. ورغم قسوة الاعتقال ومرارة السجن ظل فؤاد الركابي، يتابع من خلف القضبان، ما يجري من وقائع وتفاصيل الكارثة التي حلت بالعراق بعد 17 تموز (يوليو) 1968، عندما استولي الانقلابيون علي الحكم بمساعدة حرس المقدم ابراهيم الداوود، واستخبارات عبد الرزاق النايف، ودبابات سعدون غيدان، وبدعم من شركات نفط احتكارية وسفارات دول أجنبية.كان الركابي، منذ اعتقاله في مطلع نيسان (ابريل) 1969 ونقله إلي قصر النهاية سيئ الصيت، يتوسل الطرق ويغتنم الفرص لإرسال رسائل شفوية أو قصاصات ورق صغيرة، تتضمن إرشادات وتحذيرات إلي رفاقه ومريديه، خارج المعتقل، تعينهم علي مواجهة عيون الأمن وملاحقات السلطة. وعبرت الرسائل – الشفوية والخطية – عن مرحلتين:الأولي تلك التي بدأت في تموز (يوليو) 1969، أي بعد اعتقاله بثلاثة شهور، واقتصرت علي رسائل شفوية، كان يبعث بها إلي رفاقه وأصدقائه وأهله، عبر محتجزين ومعتقلين قوميين وناصريين، ممن مضوا أسابيع قليلة وتم اطلاق سراحهم، لعدم ثبوت انتسابهم إلي إحدي الحركات أو الأحزاب القومية، أو ممن شملتهم ما كان يسمي بالإجراءات التأديبية، التي طالت جمهرة واسعة من القوميين والناصريين، في ذلك الوقت. وكانت أجهزة مكتب العلاقات العامة، بقيادة صدام حسين قبل تحوله إلي جهاز للمخابرات، قد شنت حملة اعتقالات واسعة، في تموز (يوليو) 1969، شملت مئات من أعضاء وكوادر الحركة الاشتراكية العربية، وحزب الوحدة، وكان علي رأسه صبحي عبد الحميد، الذي رحل إلي القاهرة، والمحامي خالد علي الصالح، والشهيد الطبيب راجي عباس التكريتي، والحزب الاشتراكي، الذي كان يقوده المرحوم رشيد محسن، الذي تمكن من الإفلات من المطاردات والملاحقات ولجأ إلي مصر، والعربي الاشتراكي، ومؤتمر القوميين الاشتراكيين، وشخصيات قومية وعسكرية مستقلة. كان الاعتقال يتم علي أساس التاريخ والسجل السياسي السابق للشخص، وليس بالضرورة انتسابه إلي إحدي الحركات أو الأحزاب القومية، وكان الهدف من وراء الحملة هو الترويع، والضغط النفسي لمنع الاجتماعات والنشاط.ولأن أغلب المعتقلين كانوا من القوميين والناصريين، دون أن يكونوا أعضاء في التنظيمات المعروفة. ونظرا للزحام الذي واجهه معتقل قصر النهاية ، أوعز صدام حسين، المسؤول عن مكتب العلاقات العامة، إلي رئيسي هيئتي التحقيق: الأولي سعدون شاكر، والثانية ناظم كزار، بتعريض المعتقلين القوميين، الذين لم تثبت عليهم (تهمة) الارتباط بتنظيم معين، ولم ترد أسماؤهم في الاعترافات إلي تعذيب جسدي عنيف، والإفراج عنهم بعد شفائهم من الإصابات في أجسامهم والتئام الجروح والأورام من وجوههم وأطرافهم. وظف فؤاد الركابي هذه الظروف، وبدأ في إرسال الرسائل الشفوية والرمزية إلي خارج المعتقل، كما بعث برسائل شفوية إلي نقيب المحامين، المرحوم عبد الوهاب محمود، الذي أثار قضية اعتقال الركابي مع وزير العدل مهدي الدولعي، وقد رفض الوزير مواصلة الاستماع إلي كلام نقيب المحامين وغادر مكتبه، متذرعا باجتماع مجلس الوزراء، تاركا عبد الوهاب وحده.