عبدالسلام بنعيسي
تقدم الصحافية غادة عيد برنامجا عن الفساد في قناة نيوتي في تستضيف في البرنامج شخصيات مختصة في الشؤون المالية والقانونية، وتناقش معهم بعض قضايا الفساد في لبنان. في الكثير من ملفات الفساد التي تتم إثارتها في حلقات النقاش، تقدم معدة البرنامج وضيوفها، الوثائق، والأدلة، والمستندات، التي تثبت المخالفات القانونية الفاضحة التي ترافق بعض المعاملات المالية والإدارية.. وتعرض أحيانا فواتير تحمل تواقيع لشخصيات عمومية حول صفقات وهمية، وعمولات دخلت بشكل غير شرعي لجيوب المنتفعين، ولم تصل إلي ذويها الحقيقيين. في الحلقات الأخيرة للبرنامج ركزت غادة علي الكيفية التي تدير بها الهيئة العليا للإغاثة الأموال التي حصل عليها لبنان كمساعدات من دول صديقة وشقيقة لتخصيصها للمتضررين من الحرب. وتم التطرق إلي الكثير من المخالفات القانونية التي تصاحب عمل اللجنة، والتي يتم بموجبها الاستيلاء من جانب بعض المسؤولين اللبنانيين علي المال المخصص لضحايا الحرب.
لقد شاهد جمهور البرنامج لمرات متكررة معدة البرنامج ومقدمته وهي تصيح قائلة ما مضمونه: يا أيها الناس هذه ملفات للفساد نتناولها أمام الرأي العام، ونوجه من خلالها اتهامات بهدر المال العام والاستيلاء عليه دون وجه حق، ونتحدث عن تجاوزات فظيعة للقانون، ولا من يجيبنا. إذا كان ما نقوله غير صحيح، تفضلوا بموافاتنا ببيانات الحقيقة، وإن اقتضي الأمر تابعونا أمام القضاء لكي يقول كلمة الفصل فيما نورده، ويطمئن المواطنون.
تحصل أحيانا بعض الاتصالات من جانب أشخاص يوضحون فيها وجهة نظرهم ويدافعون عن أنفسهم حينما تثار أسماؤهم، غير أن العديد من الحالات التي تم التطرق فيها لقضايا فساد في البرنامج، لا أحد كان يجيب عنها، أو يدخل في نقاش مع معدة البرنامج وضيوفها حول هذه القضايا.
لا نعلم إن كان برنامج غادة عيد هو البرنامج العربي الوحيد الذي يتناول قضايا الفساد في شاشة التلفزيون، أم توجد برامج أخري تتناول نفس الموضوع، ولكن المؤكد هو أن الفساد يشكل موضوعا لنقاش مستمر في الصحافة العربية، خصوصا المستقلة منها عن السلطة، أو الصادرة عن تنظيمات حزبية معارضة. فموضوع الفساد أصبح حاضرا بقوة في الشارع العربي، حتي في غياب التطرق إليه في الفضائيات والإعلام الحكومي العربي المكتوب.
فلقد بات الفساد ظاهرة توشك علي ابتلاع المجتمع العربي برمته، ويمكن القول إن الفساد تحول في العالم العربي إلي إستراتيجية للسيطرة في يد السلطة، تتحكم من خلاله في المجتمع، بخلق الأزلام والمحاسيب. فما يتم تبذيره ونهبه من المال العمومي في كل دولة عربية علي حدة، يكاد يوازي ما تُنفقه علي المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنشئها. وفي الكثير من الأحيان تصبح الغاية من الإعلان عن إنجاز بعض المشاريع، خلق مسارب، وابتكار طرق للاستيلاء علي المال العمومي، ووضع اليد عليه، وتهريبه إلي البنوك والمصارف الخاصة خارج الوطن.
عملية النهب والسطو علي المال العام باتت تتم علي مرأي ومسمع من الجميع، وفي حالات كثيرة يقع ضبط وقوع اختلاسات لأموال طائلة جدا من خزينة الدولة، وتُعرف الجهة التي قامت بعملية الاختلاس، ولا أحد يجرؤ علي مساءلتها أو مقاضاتها، لمعاقبتها، وإجبارها علي رد ما قامت بالاستيلاء عليه. بل يظل القائمون علي هذه الاختلاسات في مواقع المسؤولية التي استغلوها للاختلاس، وأحيانا تتم ترقيتهم وتسند إليهم حقائب أعلي مما كانت لديهم قبل قيامهم بمد اليد الي مال الشعب.
