مائة ألف جنيه، هو أجر الراقصة «لوسي» على نصف ساعة من الرقص الشرقي وهز الخصر.
هكذا صرحت في حديث لقناة «المحور»، وفي حديث «شفاف» أعلنت فيه أنها راقصة مصر الأولى بلا منازع، خصوصا وقد شرحت للمشاهد العربي صفتها كـ»عالمة» عالمية، وقد تعلمت منها شاكيرا «ما غيرها» أصول الرقص عبر وسيط تعليمي وهو الطبال حسام، والذي قام بنقل أشرطة الإبداع من لوسي إلى شاكيرا.
لوسي طرحت سؤالا مهما قد تقف أمامه الأجيال القادمة طويلا مفاده «كانت بتتفرج علي وبتقلد الحركات، يبقى اتعلمت مني ولا لأ؟» إلى هنا انتهى نص السؤال التاريخي المهم.
حوار لوسي والدرر التي انشغلنا بلملمتها، أعاد إلى الذاكرة مقالا شهيرا للراحل الكبير إدوارد سعيد عن «تحية كاريوكا» وقد صنفها فيه كأيقونة ثقافية من عالمنا المشغول بالخبز والحشيش وما تبقى من القمر.
لكن مائة ألف جنيه لنصف ساعة رقص، يعني تقريبا أربعة عشر ألف دولار هو مبلغ يستحق وقفة تأملية طويلة في ما ضاع من العمر وما سيضيع من باقيه، وإذا أخذنا بما تفضلت به لوسي في حديثها عن الحفلات الخاصة وما نعرفه مما قرأنا وسمعنا عن تلك الحفلات، فإن ليلة سهر كاملة من الرقص وما يجود به خصر «نخب أول» كخصر لوسي في أيام عزها، تعني بالأرقام ما يقارب الربع مليون دولار حساب الراقصة فقط.
حين نقلت خلاصة الحسابات لصديقي، مع ملخص للدرر التي جادت بها لوسي علينا في قناة المحور، أوضح لي «وهو كثير غلبة فعلا» أن مشكلته ليست مع لوسي وما تتقاضاه هي وسواها من فنانات الرقص الشرقي، بل المشكلة كلها تكمن في من يدفع تلك الفاتورة الضخمة!! ويختم صديقي بلغة دينية وعظية عن هؤلاء وعن عمر الواحد منهم وفيم أفناه! صديقي ، ماذا عنا نحن؟ وعن عمرنا وقد أفنانا وما أفنيناه!؟
قلادة السيسي السعودية
ولسبب ما أجهله، ارتأى صديقي، أن موضوع «كلفة رقص لوسي» تعد مدخلا جيدا لموضوع زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية.
ومع تحفظي على تلك المقاربة الغريبة، واصل حديثه عن تلك الزيارة التي قلد فيها خادم الحرمين «قاعدا بسبب عمره وحالته الصحية» الرئيس المصري «واقفا» أرفع قلادة سعودية.
استذكر محاولات الإعلام المصري أيام الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مصر، بمقارنة الرئيس السيسي بالراحل جمال عبدالناصر، ويرى أن التوثيق التلفزيوني مع ثورة المعلومات التي نعيشها وهذا الكم الهائل من التجييش الإعلامي العربي المكثف، يضع المواطن العربي في حالة انفصام شخصية قد يفضي إلى جنون مطلق على المدى القريب، فقد شاهدنا كما غيرنا من المشاهدين توثيق تلك اللحظة التاريخية بتقليد القلادة للسيسي تلفزيونيا، تماما كما تم توثيق وأرشفة اللحظة التي تحدث فيها عبدالناصر ذات مد قومي، عن السعودية بما يتناقض مع كل ما حملته زيارة السيسي من دلالات ومضامين.
وحين أحس أني ضعت في دوامة ملاحظات صديقي الغريبة، ختمها بجملة فريدة وغريبة حين قال: «يا صديقي المسكين، حفلات الرقص الخاصة التي تحدثت عنها لوسي، طالما انتهت بعَقد زواج عرفي أو عِقد ثمين على العنق، وأهو كله قلادات»!
أمنيات عربية على الـ»فيسبوك» بصيغة الأخبار
وكما أن الفضائيات متاهة بحد ذاتها مع كل هذا الكم المعلوماتي الذي تضخه على مدار الساعة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي لا تقل خطورة في الحشو المعلوماتي المضلل بأغلبه.
يكفي أن تدس معلومة مرفقة بصورة وبصيغة خبرية مع نسبتها أحيانا إلى جهة ما، لتصبح المعلومة بديهة صعبة النفي ومؤكدة .
ومثل غيري، تفاجأت بخبر مفاده أن الحاجة هيلاري كلنتون «أم تشيلسي» أوردت في كتابها الأخير ما مفاده أن الأمريكان أنشأوا «داعش»، بل وتفاجأت بتلك «المقتطفات» من كتابها، والتي تتحدث بالتفصيل عن اجتماعات رسمية تقرر فيها ولادة «داعش»!
طبعا مرد دهشتي أني قرأت كتاب كلينتون، ولا توجد فيه إشارة واحدة ولا في أي صفحة من صفحاته إلى تلك المقتطفات الغريبة!
قصة «داعش» قد تكون أمريكية، وقد يكون لها ألف احتمال آخر، لكن أن نتبنى روايات «فيسبوكية» كحقائق، فتلك عملية تضليل واسعة، والأنكى أن تتبنى صحف تدعي أنها مرموقة تلك الرواية وتنشرها على صفحاتها بعناوين مثيرة، فهذا تضليل للرأي العام، يرقى إلى مستوى جريمة برأيي.
طبعا، أكاذيب الانترنت، لا تنتهي، وهي أكاذيب أحيانا تتوافق مع أمنياتنا لتصبح حقائق سامة، لأنها تسمم توجهاتنا ومواقفنا، ونبقى في ضياع البوصلة إلى إشعار آخر.
مثل تلك الأكاذيب، ما ورد على شكل صيغة خبرية على الـ»فيسبوك» ليصبح خبرا على بعض وسائل الإعلام بدون ذكر المصدر ولا التحقق منه من أن حبيب أمه الجاسوس «سنودن» يقول بأن أمير المؤمنين «أطال الله لحيته» أبو بكر البغدادي مرتبط بالموساد وهو ضابط إسرائيلي متخف!
بالتحقيق والتتبع، يتبين أن الخبر خرافة من خرافات الـ»فيسبوك»، وبصراحة لا أرى قيمة في خبر مزعوم كهذا، إلا مزيدا من تضليل او قنبلة دخانية تضاعف من حالة عدم الوضوح لا أكثر.
أنتوني هوبكنز لم ينتقد إسرائيل في حربها البشعة على غزة، و المبدع روبرت دي نيرو لم يلق محاضرة يشتم فيها دولة الاحتلال، كما ورد بخبر مرفق بصورة أرشيفية لدي نيرو بملامح غاضبة، وهذا لا يمنع أبدا أنهما من أهم مبدعي هوليوود، لكن تجييرهما هكذا إلى دوامة التضليل لا يخدم قضيتنا بقدر ما يزيد من جرعات التخدير التي نتعاطاها كأمنيات.
طبعا مواقف هؤلاء قائمة على المصالح، وإسرائيل بماكيناتها الإعلامية الذكية تعرف كيف تروج لمصالحها جيدا، ولا ذنب الا علينا لا عليهم، وذلك لأننا أسوأ مدافعين عن قضايانا، واتعس من يروج لها بحماقاتنا الذاتية.
كاتب اردني مقيم في بروكسل
مالك العثامنة