في تلك الفترة بعث الركابي برسائل إلي جلال الطالباني، وكان وقتها يرأس الجناح الثاني للحزب الديمقراطي الكردستاني، والمحامي حسين جميل، سكرتير الحزب الوطني الديمقراطي، والدكتور جورج حبش، أمين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إضافة إلي رسائله التحذيرية إلي رفاقه في قيادة الحركة الاشتراكية العربية، الذين لم يتعرضوا إلي الاعتقال، مؤكدا عليهم ضرورة التماسك وتعبئة الجهود للحفاظ علي الهيكل التنظيمي للحركة، والتنسيق مع الأحزاب القومية الأخري، وطي صفحات الخلاف والاختلاف معها.وعلم الركابي، وهو في المعتقل، بنبأ وصول عبد الله الركابي، عضو المكتب السياسي للحركة، والمقدم محمد علي سباهي مسؤول التنظيم العسكري، إلي القاهرة، بعد فشل أجهزة الأمن في اعتقالهما، وكان يعرف أيضا أن هاشم علي محسن، عضو المكتب السياسي الآخر قد استقر في الأردن، مع الجبهة الشعبية، وقد أوصي وهو في المعتقل بإجراء تغييرات في المواقع والمسؤوليات التنظيمية لرفاقه خارج المعتقل أثبتت فعاليتها ونجاحها. أما المرحلة الثانية من رسائله، التي اتسمت بالتحليل السياسي والفكري، فقد بدأ المباشرة بها في اليوم الأول من نقله إلي سجن بعقوبة، بعد الحكم عليه من محكمة الثورة، برئاسة العقيد علي هادي وِتْوِتْ الضابط البعثي، الذي لم يستطع كتم غضبه، عندما واجهه محاميا الركابي، عبد الوهاب محمود وعامر عبد الله، غير القول الحكم صادر.. أني بس قريته ، ويعني قرأه. في سجن بعقوبة كتب رسائل خطية ضمنها رؤيته للأحداث العراقية والعربية، فكانت أولي رسائله إلي قيادة الحركة برفض تحويلها إلي حزب ماركسي، وكان يؤكد بأن القومية والماركسية لا تلتقيان، لأن لكل منهما خصائصها وتراثها، ومن الصعب تحويل حركة قومية إلي حزب ماركسي لينيني شيوعي، علي العكس من هاشم، الذي كان شديد الاعجاب بحزب العمل الكوري الشمالي، بعد زيارة لبيونغ يانغ، أيام كان رئيسا لاتحاد العمال، ولقائه بالرئيس الكوري الشمالي كيم إيل سونغ. كانت غرفة الركابي في سجن بعقوبة أشبه ببرلمان، يجتمع فيها المعتقلون السياسيون معه، وكانوا من القوميين واليساريين والأكراد، وكان يوم زيارته أو المواجهة ، كما يطلق عليها في لغة السجناء والسجانين، أشبه بمنتدي عام يقام في الأرض الفضاء بين القاعات، لكثرة زواره وجميعهم من السياسيين والمحامين ورجال الفكر وأساتذة الجامعات، وكذلك من زملائه المهندسين. وكانت المرحومة والدته، تضيق بهذا الحشد، لأنها لا تستطيع أن تشبع شوف منه كما كانت تقول طيب الله ثراها.وفي السجن أرسي دعائم الحزب، الذي أطلق عليه اسم الحزب العربي الديمقراطي ، وشكل قيادته في الخارج، وكتب له منهاجه السياسي ونظامه الداخلي، ووزع مسؤولياته علي الذين يري فيهم الأهلية والكفاءة، ولأنه كان دقيقا ويعي ظروف تلك الفترة القاسية، ويعرف أساليب السلطة وأجهزتها، فقد نظم تشكيلات الحزب علي الطريقة الخيطية ، كما كانت تسمي في العمل الحزبي، بحيث يصعب علي الأجهزة الأمنية اكتشافها، إذا ما وقع أحد أعضائه أو كوادره في قبضتها.