في ظل وضع من هذا النوع، بماذا يفيد عمل الإعلام في تناوله لموضوع الفساد؟ إذا كان الإعلامي يقوم بواجبه الذي يفرضه عليه ضميره، وإذا كان يؤدي وظيفة اجتماعية شريفة تتمثل في فضح الفاسدين والتنديد بهم، وتعبئة الرأي العام ضدهم، ألا ينتج عن عدم المساس بالمفسدين، رغم التشهير بهم، وذكرهم في مرات كثيرة بالأسماء، إشعارهم بأنهم محصنون من المتابعة، وأن بإمكانهم الاستمرار في النهب والسطو والاغتناء الفاحش علي حساب قوت الشعب وكدحه، دون خوف من الملاحقة؟
يشكل الإعلام في الدول الديمقراطية سلطة رابعة، لأنه إذا قام بفضح مسؤول واحد فاسد، بأدلة وحجج قوية، فإنه يقضي تماما علي الحياة السياسية لذلك المسؤول، فالقضاء يلاحقه، والمهمة التي كان يزاولها تسحب منه، وُيزج به في السجن، ويفقد وزنه الاعتباري في المجتمع بشكل كامل، ويصبح منبوذا ومدانا، وقد تصادر منه جميع ممتلكاته. فالسلطة الرابعة للإعلام تتكامل في أداء واجبها مع باقي السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. أما عندما تكون السلطات الثلاث شبه معطلة، ولا تقوم بواجباتها علي النحو المطلوب، لأنها بدورها منخورة بالفساد، فإن الإعلامي الذي يحاول بجهده مقارعة الفساد ومقاومته، فإنه، رغم نبل الرسالة التي يقوم بتبليغها إلي الرأي العام، والمحبة والتقدير اللذين يحظي بهما من طرف الناس البسطاء والفقراء والمخلصين لوطنهم، فإنه يصبح، وكأنه يحارب طواحين الهواء. أكيد أن الإعلامي يقوم في هذه الحالة بما يمليه عليه ضميره، ولكنه، للأسف، يصطدم بأشخاص أقوياء بالمال وبالنفوذ، وليس لديهم ضمير. وهنا تكمن مأساة الإعلامي ومأساة المجتمع برمته.
بنجدو محايد والمغنية منحازة! كان الإعلامي غسان بن جدو ضيفا علي برنامج أكيد أكيد مايسترو في قناة نيو تي في وكما هو معلوم فإن بن جدو يشغل منصب مدير مكتب قناة الجزيرة في بيروت. الملاحظ أنه رغم التجاذب والسجال والتشاحن بين السياسيين اللبنانيين الذي بلغ في الآونة الأخيرة مداه الأعلي، فإن المرء لا يملك إلا أن يسجل لغسان بنجدو، وكل الطاقم الصحافي العامل في الجزيرة بلبنان، قدرته علي الحفاظ علي حبل المودة قائما بين جميع اللبنانيين المتخاصمين سياسيا فيما بينهم. إنه يستند في عمله إلي الضوابط المهنية التي تقدس الموضوعية، لكي لا تتهمه جهة ما بالتحيز إلي الجهة الأخري؟
وبالفعل فإن المشاهد لا يشعر أن غسان بنجدو أثناء إجرائه للحوارات مع القادة السياسيين اللبنانيين، يميز بين حسن نصر الله ووليد جنبلاط، وبين سمير جعجع وميشال عون، وبين أمين جميل وسليمان فرنجية… يشعر الجمهور أنهم جميعهم سواسية لديه، ويعاملهم نفس المعاملة، ويتحدث عنهم باللغة ذاتها. بخلاف غسان بنجدو، عبرت الفنانة هيفاء وهبي في نفس البرنامج عن تقديرها وإعجابها، بكل من سليمان فرنجية وزير الداخلية اللبناني الأسبق، وبالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. لاشك أن حوارا سياسيا مع هيفاء علي شاشة التلفزيون، حول سلاح المقاومة، وحكومة وحدة وطنية لبنانية، والعلاقة مع سورية سيكون حوارا طريفا ومثيرا.
صحافي من المغرب[email protected]