وقد واجهت دائرة الأمن العامة صعوبات في معرفة ظروف نشأة الحزب العربي الديمقراطي، بعد تزايد عدد أعضائه إلي مستويات قياسية، في غضون فترة قصيرة، ولم يهتد إليه ضباط الأمن ومكتب العلاقات العامة في قيادة الحزب، وعلي الرغم من أن صدام حسين ترأس اجتماعا أمنيا، شارك فيه أكثر من أربعين مسؤولا من هذه الأجهزة ومعهم ضباط أمن محترفون.. منهم ناظم كزار مدير الأمن العام، وسعدون شاكر مدير مكتب العلاقات العامة، وعلي رضا، وطاهر محمد أمين، وبرزان التكريتي، وحسن المطيري، وسالم الشكرة، وحامد الورد، من مسؤولي الأجهزة الأمنية. في هذا الاجتماع قال صدام انه يشم نفس فؤاد الركابي في بيان للحزب كان بيده، ولم يكن الحزب قد صدرت عنه إلا ثلاثة بيانات مقتضبة.واستدعي فؤاد الركابي من سجن بعقوبة مع مناضل قومي، كان معتقلا معه، هو زيدان خلف النعيمي، الكادر العمالي القديم، وخضع الاثنان لتحقيق قاس، أجراه معهما مقدم الأمن سعد الأعظمي.. استخدم معهما مختلف الأساليب الأمنية، وصنوف التعذيب النفسي والبدني، لدفعهما علي الاعتراف بمسؤوليتهما عن الحزب، غير أن صمود فؤاد ورفيقه فوت الفرصة علي ضابط الأمن.، وأعيد الركابي إلي سجن بعقوبة، وكان كل جسمه متورما من شدة الضرب بالسياط البلاستيكية والحديدية.الركابي يرفض الهربرفض فؤاد الركابي محاولتين للهرب من سجن بعقوبة، الأولي كان رفاقه في الخارج قد عملوا جاهدين علي تنفيذها، بمساعدة شرطي سجان، أبدي استعدادا للمشاركة في إخراجه من السجن وتسليمه إلي رفاقه في الخارج، وكانت الخطة تقضي بأن يقود الشرطي فؤادا إلي المستشفي، وهناك ينقض رفاق الركابي، ومن بينهم مضمد صحي علي الشرطي بالتنسيق معه، وحقنه بإبرة مخدرة وتركه في المستشفي، واصطحاب فؤاد إلي منطقة الخالص، ومن هناك يتم ترتيب سفره إلي الرمادي ومنها إلي سورية.وكان مخطط المحاولة الثانية، هو جلال الطالباني، وكانت تقتضي باختطاف الركابي من سجن بعقوبة ونقله إلي شمال العراق. وفي معرض رفضه تنفيذ عملية تهريبه من السجن يقول فؤاد في رسالة منه إلي رفاقه: إنه فكر في الأمر مليا، ولكنه قرر البقاء في السجن وتمضية فترة العقوبة، فإذا انقضت الفترة ولم يطلق سراحه فعند ذلك يكون لكل حادث حديث.ونجح الركابي وهو في السجن من تنبيه رفاقه في الحركة إلي المخاطر السياسية والفكرية، وانحاز أعضاء وكوادر الحركة، عن وعي وقناعة، إلي رؤية فؤاد الركابي، وكانت بالفعل هي الأصوب، وقد انهار حزب العمل، وهو في مراحل تأسيسه، وتنقل هاشم بين الفصائل الفلسطينية، بعد مشاكل تنظيمية وحساسيات مع قيادة الجبهة الشعبية.وعندما صدر بيان 11 أذار (مارس) 1970، لمعالجة المشكلة الكردية، توقع الركابي ألا يستمر طويلا، وكتب دراسة سياسية، تناول فيها المشكلة الكردية في العراق عبر مراحلها التاريخية والحلول الناجعة لها. وفي رسالة لرفاقه نهاية عام 1970 تنبأ فيها بقيام جبهة بين بعثيي الحكم والشيوعيين، بعد أن وصلت إليه أنباء اللقاءات بين الجانبين، ولكنه أكد أن مثل هذه الجبهات لا يمكن أن تعمر وتستمر، لأنها تفتقر إلي مقومات الاستمرار الأساسية. وفي مطلع عام 1971 بعث برسالة إلي القيادة الناصرية في مصر، حملها رسول خاص سافر إلي القاهرة وسلمها إلي سامي شرف، وفيها نبه رفاقه المصريين إلي التصريحات الخطيرة التي كان الرئيس المصري أنور السادات قد أدلي بها في تلك الفترة، ومدلولاتها وانعكاساتها، محذرا إياهم من سياساته ومواقفه اللاحقة.كان دور الشهيد ونضاله وهو داخل أسوار السجن يقلق صدام، الذي أرسل إليه عدة أشخاص من بينهم تحسين السوز، يعرض عليه تقديم مذكرة إلي صدام يطلب منه العفو، فما كان من الشهيد إلا أن طرد السوز مما دفع صدام إلي استئجار قاتل محترف يدعي عبد الرزاق الدليمي، الذي أدخل إلي قسم السجناء السياسيين في سجن بعقوبة، حيث تمكن من ارتكاب جريمته البشعة في عصر 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 1971، أغتيل المناضل والإنسان فؤاد الركابي، بطعنه بالسكين.. ذهب الركابي ماشيا علي قدميه إلي مستشفي بعقوبة، المجاور للسجن، وكانت الصفحة الثانية من المؤامرة التي استهدفته في انتظاره في المستشفي. فقد خلا من الأطباء والجراحين، في تدبير كان من الواضح أنه أعد مسبقا، وظل فؤاد الركابي ينزف والسكين الغادرة في رقبته، ثلاث ساعات متصلة، وسط بكاء ونشيج الممرضات والعاملين، وهم مكتوفو الأيدي. لا يقدرون علي عمل شيء في غياب الأطباء والجراحين الاختصاصيين.أسلم فؤاد الركابي الروح وهو مسجي علي أريكة خشبية عتيقة، في حديقة مستشفي بعقوبة، وإلي جواره رفيقه زياد النعيمي، القيادي القومي النقابي المعتقل في السجن معه، الذي لم يتمالك نفسه من هول المشهد، فبدأ بالصراخ بصوت عال. يسب أحمد حسن البكر، وصدام حسين، وناظم كزار والبعثيين ويتوعدهم بالثأر والانتقام، وبعد أن اكتشف القتلة أن الركابي لفظ أنفاسه الأخيرة، هجموا علي رفيقه وأعادوه للسجن، ونقلوا جثمان فؤاد إلي منزل والديه البسيط، في حي بغداد الجديدة، وزعموا لأبيه أنه توفي نتيجة شجار في السجن، وفي اليوم التالي شيع الركابي إلي مثواه الأخير في النجف، وسط موكب مهيب تقدمه ناجي طالب رئيس الوزراء الأسبق، وحشد من الشخصيات والقيادات الوطنية والناصرية واليسارية.وعندما جاء يحيي ياسين، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، ليشارك في موكب التشييع، موفدا من قيادة الحزب والثورة علي حد قوله، انبرت له أم فؤاد، رغم المحنة التي كانت تعيشها، وطردته بعد أن لعنت من أرسلوه بأعلي الصوت.وكان في الفترة القصيرة التي سبقت اغتياله ولم يكن قد بقي علي اطلاق سراحه غير ثلاثة أسابيع، أرسل رسالة إلي رفاقه قال فيها إنه يتعرض لضغوط من أصدقاء، قيل أن السلطة بعثت بهم إليه، يعرضون عليه اعتزال العمل السياسي عبر بيان يصدره، لضمان الافراج عنه، ويضيف أنه رفض مناقشة الفكرة أصلا. وفي آخر رسالة بعث بها مؤرخة في 26 سبتمبر (أيلول) 1971 قال فيها أنه بدأ يلاحظ ثمة تغييرات في مسؤولي السجن، ويشير بهذا الصدد، إلي نقل أحد معاوني مدير السجن، وهو ضابط قومي، نقل إلي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، التي ألحقته بدورها بوظيفة شاغرة في سجن بعقوبة، ويقول في الرسالة أن المعاون نقل ببرقية صادرة من مجلس قيادة الثورة، في إجراء غير مسبوق في مثل هذه الحالات.وكان هذا الضابط الشجاع قد اتفق مع الركابي علي الهرب سوية من السجن، إذا انقضت عقوبة فؤاد ولم يطلق سراحه. وفي هذه الرسالة كان الركابي كمن يودع رفاقه ويوصيهم بالصبر والجلد في مواجهة السلطة الجائرة، والعمل الجدي، والحفاظ علي الرفاق العسكريين، والسعي إلي تجنيبهم مواقع الخطر.كلمة لابد منها عن كتاب الحل الأوحد عندما أصدر المرحوم الراحل فؤاد الركابي كتاب الحل الأوحد في الربع الأول من عام 1963 وبعد أسابيع قليلة من انقلاب 8 شباط (فبراير) البعثي في العراق، كان يهدف إلي كشف الحقائق وإلقاء الضوء علي عملية اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، التي جرت في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1959 ومبرراتها وظروفها وتوقيتها ونتائجها، في وقت سعي الانقلابيون في بغداد، وبضغط من مرجعيتهم السياسية المتمثلة بقيادة ميشيل عفلق إلي التهرب من مسؤوليتهم، والتمويه علي أدوارهم، وتبرئة أنفسهم مما حدث. ووصل النفاق السياسي بكثير منهم إلي اعتبار الركابي وحده صاحب القرار في تلك العملية، في محاولة مكشوفة للإساءة إليه بعد أن تغيرت الظروف والأوضاع، وتشويه مسيرة حزب اليعث ومنطلقاته وقياداته وكوادره وأعضائه، عندما كان الركابي المسؤول الأول فيه.ولأن اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن مجرد عملية اغتيال فردية قائمة علي استهداف رأس النظام الحاكم وقتئذ فقط، وإنما هي، كماشرحها الراحل الركابي في الحل الأوحد المقدمة الضرورية لقيام تغيير سياسي شامل وهيكلي خطط له بدقة وحرص ليكون امتدادا لثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وإعادتها إلي مسارها الصحيح، الذي انحرفت عنه بعد أقل من ثلاثة شهور علي انبثاقها، بفعل الخلافات التي عصفت بين قادتها والاحترابات التي سادت بين الأحزاب والقوي الوطنية التي أسهمت في تفجيرها ودعمها.لذلك كان مطلوبا ثورة جديدة أو انتفاضة وطنية جديدة، إذا صح التعبير، علي مراحل بهدف الوصول إلي الهدف المنشود، الذي يمكن ثورة تموز من استعادة ألقها الذي غيب، واستعادة دورها الذي ضاع وسط الاستقطابات والانكفاءات والاستحوازات السياسية والحزبية، التي تصاعدت حدتها منذ نهاية عام 1958، وطيلة عام 1959، عندما تخندقت السلطة الحاكمة في مواضعها وانعزلت عن الشعب، وسمحت للحزب الشيوعي وحده بحرية العمل والنشاط والنفوذ، وأيضا لعب دور المطاردة والتضييق لأطراف وأحزاب وجماعات سياسية كانت تقف في معارضة الانحرافات ومواجهة الهيمنة الأحادية. إن القراءة الموضوعية لـ الحل الأوحد وما تضمنه من وقائع وأحداث ومعلومات يجب ألا تفصل عن سياقها التاريخي، ولا بد لمن يقرأ الكتاب الآن أن يتعرف علي ما حدث في العراق عامي 1958 و1959 والملابسات التي أعقبت ثورة 14 تموز (يوليو)، والاطلاع علي الخريطة السياسية للبلاد، والصراعات والخلافات التي شهدتها تلك المرحلة وطبيعة الحكم يومذاك، الذي وصف نفسه بـ الأوحد حتي تكتمل الصورة وتتوضح معالمها تماما، وعند ذاك يتم الحكم بشأن الحل الأوحد ، مسارا واستحقاقا ونتائج وآثارا.. ہ كاتب عراقي يقيم في لندن.ہہ الاعمال الكاملة لفؤاد الركابي صدرت عن المركز العربي الدولي للاعلام، القاهرة، 2005. اعدها وحررها، محمد عبد الحكم دياب وهارون محمد.7